أتر

دفتر أحوال السودان (127): من بارا وأردمتا

بارا: نازحون مشتتون يحنون للعودة ومدينة خالية وأوضاع قاسية للعالقين بالقرى المحيطة

مراسل أتر

توقفت سبل الحياة في مدينة بارا، وهي الثانية في ولاية شمال كردفان من حيث الأهمية الاقتصادية والتجارية. وخلت المدينة من سكانها الذين نزحوا إلى مختلف مناطق كردفان، بعد تكرار عمليات الكرِّ والفرِّ بين الجيش السوداني وحلفائه، وقوات الدعم السريع التي تسيطر على المدينة منذ مارس الماضي، ما خلَّف مُعاناةً كبيرةً وتهديداتٍ أمنية وظروفاً إنسانيةً بالغةَ القسوة وسط المدنيين الفارِّين إلى مُدن أم روابة والأبيض.

تقول سميرة جماع الساير، لمراسل «أتَر»، وقد نزحت إلى مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان منذ أكتوبر العام الماضي، إن رحلة نزوحها استغرقت خمسة أيام سيراً على الأقدام رفقة ابنها المُعاق حركياً، وتشير إلى أن آخرين وصلوا إلى الأبيض في ثلاثة أو أربعة أيام، واصفةً بارا بأنها غدَتْ مرتعاً لقوات الدعم السريع، وتحوَّلَت بيوت سكان المدينة لمساكن أشباح.

ودعت سميرة إلى اتفاق مكتوب يجعل المدينة خارج دائرة العمليات العسكرية، وأن تكون إدارتها عند أهلها، ليُعمِّروا الخراب غير المسبوق الذي حل بالمدينة بحسب وصفها. وأفصحت سميرة عن رغبتها في العودة إلى مدينتها واستعادة عملها في سوقها، وإن استحال ذلك فستنزح، ربما إلى ولاية النيل الأبيض أو الخرطوم، إذ ترى أن مدينة الأبيض بحالها الآن تُذكِّرها ببارا قبل سيطرة الدعم السريع عليها؛ حصار وهجمات بالمسيرات.

وعلى غرار سيناريو مدينة الفاشر، تتواتر الأنباء عن نية قوات الدعم السريع مهاجمة مدينة الأبيض التي تُحاصرها من ثلاث جهات. ويتخوَّف آلاف النازحين من بارا وقراها بالمدينة من تكرار الظروف التي ألجأتهم إلى النزوح، وبدأ جزء منهم في مغادرة الأبيض منذ أشهر في رحلات نزوح متواصلة.

وكشف إبراهيم وهب الله، العضو السابق بغرفة طوارئ بارا، وهو من قرية الطويل التي تبعد حوالي 17 كيلومتراً غربيّ بارا، عن نزوح 700 شخصٍ من سكان القرية البالغ عددهم نحو 1720 شخصاً، بسبب المعاناة الكبيرة في الحصول على الغذاء، إذ كانت أسواق القرية ومتاجرها تعتمد على مدينة بارا في إمدادها بالسلع الاستهلاكية. ويقول وهب الله، إن البضائع التي تأتي من مناطق مُجاوِرة تصل بصعوبة إلى القرية، خاصة مع إغلاق الطرق التي كانت تأتي عبرها البضائع من ولاية الخرطوم، مشيراً إلى أن الحصول على سلع بعينها مثل الدقيق والعدس والأرز والصابون والمنظفات بات حلماً بعيد المنال.

وأبلغ وهب الله مراسل «أتر»، بارتفاع كبير في أسعار السلع بالمنطقة، إذ بلغ سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلو 150 ألف جنيه، وكيلو العدس 20 ألف جنيه، وملوة البصل 20 ألف جنيه، وقطعة الصابون 5 آلاف جنيه، وملوة العدسية 50 ألف جنيه، وملوة الذرة 30 ألف جنيه. وذكر وهب الله، أنه مع ارتفاع أسعار السلع، بات الناس يتناولون وجبة واحدة في اليوم، مضيفاً: «كل الموجودين بالقرية حالياً تقطعت بهم السُبل، ولا يملكون ما يسافرون به إلى مناطق أخرى أكثر أمناً وأفضل معيشياً».

ويُعَدُّ قطع الأشجار، المهنة الوحيدة المتاحة في القرى حول بارا بديلاً عن النشاط الزراعي المتوقف. وتباع الأحطاب فحماً، لكن سوقه يشهد كساداً بفعل النزوح واستمرار الحصار. وينوه وهب الله إلى أن أسباب تدهور الحياة الاقتصادية للمواطنين، تتلخص في غياب الأمن وضعف التمويل، بجانب نهب قوات الدعم السريع للمواشي، ولم يبقَ منها حتى ما يسقي الأطفال حليبهم، ما انعكس على أسعار اللحوم، إذ يباع كيلو اللحم الضأن بمبلغ 90 ألف جنيه، ورطل اللبن بمبلغ 5 آلاف جنيه.

وأخبر حامد الأمين أبو سيف، المواطن بقرية الكرامشة على بعد 4 كليومترات شمالي بارا مراسل «أتر»، أنه نزح برفقة 66 شخصاً من القرية، لمحلية أم دم حاج أحمد قبل سيطرة الدعم السريع عليها مايو الماضي، ومنها لمدينة الأبيض، لكنهم يتخوفون الآن من رحلة نزوح جديدة، وهم غير مُستعدّين لها. ويضيف أبو سيف قائلاً: «نزحنا من بارا لنعيش، وتركنا أم صميمة لننجو، لكن إذا دخلت الحرب إلى قلب الأبيض، إلى أين سنذهب هذه المرة؟».

لم يُفِق النازحون إلى مدينة الأبيض، من صدمة اقتلاعهم من أراضيهم، وفقدان مصادر دخلهم الأساسية التي كانت تعتمد على نحو كبير على الزراعة والتجارة والإنتاج الحيواني، حتى وجدوا أنفسهم محاصرين في مدينة تكافح هي نفسها، من أجل البقاء تحت وطأة القصف ونقص الخدمات، وترتفع أسعار السلع فيها بنحوٍ جنوني، وسط ضعف في القوة الشرائية. مصدر بغرف طوارئ الأبيض فضل حجب اسمه، أكد لمراسل «أتَر»، تفاقم معاناة نازحي بارا في مراكز الإيواء، في خيام متهالكة وسط أزمة في مياه الشرب تضرب المدينة، بجانب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، واستهداف البنى التحتية بالقصف، كاشفاً عن أن النازحين يضطرون للوقوف في صفوف لساعات طويلة، لشراء المياه بأسعار تفوق قدراتهم المنعدمة أصلاً.

ويقول المصدر، لمراسل «أتَر»، إن مراكز الإيواء بالأبيض، تكتظ بمئات الأسر النازحة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والصرف الصحي، وإن المستشفيات والمرافق الطبية في المدينة تعمل بأقل من طاقتها التشغيلية، وتواجه نقصاً حاداً في الأدوية المنقذة للحياة والكوادر الطبية، مُعتبراً هذا الوضع بأنه يجعل النازحين عرضة لتفشي الأمراض المرتبطة بسوء التغذية وتلوث المياه، مثل حالات الإسهال التي تسجل ارتفاعاً مقلقاً، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

أردمتا غرب دارفور: جسر مُهدَّد بالخروج من الخدمة

مراسل أتر

تعرض جسر أردمتا الجديد بمدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، إلى تدمير جزئي بعد هجوم نفذته طائرة مسيرة، في 9 يونيو الجاري. واتهم مكتب رئيس وزراء حكومة تأسيس، قوات الجيش السوداني بالوقوف وراء الهجوم الذي أدانه وعده محاولة متعمدة لتعطيل حياة المدنيين. وتحدثت عائشة صديق، المواطنة بحي المجلس بالجنينة، لمراسل «أتَر»، قائلة إنها سمعت صوت دوياً عالياً صاحبته هزَّة أرضية عنيفة، تبيَّن لها لاحقاً عند ذهابها للجسر، أنها قذيفة تركت ثقباً يتجاوز محيطه المتر ونصف المتر المربع في جسم الجسر، ما أدى إلى أن تصبح الحركة فيه من اتجاه واحد.

وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً أدانت فيه استهداف الجسر، وأشارت إلى الجيش السوداني باعتباره الجهة المسؤولة عن القصف. كما رفعت الإدارة المدنية لولاية غرب دارفور، التابعة لقوات الدعم السريع، في بيان اطلعت عليه «أتَر»، شكاوى إلى منظمات دولية ووكالات تابعة للأمم المتحدة بشأن الحادث.

ويُمثّل جسر أردمتا الجديد شرياناً حيوياً، لنقل السلع والمساعدات الإنسانية والإغاثية، التي ترد من دولة تشاد المُجاوِرة، كما يربط الجسر بين شرق مدينة الجنينة وغربها، التي يقسمها وادي كجا إلى نصفين. وبفعل فيضان الوادي في خريف 2024، تعرض جسر أردمتا القديم إلى دمار كامل. وأفادت مصادر محلية مراسل «أتَر»، أن فيضان الوادي في فصل الخريف، يؤدي عادة إلى توقف الحركة بين ضفتيه لمدة تناهز الخمسة أشهر.

وأضافت المصادر أن الأضرار لم تقتصر على الفتحة التي أحدثها القصف في جسم الجسر، إذ كشفت المُعاينات الأولية عن حدوث تشقُّقات في إحدى الركائز الأساسية للجسر داخل مجرى الوادي. وعلى إثر ذلك، شكّلت حكومة ولاية غرب دارفور، التابعة لتحالف تأسيس، لجنة فنية من مهندسين ووزارة التخطيط العمراني لتقييم حجم الأضرار ودراسة إمكانيات صيانة الجسر خلال الفترة المقبلة.

وبحسب علاء الدين بابكر، الصحافي المقيم بمدينة الجنينة، في حديثه لمراسل «أتَر»، فإن أهمية الجسر تأتي من البضائع الواردة عبره من دول ليبيا وغرب أفريقيا إلى ولايات دارفور وكردفان، مروراً بسوق أديكونق الحدودي مع دولة تشاد، مُشيراً إلى أن جميع المساعدات الإنسانية للمتأثرين بالحرب في كردفان ودارفور، التي كانت تمر عبر هذا الجسر قد تعطلت، مُتوقّعاً أنه فور بدء موسم الخريف، فإن الوادي لن يسمح بمرور أي شيء خلاله، لذلك لا بد من خطة إسعافية لمُجابهة الأمر، وتمكين مرور المُساعدات وانسياب الحركة التجارية.

ويمضي علاء الدين موضحاً، أن التدمير الجزئي لجسر أردمتا الجديد، لن يتوقَّف ضررُه على مدينة الجنينة فحسب، إذ إن آلاف النازحين بمنطقة طويلة بولاية شمال دارفور، سيتأثرون بخروج الجسر من الخدمة، فجميع المساعدات الإنسانية تمرُّ عبره. ويتعذَّر على سكان المناطق الشرقية من مدينة الجنينة، خيار اللجوء إلى الطريق البري الرابط مع دولة جنوب السودان، بسبب كثرة الأمطار ووعورة الطريق، لن يبقى أمامهم من حل سوى الانتظار ريثما ينتهي فصل الخريف، كما يشير علاء الدين.

بدوره يرى المهندس عماد الدين، من مدينة الجنينة، أن استهداف المسيرة للجسر، هو قطع الوصول للإمداد الغذائي للأسر، إذ إن الجيش يعلم مدى صعوبة الحركة في فصل الخريف، والجسر كان الممر الوحيد للدخول والخروج من المدينة، فقد جرفت السيول جسرين بالمدينة خلال الأعوام الماضية، بسبب أخطاء هندسية صاحبت إنشاءهما. وبدأ العمل في جسر أردمتا الجديد أواخر 2016 واكتمل  بعد عام تقريباً في أكتوبر 2017. ويمتد طوله لحوالي 150 متراً.

وتتصاعد المخاوف في مدينة الجنينة من أن يؤدي تأخر صيانة الجسر إلى عزل المدينة مع دخول موسم الخريف، خاصة مع بدء هطول الأمطار. وامتدَّت هذه المخاوف إلى الأسواق في مدن أخرى بدارفور، حيث تحدث تجار عن مؤشرات أولية لارتفاع الأسعار نتيجة المخاوف من تعطل حركة النقل والإمداد. ويشير متعاملون في الأسواق إلى أن سعر جوال السكر في الجنينة يبلغ نحو 200 ألف جنيه مقارنة بنحو 250 ألف جنيه في نيالا، بينما يباع جوال البصل بنحو 50 ألف جنيه في الجنينة مقابل 90 ألف جنيه في نيالا، وسط توقعات بمزيد من الارتفاعات إذا خرج الجسر من الخدمة خلال موسم الأمطار الذي بدأ بالفعل.

كما حذرت الأمم المتحدة في بيان لها، من زيادة الهجمات على الجسور والطرق، ما يصعب وصول المساعدات الإنسانية، ويُعرِّض مزيداً من المدنيين للخطر، مُعلنةً عن استئناف حركة المساعدات الإنسانية، على طول طريق الجنينة-زالنجي، الرابط بين ولايتي غرب ووسط دارفور، الذي عدته مساراً حيوياً لنقل المساعدات الإنسانية من تشاد إلى دارفور وكردفان.

Scroll to Top