أتر

السكن في الاقتلاع: تأمُّل استعادي لمشروع «بيت بَرّا البيت»

قبل سنتين تقريباً، وأثناء العمل مع صديقي المُصوِّر الصادق محمد «جانكا» على معرض «بيت برّا البيت» بيوغندا، كنا نظن أنَّنا نُوثّق الأشياء التي حملها السودانيون في دروب النزوح واللجوء، ما دفعنا إلى سؤال المشاركين: ماذا جلبتم من السودان؟ مُتوقّعين أن تكون الإجابة أشياء مادية، ثوباً، صورة، وثيقة، آلة موسيقية أو قطعة أثاث صغيرة. لكنّ شيئاً آخر بدأ يظهر أثناء جلسات التصوير والحديث. لم تكن الماديات هي ما يبني منزلاً خارج البيت، حتى مع تعدِّد وضوح الإشارات إليه. أما المواد الحقيقية التي يُبنى منها البيت فكانت أشياء أقل قابلية للتصوير الفوتوغرافي: الذاكرة، العناية، الصداقة، الموسيقى، الحنين، والقدرة العنيدة على تخيّل حياة جديدة. «المواد التي يُبنى بها بيت خارج البيت هي مؤثّرات إدراكية وانفعالية»، مثلما تقول ديباجة المعرض.

ومع مرور الوقت، واستمرار العمل على المشروع، بدا لي أنّ السؤال الذي قاد المعرض لم يكن سؤال البيت أصلاً، إنما سؤال الثقافة نفسها. وأظنّ أن هذا هو ما يودّ المشروع، الذي استمر بعد المعرض، قولَه حتى دون أن ينتبه. كيف قادني التفكير في البيت إلى الشكّ في فكرة الثقافة نفسها؟! وعندما قرأت لاحقاً عبارة جيمس كليفورد عن «السكن في الاقتلاع»، أدركتُ أنّ شخصيات المعرض لم تكن تُحاول العودة إلى بيوتها بقدر ما كانت تتعلَّم السكن داخل حركة الاقتلاع نفسها. «مريم» لا تحمل وطناً، إنما ذاكرة. «نبهان» لا يحمل مكاناً، إنما إيقاعاً. «تنزيل» تنسج بيتاً بالخيوط. «باك» المَرِح يعثر على البيت في فكرة العناية. «عم صلاح» في الجلابية. كلّهم تقريباً يقولون شيئاً واحداً: البيت أكثر من مكان. وأنّ ما يشير إليه إدوارد سعيد بعبارة المنفى، لا باعتباره خسارة للمكان فحسب، بل كونه مسافة دائمة عن اليقين، كان حاضراً في وجوه المشاركين جميعاً.

البيت أكثر من مكان

ارتبَط مفهوم الثقافة طويلاً بفكرة الجذور. فُهمتْ الثقافة بوصفها شيئاً ينمو داخل أرض مُحدَّدة، ويرتبط بتاريخ ومكان بعينهما. ومن هنا جاءت التصوّرات الرومانسية عن الوطن باعتباره الحاضن الطبيعي للهُويَّة والثقافة. تعرّض هذا التصوّر للتفكيك في الربع الأخير من القرن العشرين. ففي كتابِه «موقع الثقافة»، يرفض هومي بابا النظرَ إلى الثقافة بوصفها كياناً ثابتاً ومكتفياً بذاته، بل تُنتَج في مناطق التماس والاختلاط والترجمة. إنها تتشكّل في ما يسميه «الفضاء الثالث»، ذلك الحيّز الواقع بين الهويات المستقرّة والتصنيفات الصلبة.

وبطريقة مشابهة، يُميِّز جيمس كليفورد بين الجذور والمسارات. ففي كتابه «Routes» يدعو إلى التفكير في الثقافة من خلال الحركة والتنقُّل، لا من خلال الاستقرار فقط. ولعلّ عبارته الشهيرة «الثقافات لا تبقى ساكنة من أجل أن تُلتقط لها صورة ثابتة»؛ تمثل نقداً مباشراً لكلّ محاولات تجميد الثقافة داخل حدودٍ جغرافيّةٍ مُحدَّدَة. من هذا المنظور، لا يبدو النزوح خروجاً من الثقافة، ولا حتى انتقالاً بها، لأنها لا تَبقى في المكان الذي غادره الناس، بل تُرافقهم في رحلاتهم، وتتغيَّر معهم، وتُعيد إنتاج نفسها في سياقات جديدة.

تجربة «بيت برَّا البيت» تدفع هذه الفكرة خطوةً أبعد. لا تبدو الثقافة هنا شيئاً يُنقَل من مكان إلى آخر كما تُنقل الحقائب أو الوثائق أو التذكارات الشخصية. إنها لا تسافر مكتملةً من وطنٍ إلى منفى، بل تُعاد صياغتها أثناء الرحلة نفسها. ما رأيناه في قصصِ المُشاركين لم يكن انتقال ثقافة جاهزة من السودان إلى يوغندا، وإنما ولادة أشكال جديدة من المعنى والانتماء والعلاقات داخل الحركة ذاتها.

السكن في الاقتلاع

لكنّ الحديث عن «السكن في الاقتلاع»، يفتح سؤالاً آخر ربما يكون أكثر صعوبة: ما الذي نقصده بالسكن أصلاً؟

في العادة نفكر في السكن بوصفه علاقةً بين الإنسان والمكان. بيتٌ له جدرانٌ وسقفٌ وعنوانٌ ثابت. مكان يعود إليه المرء في نهاية اليوم ويعرف أنه ينتمي إليه. لكن ما كشَفَتْه قصص المعرض هو أنّ هذه العلاقة أبعد كثيراً من مُجرَّد الإقامة في مكان. فمعظم المشاركين كانوا يملكون مكاناً يُقيمون فيه في كمبالا، لكنّ ذلك لم يكن كافياً للشعور بالسُّكنى. وفي المقابل، كان بعضهم يستحضر شعوراً عميقاً بها من خلال أشياء لا علاقة لها بالمكان بالمعنى المباشر: أغنية، أو ذكرى، أو علاقة صداقة، أو طقس يومي صغير يعيد ربطه بحياته السابقة.

ربما لهذا السبب بدا لي أنّ البيت، كما أظهره تطوُّر المشروع، لم يكن موضوعاً مادياً بقدر ما كان ممارسة. لم يكن شيئاً يمتلكه الناس، إنما شيء يفعلونه. كان «نبهان» يبني بيته كلما استعاد إيقاعاً موسيقياً يربطه بأصدقائه الذين فرَّقتهم الحرب. وكانت «تنزيل» تنسج بيتها بخيوط تربط بين عوالم متباعدة. وكانت «مريم» تعيد بناء بيتها عبر الذاكرة، لا لأنها تعيش في الماضي، بل لأن الذاكرة نفسها أصبحت إحدى الوسائل القليلة المتاحة للحفاظ على استمرارية الذات وسط الانقطاعات المتكررة. وحتى «عم صلاح» كان يمارس شكلاً من أشكال السكن عبر إصراره على الجلابية، لا باعتبارها زياً تقليدياً فحسب، بل باعتبارها امتداداً لعلاقة كاملة بالعالم.

من هنا ربما لا يكون السكن نقيض الحركة كما اعتدنا أن نتصوّر. هو لا يتحقّق دائماً عبر الاستقرار في مكان واحد، كما أن الحركة لا تعني بالضرورة انعدام الاستقرار. ما تكشفه تجارب النزوح هو أنّ البشر قادرون على حمل أشكال معيّنة من السكن معهم، حتى عندما يفقدون البيوت التي كانت تأويهم. إنهم يحملون عاداتهم وعلاقاتهم وذكرياتهم وصوَرهم عن أنفسهم، ويعيدون ترتيبها في سياقات جديدة. ليس لأنّ هذه الأشياء تعوِّض المكان المفقود، وإنما لأنها تمنح الحياة قدراً من الاستمرارية في مواجهة الانقطاع.

ولعلّ هذا مقصد عبارة جيمس كليفورد «السكن في الاقتلاع». السكن هنا لا يعني الوصول إلى برّ الأمان، ولا العثور على وطن بديل، بل القدرة على إنتاج درجة من المعنى والاستقرار داخل عالم فقد استقراره السابق. إنه ليس إلغاءً لفكرة البيت، وإنما إعادة تعريف لها. فالبيت لا يعود مجرد نقطة ثابتة على الخريطة، بل يصبح شبكة من العلاقات والذكريات والمُمارسات التي تَسمح للإنسان بأن يظلّ نفسه، ولو جزئياً، وسط التحولات العنيفة التي تفرضها عليه الحياة.

لعل أحد الدروس التي تعلمتها من «بيت برّا البيت» هو أن البيت ليس هو الوطن، وأن السكن ليس هو البيت. فالوطن جغرافيا وتاريخ، والبيت شبكة من العلاقات والذكريات، أما السكن فهو الجهد الأخلاقي الذي يبذله البشر لجعل الحياة قابلة للعيش، حتى عندما يتعذر كل من الوطن والبيت.

بهذا المعنى، لا يبدو المشاركون في «بيت برَّا البيت»، أشخاصاً يبحثون عن بيوت بديلة بقدر ما كانوا يحاولون الحفاظ على إمكانية السكن نفسها. كانوا يحاولون أن يجعلوا العالَم قابلاً للعيش، حتى في اللحظة التي فقدوا فيها كثيراً من شروط العيش التي عرفوها من قبل.

ضد رَمْنَسة النزوح

غير أنّ فهم السكن بهذه الطريقة يَفرض حذراً إضافياً. فإذا كان السكن لا يُختزل في البيت المادي، وإذا كان البشر قادرين على إعادة بناء شروط العيش وسط الاقتلاع، فقد يقودنا ذلك بسهولة إلى استنتاج مُضلِّل: أن النزوح نفسه يفتح إمكانات جديدة للحياة والثقافة ينبغي الاحتفاء بها. وهنا تبدأ المشكلة. لأنّ القدرة على السكن داخل الاقتلاع لا تعني أنّ الاقتلاع أصبح مرغوباً، تماماً كما أن القدرة على التعايش مع الفقدان لا تجعل الفقدان أقل قسوة.

ثمة خطرٌ يرافق هذا النوع من التأمّلات؛ يُقرِّبنا بسهولة من فخِّ رمنسة النزوح وتحويله إلى تجربة وجودية ثرية في ذاتها. والحال أنّ الحرب ليست مفهوماً نظرياً، والنزوح ليس استعارة فلسفية. إنهما، قبل كل شيء، عنفٌ ماديٌّ يُمارَسُ على الأجساد والحيوات والعلاقات الإنسانية.

لم يخرج المشاركون في «بيت برَّا البيت» بحثاً عن فضاءات ثقافية جديدة. لم تغادر «مريم» دارفور والسودان ثم مصر والإمارات ويوغندا لأنها أرادت أن تختبر سيولة الهوية أو تعدُّد الانتماءات. ولم يجلس «نبهان» في كمبالا حاملاً ريشة القيتار لأنه اختار حياة الترحال. كما أن «تنزيل» لم تنسج بيوتها بالخيوط لأنّ الحركة بين الأمكنة مصدر إلهام رومانسي. لقد وصلوا جميعاً إلى هذه المواقع عبر الحرب، وعبر انقطاع قاسٍ في مسارات حيواتهم. ولذلك فإنّ أي قراءة ثقافية للنزوح تفقد قيمتها الأخلاقية إذا نُسِيَتْ هذه الحقيقة الأساسية.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بالمأساة لا يعني اختزال النازحين في دَور الضحايا. إنّ إحدى مشكلات الخطاب الإنساني السائد أنه لا يرى في النازح سوى ما فقده. تُروَى قصص النزوح عادةً من خلال لغة الخسارة والعوز والاحتياج، وكأنّ حياة الأفراد تتوقّف عند لحظة الاقتلاع. لكنّ ما كشفه المعرض هو أنّ البشر لا يتوقفون عن إنتاج المعنى حتى في أكثر الظروف قسوة. إنهم يعيدون تنظيم حياتهم، ويبتكرون أشكالاً جديدة من التضامن والعناية، ويخلقون عوالم رمزية تساعدهم على الاستمرار. ليس ذلك لأنهم تجاوزوا الخسارة، إنما لأنهم مضطرّون إلى التعايش معها.

بين الضحيّة والرحّالة

بعد الانتهاء من المعرض بوقت طويل، وجدتُ في كتابات ليزا مالكي وصفاً دقيقاً للمأزق الذي كنت أحاول فهمه. ففي نقدها لما سمَّته «ميتافيزيقا الاستقرار»، تُشير مالكي إلى أنّ الفكر الحديث اعتاد تخيُّل البشر بوصفهم كائنات مُتجذِّرة طبيعياً في أرض مُحدَّدَة، بحيث تبدو الحركة والاقتلاع والانفصال عن المكان حالات استثنائية أو غير طبيعية. ومن هذا المنظور يُنظر إلى اللاجئين والنازحين بوصفهم أشخاصاً اقتُلعت جذورهم من تربتها الأصلية، وكأنّ وجودهم خارج الوطن يُمثِّل حالة نقصٍ أو خللٍ مُؤقّتٍ ينبغي تصحيحه بالعودة. غير أنّ مالكي ترى أن هذه الصورة تُخفي التعقيدَ الحقيقيَّ لتجارب النزوح، لأنها تفترض سلفاً أنه ليس في مقدور الهوية والثقافة الوجود إلا داخل علاقة مُستقرَّة مع الأرض.

لكنّ مالكي تُحذِّر أيضاً من الوقوع في الخطأ المُعاكس. فإذا كان اختزال اللاجئين في صورة الضحية يحرمهم من الوكالة (agency)، ومن قدرتهم على الفعل؛ فإن الاحتفاء بهم بوصفهم نماذج للكوزموبوليتيّة أو للهوية العابرة للحدود لا يقلّ اختزالاً، ويُوقِعنا في نسيان أنّ الحركة هنا ليست خياراً حراً، إنما تجربة سياسية وتاريخية فرضتها ظروف العنف والحرب. وفي الحالتين يجري التعامل معهم من خلال صورة جاهزة. ما تكشفه قصص المشاركين في «بيت برّا البيت» هو أنّ حياتهم تقع في المسافة بين هذين التصوّرين. فهم ليسوا ضحايا سلبيات عالقات في لحظة الفقدان، كما أنهم ليسوا رحّالة أحراراً يحتفون بالاقتلاع. إنهم أشخاص يحاولون بناء حياة قابلة للعيش داخل ظروف لم يختاروها، ويرممون عوالمهم دون التوقف عن الحنين إلى ما فقدوه.

وهذا بالضبط ما كشفته تجربة «بيت برّا البيت». لا يَعيش النازحون خارج التاريخ أو خارج الثقافة كما توحي بعض الخطابات الإنسانية. إنهم لا يُقيمون في فراغ بين وطن مفقود ووطن لم يُكتسب بعد، إنما يواصلون إنتاج عوالم اجتماعية ورمزية جديدة حيثما وَجدوا أنفسهم. غير أنّ هذه العوالم لا تُلغي الوطن الذي تركوه خلفهم، بل تتشكل في حوار دائم معه. ولذلك فإنّ الثقافة التي تنشأ في النزوح ليست بديلاً عن البيت، وإنما محاولة مستمرة للتفاوض مع غيابه.

البيت بوصفه أفقاً

بهذا المعنى، لا ينبغي فهم ثقافة المؤثرات الإدراكية والانفعالية التي استعان بها النازح في بناء بيته بوصفها انتصاراً على الحرب. إنها ليست لحظة خلاص، بل شكل من أشكال التفاوض المستمر مع الفقدان. فالحرب لا تختفي من هذه القصص، وإنما تبقى حاضرة باعتبارها الشرط الذي جعل هذه المُمارسات ضرورية أصلاً. الإبداع هنا لا يلغي المأساة؛ إنه ينشأ من الاحتكاك اليومي بها.

وربما لهذا السبب، بدَتْ لي عبارةُ «سميّة» الأكثر أهمية بين جميع شهادات المعرض. فبعد كلّ الحديث عن الذكريات والعلاقات والقدرة على البدء من جديد، تقول ببساطة «إنّ ما ينقص هو البيت نفسه». تكمن قوة هذه العبارة في أنها تضع حدَّاً لأيِّ رمنسة. فالبيت ليس محض استعارة يمكن استبدالها بالذاكرة أو الموسيقى أو الصداقة. هنالك على الدوام شيءٌ مفقودٌ بالفعل. هنالك منزلٌ تُرك وراء صاحبه، ومدينة لم تعد كما كانت، وحياة انقطعت فجأة. إنّ الاعتراف بقدرة البشر على إعادة بناء المعنى لا يجب أن يحجب حقيقة أنهم يفعلون ذلك في ظلّ غياب شيء يتمنّون استعادته.

ربما لم يكن ما يجمع قصص المُشاركات والمشاركين هو الحنين وحده، إنما الألم أيضاً. في مقال سابق كتبتُ عن النزوح بوصفه اقتصاداً للألم، حيث يعيد الناس تنظيم حياتهم وعلاقاتهم ومواردهم من أجل جعل المعاناة قابلة للاحتمال. كانت الفكرة هي محاولة فهم كيف يعيش الناس بعد الكارثة. ويبدو لي اليوم أنّ مشروع «بيت برّا البيت» يمضي أكثر إلى التقاط وجهٍ آخر من العملية نفسها. كيف يُسكَن عالمٌ فُقِد مركزه؟ فالبيت الذي ظلّ المشاركون يبحثون عنه أو يُعيدون بناءه لم يكن محض رمز للانتماء، إنه أداةٌ لمُقاومة الألم أيضاً. كانت الذاكرة والعناية والموسيقى والصداقة طرقاً مختلفة لإعادة وصل ما قطعته الحرب، ومحاولات مُتكرَّرة لتخفيف الشعور بالتبعثر الذي يصاحب الاقتلاع. ولهذا لم يكن البيت نقيضَ الألم، لكنه إحدى الطرق التي يتعامل بها البشر معه.

لعلّ المفارقة أن البيت يصبح أكثر وضوحاً حين يغيب. فمعظم المشارِكات في «بيت برَّا البيت» لم يَعِشْن داخل البيت، بل داخل أثره. كنّ يرين حياتهن اليومية حول شيء لم يَعُدْ مُتاحاً لهن بالكامل، لكنه لم يفقد قدرته على توجيه أفعالهن ومشاعرهن. كانت الموسيقى والذكريات والصداقات والطقوس الصغيرة محاولات متكرّرة للانتصار على التبعثر الذي أحدثته الحرب. لم تكن بديلاً عن البيت، بل علامات تشير إليه. ولهذا ظلَّ البيت حاضراً حتى في غيابه، لا بوصفه مكاناً يمكن العودة إليه دائماً، وإنما بوصفه أفقاً أخلاقياً ووجودياً يمنح معنى لمحاولات البشر المتواصلة لجعل العالم قابلاً للسكن، حتى عندما يتعذَّر وجوده.

من هنا ربما لا يكمن الدرس الذي يقدمه النزوح في تمجيد الحركة أو الاحتفاء بالترحال؛ فمعظم النازحين لا يحلمون بالحركة المستمرة؛ إنه يكمن في شيء أكثر بساطة: مكان يمكنهم أن يتوقّفوا فيه عن الحركة. لكنّ المفارقة أن السعي إلى هذا الاستقرار هو نفسه ما يدفعهم إلى إعادة اختراع البيت في كلّ محطة جديدة. إنهم يبنون بيوتاً مؤقّتة، لا لأن البيت لم يعد مهماً، بل لأنه ما زال مهماً إلى هذا الحد. ويخلقون أشكالاً جديدة من الانتماء، لأنّ الانتماء القديم تعرَّض للتمزّق، لا لأنه أصبح بلا معنى.

جعل الحياة قابلة للعيش

لذلك فإنّ ما تكشفه تجربة النزوح ليس أنّ الثقافة أصبحت حرة من المكان، ولا أنّ البشر يستطيعون العيش بلا أوطان. ما تكشفه، على العكس، هو أنّ الحاجة إلى البيت والانتماء تظلّ قائمة حتى عندما يصبح تحقيقها مستحيلاً. وفي هذه المسافة المؤلمة بين الرغبة في الاستقرار واستحالة الاستقرار، تتشكَّل كثيرٌ من المُمارسات الثقافية التي يحاول مشروع «بيت برّا البيت» التقاط بعض ملامحها.

ربما أخطأنا حين تصوّرنا أن المشروع يدور حول ما يحمله الناس معهم أثناء النزوح. لم يكن المعرض عن الأشياء التي غادرت السودان، بل عن الأشياء التي ظلّ غيابها حاضراً بعد المغادرة. لم تكن الذاكرة بديلاً عن البيت، ولا الموسيقى بديلاً عن الوطن، ولا الصداقة بديلاً عن الحياة التي انقطعت. كانت كلها محاولات للعيش مع هذا الغياب.

ولعلّ هذا هو المعنى الأعمق لما سمّاه جيمس كليفورد «السكن في الاقتلاع». ليس تحويل الاقتلاع إلى وطن جديد، ولا الاحتفاء بالحركة بوصفها فضيلة في ذاتها، وإنما القدرة على مواصلة الحياة داخل عالم فقد مركزه القديم. السكن هنا لا يعني الوصول، بل الاستمرار. لا يعني امتلاك البيت، بل إعادة بنائه مرة بعد أخرى، مع المعرفة الموجعة بأنّ البيت الأول ما زال هناك، غائباً وحاضراً في الوقت نفسه.

لهذا لم تكن المشارِكات في «بيت برا البيت» يحتفلن بالنزوح، كما لم يكنَّ أسيرات له. كنّ يفعلن شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر إنسانية: كنّ يحاولن جعل الحياة قابلة للعيش مرة أخرى.

Scroll to Top