أتر

عرض كتاب: شاهدة على مسيرة الاتحاد النسائي السوداني في نصف قرن من الزمان لفاطمة القدال

بحسب الكاتبة، فإن الكتاب ليس تسجيلاً لتاريخ الاتحاد النسائي السوداني، فتاريخ أي تنظيم – بحسب ما بسطت من رؤية – لا يُدوِّنه فرد، وإنما يُتعيَّن أن يكون عملاً جماعياً، بأن يُوكل إلى لجنة أو هيئة مُعتَمدة من التنظيم. إذن ليس هذا الكتاب توثيقاً بالمعنى الدقيق للتوثيق، إنما اجتهادٌ شخصيٌّ وشهادة من عضوة ناشطة في الاتحاد النسائي، مُنذ التحاقها به في 1962، وانتخابها في اللجنة التنفيذية التي ظلَّت تعمل بها حتى العام 2008؛ شهادةٌ حاولت الكاتبة من خلالها رصد مسيرة الاتحاد منذ تأسيسه في العام 1952 وحتى 2012.
لقد سبقت هذا الكتاب كتاباتٌ عدَّة من قِبَلِ رائدات في الاتحاد النسائي دوَّنَّ تجاربهن ومسيرة الاتحاد والحركة النسائية في السودان، وقد استندت عليها المؤلفة، ومنها كتب من مثل «حصادنا خلال عشرين عاماً» لفاطمة أحمد إبراهيم، و«الحركة النسائية في السودان» لحاجة كاشف بدري، و«المرأة السودانية بين الماضي والحاضر» لنفيسة كامل، إضافة إلى مقابلة مع نفيسة أحمد الأمين التي بدورها أصدرت لاحقاً «ملامح من الحركة النسائية في نصف قرن 1947-1997» في العام 2014، كما ضم الكتاب مُلحقاً بملاحظات حول كتاب فاطمة بابكر «الاتجاهات الفكرية للحركة النسائية السودانية».
جاء الكتاب في ثلاثة فصول، استعرَضَ الأول منها وضع المرأة السودانية قبل تأسيس الاتحاد من ناحية التعليم، راصداً الخطوةَ الشُّجاعة للشيخ بابكر بدري بفتح مدرسة لتعليم البنات في رفاعة في 1907. ورغم أن مدارس الراهبات والأقباط قد سبقت مبادرة الشيخ، لكنها ضمَّت عدداً محدوداً من البنات. وفي 1911 بدأ التعليم الرسمي للبنات حين افتَتَحَتْ الحكومة 5 مدارس ابتدائية لهن في بعض مدن شمال السودان. ثم أُنشئت أول مدرسة وُسطى للبنات في 1940 بأم درمان وفي 1946 بالأبيض وفي 1956 بمدني وفي 1960 بجوبا. وأنشئت أول مدرسة ثانوية للبنات بأم درمان في 1945 وبمدني في 1962. لقد كانت المدارس مدخلاً لانخراط النساء في سوق العمل، لا سيما من بوابتين هما: التمريض والتدريس. فقد افتُتحت مدرسة تدريب الممرضات في 1920 ومدرسة تدريب المعلمات في1921، ثم مدرسة الزائرات الصحيات في 1947، ومدرسة السكرتيرات داخل المعهد الفني في 1956. وفي الفترة ما بين 1960 و1970 اقتحمت الفتيات السودانيات المعاهد المُتخصِّصة في التعليم الفني التي أُنشئت في ذلك الوقت، مثل معهد شمبات الزراعي، ومعهد المعلمين العالي، ومعهد الهندسة المعمارية، ومعهد الغزل والنسيج وفنيي المعامل والعلوم المالية والتجارية، وكلية الفنون بالمعهد الفني.
لقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في السودان تأسيس القوى الوطنية والسياسية والاجتماعية المختلفة. ومنذ أربعينيات القرن العشرين، تشكَّلت أحزاب وتنظيمات للعمال والشباب والنساء بالتزامن مع نهضة وطنية وعالمية من أجل التحرُّر الوطني واستقلال الشعوب من الاستعمار. في 1947 أسَّسَتْ مجموعة من النساء الرائدات رابطة النساء الثقافية، تذكر فاطمة القدال منهنّ: خالدة زاهر، فاطمة طالب، نفيسة المليك، أم سلمى سعيد، وزكية مكي، إلا أن عمل الرابطة كان متعثراً وتوقف في العام 1949. وفي 31 يناير 1952 عُقد اجتماع جرى فيه اختيار لجنة تمهيدية وضعت مشروعاً للدستور، وفي يوم 24 أبريل 1952 انتُخبَت أوَّل لجنة تنفيذية للاتحاد النسائي السوداني بحضور 300 امرأة من الطلائع النسائية، التي اكتسبت الوعي والتجارب من خلال الاشتراك في العمل السياسي والنقابي والطلابي. وضمت اللجنة أسماءً مثل فاطمة طالب، نفيسة المليك، نفيسة أحمد الأمين، فاطمة أحمد إبراهيم، حاجة كاشف، عزيزة مكي، أم سلمى سعيد، ثريا امبابي، محاسن الجيلاني، سعاد الفاتح، عمايم آدم، ثريا الدرديري، محاسن عبد العال، وأخريات.
ومن ضمن التنظيمات التي أدت أدواراً مساندةً للاتحاد النسائي تذكر القدال الحزب الشيوعي السوداني والقطاعات المهنية والطلابية وبعض الصحف ودور النشر، كالصراحة والأيام وصوت السودان؛ ولم تغفل التشجيع الذي أظهره عددٌ من الفنانين مثل حسن عطية وأحمد المصطفى وعثمان حسين، والشعراء مثل صديق مدثر وصلاح كرم الله والزين عباس عمارة؛ والأخير اختيرت قصيدته بمناسبة نيل المرأة حق الانتخاب بعد ثورة أكتوبر نشيداً للاتحاد النسائي، ولحَّنها وأدَّاها مع بعض عضوات الاتحاد الفنان محمد وردي.
عرجت فاطمة القدال على الصعوبات التي واجهت الاتحاد النسائي في بداياته، بخاصة في مسألة جمع التبرعات؛ إذ يحتجن إلى استخراج تصديق من «الضبطية» – قسم الشرطة – بيدَ أنّ ذهاب النساء إلى قسم الشرطة كان يوصف بأنه وصمة، فيُضطُّررن إلى مقابلة الضابط المسؤول في مكان آخر لإكمال الإجراء، وكذلك كُنَّ يَذهبن إلى المطبعة «مُبلّمات بتيابهنْ» – يغطين وجوههن بالتوب عدا العينين – لمُراجعة بعض المواد المُتعلِّقة بإصدارة الاتحاد «مجلة صوت المرأة»، وفي مرة بادرهن خفير المطبعة بمقولة «الله كريم» ظاناً أنهن مُتسوّلات. غير أنّ تلك الصعوبات لم تُثبّط من عزيمتهن أو تثنهن عن المشاركة في المنتديات التي تُقام في المنابر العامة، وكان أولها في اتحاد كلية الخرطوم الجامعية بدعوة من طلاب الاتحاد. كانت الندوة من تقديم الدكتور محمد النويهي بعنوان «دور المرأة في الحركة الوطنية» وشاركت فيها عدد من رائدات الاتحاد النسائي في 1952 في حدث تاريخي أصبح حديث المجتمع، ثم تبع ذلك العديد من الندوات والمُشاركات في الشأن العام.
وبحسب ما أورد الكتاب فقد تكوَّن الاتحاد من لجنة تنفيذية ولجان في الخرطوم والخرطوم بحري، ولم تكن هنالك لجنة في أم درمان لأن معظم عضوية اللجنة التنفيذية كنّ منها. كانت هناك لجان أيضاً في مدن الأقاليم مثل مدني، الأبيض، بورتسودان، كسلا، سنجة، مريدي، جوبا، ملكال، سنار، الفاشر، شندي، حلفا، كوستي، كريمة، والباوقة، وكذلك خارج السودان في القاهرة والإسكندرية. وتضمن دستور الاتحاد أربع مهام رئيسة وهي: رفع المستوى المرأة السودانية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً؛ وإنعاش الوعي القومي؛ والاشتراك في الأعمال الخيرية؛ وفتح باب العضوية لكل السودانيات اللائي بلغن السادسة عشرة من العمر. ومنذ تأسيسه في 1952 وحتى انقلاب عبود، تقول القدال إن اهتمام الاتحاد انصب على قضايا مثل: تعليم المرأة وعملها ومحو الأمية، والعناية بالأمومة والطفولة، ومحاربة العادات والتقاليد الضارة، ودعم الأنشطة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والتواصل مع نساء العالم، والجمعيات التعاونية، والأحوال الشخصية والحقوق السياسية للمرأة.
وإثر انقلاب 1958 حُلّت جميع التنظيمات السياسية والاجتماعية، ومنها الاتحاد النسائي الذي عُطّل في 1959، ما دفع عضوات الاتحاد للاتجاه للعمل السري في ظل نظام عسكري أعاق الحراك الديمقراطي. وفي 1962 دعت سلطة الانقلاب النساء عبر وسائل الإعلام لاجتماع ينتخبن فيه لجنة تنفيذية لتنظيم نسائي جديد تحت إشراف وزارة الاستعلامات، وشاركت عضوات من الاتحاد النسائي في الاجتماع، وأسفرت الانتخابات عن فوزهن بأغلبية المقاعد (13 من 15 مقعداً)، وفازت سعاد الفاتح وبخيتة أمين بالمقعدين المُتبقّيَيْن؛ ليقوم تنظيم «هيئة نساء السودان الشعبية»، لكنه أقام عدداً من الأنشطة التي أزعجت سلطة الانقلاب فعرقلت نشاط التنظيم النسائي الذي دعت إلى تكوينه، ما أدى إلى توقف نشاطه.

غلاف لأحد أعداد مجلة صوت المرأة مع عبارة في الأسفل: مطلبنا العادل.. الأجر المتساوي للعمل المتساوي

وتقول القدال «إن مجلة صوت المرأة السودانية إصدارة الاتحاد النسائي السوداني كانت الوسيلة التي تمكَّنَ عبرها الاتحاد من مواصلة دوره والعمل على نشر أهدافه وبرنامجه، لأنها لم تُصادر مثل كثير من الصحف المُستقلَّة. أصبحت المجلة أداةً للتواصل مع النساء لاستعادة نشاطهنّ وحقوقهنّ ودورهنّ في المجتمع. وكانت المجلة تُوزَّع في العاصمة والأقاليم عبر لجان نُظمت لدعم المجلة في الأحياء والمدارس والمواقع الأخرى، وبهذا تمكن الاتحاد من إيصال صوته مُطالباً بالحقوق السياسية وعودة الحريات والنظام المدني وبشرعية الاتحاد». وحسناً فعلت القدال حين احتفت بالدور المهم وغير المعروف الذي مارسته الفنانة التشكيلية والناشطة في الاتحاد النسائي فوزية حسن اليمني أو فوزية يماني في كشف سياسات السلطة الدكتاتورية وبعض العادات والتقاليد التي تعوق تقدم النساء والتعريف بحقوق المرأة عن طريق الكاريكاتير الساخر الذي كانت تنشره في «صوت المرأة».

كاريكاتير فوزية يماني في أحد أعداد مجلة صوت المرأة يلفت النظر إلى قضية عدم المساواة في الأجور إذ يساوي راتب المرأة أربعة أخماس (4/5) راتب الرجل.

تقول القدال في كتابها: «حوت المجلة أبواباً مُتخصِّصة لمعالجة قضايا المرأة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والصحية، وأبواباً خاصة بقضايا الطالبات والعاملات، واهتمت بالنساء المُهمَّشات في أقاليم السودان المختلفة… كما اهتمت صوت المرأة بالأدب كالشعر والقصص وأفردت له حيزاً خاصاً في الاتحاد النسائي السوداني وأنشطته في العاصمة والأقاليم. كما حوت باباً خاصاً بالأطفال وباباً خاصاً بالشؤون الأسرية». ومن النساء اللواتي ساهمنّ في المجلة ودعمنها بالمقالات في الخمسينات والستينات تذكر القدال: دولت محمد حسن، محاسن عبد العال، فتحية فضل، نعيمة بابكر، آمال عباس، سعاد إبراهيم أحمد، عائشة موسى السعيد، خديجة صفوت، ستنا بدري، فاطمة النعيم، فايزة نقد، ميمونة ميرغني، نفيسة أحمد الأمين، إكرام موسى، بتول زروق، محمودة ياجي، جليلة علاء الدين. وضمن أسماء من شاركن في إدارة تحرير المجلة تذكر القدال: خديجة محمد أحمد، سعاد منّاع، ليلى عباس، سهير عبد القادر، وهيبة النعيم، آمنة نقد، ونور محمد عثمان. كذلك ذكرت أسماء ممن شاركوا بمقالات في صوت المرأة من الرجال مثل: يوسف نور عوض، كمال أبو حوّة، عبد المجيد السرّاج، عبد الرحمن نقد الله، جوزيف قرنق وآخرين.

فاطمة القدال (يمين) – فاطمة أحمد إبراهيم (وسط) – عشة عوض راشد (شمال) مكان الصورة: كسلا

في الفصل الثاني عرجت القدال على مشاركة الاتحاد النسائي جموع الشعب السوداني في النضال ضد انقلاب 1958 والمشاركة في ثورة أكتوبر 1964. وقد مثّلت الاتحاد في جبهة الهيئات، التنظيم الذي قاد الثورة، رئيسته في آخر دورة انتخابية قبل حَلِّه خالدة زاهر، ورئيسة تحرير مجلة صوت المرأة فاطمة أحمد إبراهيم. وعقب إسقاط نظام عبود نجحت النساء في اقتلاع حقوقهنّ في الترشح والاقتراع من حكومة الثورة؛ لتكون فاطمة أحمد إبراهيم أول امرأة في تاريخ السودان وربما المنطقة العربية والأفريقية، استطاعت الترشُّح والفوز بمقعد في الجمعية التأسيسية.
إن من أهم الخطوات التنظيمية التي اعتمدها الاتحاد بعد ثورة أكتوبر، كان تطبيق نظام فروع الأحياء لأول مرة، باعتبار أن الحي هو الوعاء الذي يضم جميع النساء، والموقع الأكثر احتياجاً والأكثر اتساعاً، كما أنه يسمح بالتواصل اليومي مع الأغلبية المُبعدة من الحراك الاجتماعي؛ فتشكَّل الاتحاد من لجنة مركزية، وفروع أقاليم، وفروع مدن ولجان أحياء. وجرى تشكيل 30 فرعاً في العاصمة المثلثة، انتَخَبَ كلُّ فرعٍ لجنتَه التنفيذية، التي تضع برنامجَ عمل خاصاً باحتياجات لنساء في الحي، وفقاً للبرنامج العام وأهداف الاتحاد.
وتُشير القدال إلى أن «الاتحاد النسائي اهتمَّ بلجان المدن منذ تأسيسه، وانتشرت في الخمسينيات بواسطة المُعلِّمات خاصةً وبعض المُمرِّضات اللائي عَمِلْنَ في الأقاليم وخاصة في جنوب السودان. أما الفروع فقد أصبحت جزءاً من الهيكل التنظيمي بعد ثورة أكتوبر، حيث كان يُنشأ الفرع ثم يُعلن عنه في الصحف، وخاصةً مجلة صوت المرأة ويجري تسجيل النساء دون تعقيدات إجرائية أو شروط سوى الموافقة على برنامج الاتحاد ودستوره».
واستعرضت القدال كيف نشطت الفروع في العاصمة والأقاليم؛ إذ قدّمت أنشطةً ثقافية تشمل قضايا المرأة، إضافةً إلى الخدمات الصحية والإرشادية للنساء الحوامل والأمهات والأطفال والعجزة، وخدمات اجتماعية كالعمل مع شباب الحي في نظافة الأحياء وإصحاح البيئة. وضربت أمثلةً ببعض الفروع كفرع البراري الذي أنشأ مدرسة متوسطة للبنات بمجهودات ذاتية وتبرعات مادية وعينية من أهل الحي، كما أسَّس داراً كانت تُستخدم صباحاً روضةً للأطفال، وعصراً تُقام فيها دروس لمحو الأمية، وفي المساء تتجمَّع فيها الفتيات والنساء لقضاء أوقات ممتعة في القراءة بمكتبة صغيرة أُنشئت في الدار، أو في الأنشطة الرياضية كلعب الكرة الطائرة أو النقاشات والأنشطة الثقافية والإبداعية.
وقد جرت دورتان انتخابيَّتان للاتحاد في الفترة ما بين 1965 و1968، حيث انعقد مؤتمره الخامس عام 1965 والسادس عام 1968، وكانت الكاتبة ممن جرى انتخابهن في هاتين الدورتين مع فاطمة أحمد إبراهيم، وخالدة زاهر، ونفيسة المليك، ونعيمة بابكر، ضمن أخريات، فعملن على استعادة دور الاتحاد وتكثيف نشاطه بدءاً باستئجار مكتب بعد أن كان قد جرى حَلُّ الاتحاد، ومصادرة داره وأصوله وحساباته البنكية وما بها من أموال. وفي تلك الفترة أيضاً وحتى العام 1971، تقول القدال إن طفرة هائلة قد حدثت في المكاسب التي نالتها المرأة السودانية وفي مسيرة الاتحاد النسائي، لم يكن أولها حق التسجيل والانتخاب، فقد أظهرت النسب أنه في أول انتخابات ديمقراطية بعد ثورة أكتوبر بلغت نسبة أصوات النساء في الخرطوم 83% مقابل 73% للرجال، وفي النيل الأزرق 72% للنساء مقابل 73% للرجال. لقد زادت نسبة تعليم البنات بزيادة عدد مدارسهنّ وتدريب عدد أكبر من المعلمات، كما شهدت تلك الفترة أيضاً دخول الفتيات إلى الكليات العلمية بعد أن كان قبولهنّ محصوراً على الكليات الأدبية، وجرى أيضاً ابتعاث طالبات للدراسة الجامعية في الدول الاشتراكية، والتوسُّع في مجال محو الأمية وتعليم الكبار.
بادر الاتحاد النسائي بتكوين لجنة للدفاع عن حقوق النساء مُكوَّنة من مُمثّلات النقابات والطالبات والشابَّات العاملات، إضافةً إلى مُمثّلة من الاتحاد. ورفعت هذه اللجنة، إثر اجتماع عام دعا له الاتحاد أُقيم في عام 1966، مُذكِّرةً للبرلمان في موكب نسائي تُطالبُ بالأجر المتساوي للعمل المتساوي، وإجازة أمومة مدفوعة الأجر لمدة 3 أشهر والحصول على ساعة رضاعة يومياً، وإدخال المرأة العاملة في الخدمة المعاشية وحقوق ما بعد الخدمة، والإجازة دون أجر لمُرافقة الزوج المُنتدب أو المبعوث للعمل أو الدراسة بالخارج، وإلغاء العمل بقانون المُشاهرة للمرأة المتزوجة، ومنع عمل النساء ليلاً إلا في الحالات التي يتطلَّب فيها عملها ذلك مثل الممرضات والطبيبات، وتحديد ساعات العمل، وتوفير دُور حضانة ورعاية لأطفال النساء العاملات، وتوفير الضمانات الاجتماعية في حال العجز أو الموت لأسرة العاملة، وفتح مزيدٍ من فرص العمل أمام النساء، وإدخال خريجات الثانويات والمعاهد العليا والفنية تحت بند الخدمة المستديمة أسوة بزميلاتهن.
ثم تقدم الاتحاد لاحقاً بمذكرة طالبت سلطة مايو بقانون ديمقراطي للأحوال الشخصية يحمي حقوق جميع الأطراف، واقترح أن يتضمن القانون المواد التالية: منع زواج الصغيرات وتحديد سن للزواج بما لا يقل عن 16 سنة، وإلغاء بيت الطاعة، وتقييد الطلاق بأن لا يجري إلا أمام قاضٍ، وتقييد تعدُّد الزوجات إلا في حالة مرض الزوجة بمرض لا براء منه أو في حالة عدم الإنجاب، والحضانة للأم حتى لو تزوجت برجل آخر إلا في حالة ثبات عدم أهليَّتها، وتحديد نفقة الأطفال بما يكفي احتياجاتهم من دخل والدهم.
تقول القدال إن سلطة مايو حينها مُتمثِّلة في الرئيس الأسبق جعفر نميري وافقت على ما جاء في مذكرة الاتحاد النسائي، وطلب الرئيس من الجهات المعنية اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذها، لكن سرعان ما تنكَّر نميري لكل ما وعد به. وفي هذه الأجواء المشحونة انعقد المؤتمر السابع للاتحاد النسائي السوداني في نوفمبر 1970 وسط محاولات استقطاب من السلطة لبعض عضوية الاتحاد، لكنه انتهى بفوز المجموعة الرافضة لسياسة النظام والداعمة لاستقلالية الاتحاد، ورفضت المجموعة الأخرى النتيجة رغم مشاركتها في العملية الانتخابية منذ الإعداد لها وحتى ظهور النتيجة، ثم انسحبت عضواتها من الاتحاد دون تقديم استقالاتهنّ ليحل النميري الاتحاد. وفي 1971 كونت هذه المجموعة (اتحاد نساء السودان) تنظيماً بديلاً موالياً للسلطة، ما أعاد الاتحاد النسائي السوداني للعمل السري ثانية خاصةً بعد دستور 1973 الذي كرّس السلطات في يد النميري. وامتدت فترة العمل السري حتى 1985.
عرضت الكاتبة في الفصل الثالث الظروف التي عمل خلالها الاتحاد بعد الانشقاق وحلّه والعودة إلى العمل السري والنضال ضمن جماهير الشعب السوداني حتى انتفاضة أبريل 1985، وأوضحت الاختلاف بين حكومة الثورة بعد الانتفاضة وحكومة ثورة أكتوبر، فقد كان الحاكم الفعلي هو المجلس العسكري، وكان مجلس الوزراء من غير صلاحيات حقيقية. لم يتمكَّن الاتحاد من استعادة داره المُصادَرة ولا حساباته البنكية أو أصوله المصادرة، وواجه العمل التنظيمي كذلك عراقيل حيث اشترطت وزارة الشؤون الاجتماعية توحيد جميع التنظيمات النسائية وأن تُسجَّل تحت تنظيم واحد.
وعرجت القدال على انقلاب 1989 والفترة التي تلته من مصادرة للحريات وإحالات للصالح العام للنساء والرجال والقوانين التي صدرت في تلك الفترة، والتي استهدفت حرية النساء وحقوقهن مثل بعض المواد في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين الصادر في 1991، ومواد القانون الجنائي العام للعام نفسه، وما عُرف بقانون النظام العام الصادر في 1996 وغيرها. إضافةً إلى ما صاحب تلك الفترة من حروب ومشكلات اقتصادية وسياسية. وعلى الرغم من ذلك شهد نشاط الاتحاد بعض الفترات المُشرِقَة حين تحسَّن المناخ السياسي العام مثل فترة ما بعد بروتوكول مشاكوس 2002 واتفاقية السلام الشامل 2005 حين تمكن الاتحاد النسائي من استئناف نشاطه والاحتفال بعيده الخمسين في 2002 وعقد مؤتمره العام الثامن في 2009.

صورة للأتحاد النسائي السوداني من أرشيف أ. سعاد عبد الرحمن

Scroll to Top