شمال دارفور: أوضاع مأساويةٌ للنازحين عقب هجمات للدعم السريع وقصفٌ بالمُسيرات
مراسل أتر
شنَّت الدعم السريع هجوماً على مدينة أم برو، التابعة لولاية شمال دارفور، يوم الثلاثاء 23 يونيو، بحسب مصادر محلية تحدثت لمراسل «أتر». وتضم المدينة رئاسة محلية أم برو، وتَحتضن عدداً كبيراً النازحين من مناطق مُختلفة من شمال دارفور، كان آخرهم سكان القرى الواقعة بوحدة خزان أورشي التابعة للمحلية. ونزح سكّان خزان أورشي إلى أم برو بعد أن تعرَّضت قراهم إلى هجوم شنّته الدعم السريع في 14 يونيو الجاري. وقال مواطن بأم برو لمراسل «أتر»، إنّ المحلية تشهد اشتباكاتٍ مستمرةً منذ دخول الدعم السريع إلى ولاية شمال دارفور.
وبثّ جنودٌ يتبعون لقوات الدعم السريع مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يقولون فيها إنّهم سيطروا على رئاسة محلية أم برو. وبذلك، تكون الدعم السريع قد مهَّدت طريقها غرباً نحو محلية الطينة الحدودية مع دولة تشاد، وهي آخر النقاط التي تُسيطر عليها القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها في إقليم دارفور.
يقول كرم سلمان الدومة، وهو أحد سكان مدينة الفاشر، وقد نزح إلى مخيمات الدبة بالولاية الشمالية، إنّ بقية أفراد أسرته نزحوا من الفاشر إلى أم برو، عبر رحلةٍ طويلة عانوا فيها الصعاب، وإنّ مصيرهم بات مجهولاً مع دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة. وقال الدومة إنّ تواصله مع أسرته انقطع منذ أسبوع، ما زاد قلقه عليهم، خاصةً مع ما ينمو إلى سمعه من المآسي التي تلحق بالمدنيين في أوضاع مثل هذه.
وقال شاهد عيان من منطقة خزان أورشي لمراسل «أتر»، إنّ هجوم قوات الدعم السريع الأسبوع الماضي على المنطقة، خلَّف آثاراً إنسانيةً بالغة القسوة على السكان، إذ فرَّ الناسُ من النيران وأصوات الأسلحة، دون أن يعرفوا إلى أين هم ذاهبون. وقالت مصادر محلية لـ «أتر»، إنّ قوات الدعم السريع أحرقت عدداً من القرى التابعة لمنطقة أورشي وطردت سكانها، ونهبت وسلبت ممتلكات السكّان، وحرقت سوق أورشي كاملاً بعد أن نهبته.
وقالت المقاومة الشعبية بشمال دارفور، إنّ القوة التي هاجمت منطقة خزان أورشي والقرى المحيطة بها استخدمت سيارات دفع رباعي، ورافقها مستنفرون على ظهور الخيول والإبل. وقدّرت المقاومة الشعبية عدد القتلى بخمسة أشخاص، مُوضّحةً أنّ ذلك حصيلةٌ أولية. وقالت إنّ الضرر لحق بثماني قرى منها إني والسلام وقطعة وسنقوري وحاجاك. وأكدت خلو منطقة خزان أورشي من أي وجود عسكري.
وكشف المتحدث الرسمي باسم المقاومة الشعبية بولاية شمال دارفور، أبوبكر أحمد إمام، لمراسل «أَتًر»، عن أن النازحين يعيشون أوضاعاً قاسية للغاية، في ظل غيابٍ تام لأي نوع من الحماية الأمنية، وفقدانهم الكامل لمصادر الغذاء والمأوى بسبب عمليات الحرق والنهب.
وأدانت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، في بيان لها يوم الثلاثاء، ما حدث في خزان أورشي وأم برو. وقالت إنّ قوات الدعم السريع شردت آلاف النازحين من مناطق أورشي، وأجبرتهم على النزوح مُجدَّداً نحو أم برو بحثاً عن الأمان، ثمّ هدَّدَتْ أم برو فلاحقت النازحين حتى في أماكن فرارهم، وارتكبت أبشع الانتهاكات والجرائم بحقهم. ووصفت التنسيقية ما يحدث في تلك المناطق، بأنّه لا يقل فظاعةً عما شهدته مدينة الفاشر.
وفي سياق متصل، أبلغت مصادر محلية من منطقة الصياح، الواقعة شمال شرقي مدينة مليط، مراسل أَتَر، أن مُسيّرات يُرجح أنها تتبع للقوات المسلحة، قصفت سوق البلدة في العاشرة من صباح الثلاثاء، ما أدَّى لاحتراق الجزء الجنوبي من السوق بأكمله. وأدانت منظمة مناصرة ضحايا دارفور الهجوم، مشيرةً إلى أنها لم تتمكَّن من حصر أعداد الضحايا بسبب ضعف شبكات الاتصال في المنطقة. وحمّلت المنظمة القوات المسلحة مسؤولية القصف كاملةً. وقالت إنّ القصف طال مدنيِّين وأعياناً مدنية. وطالبت المنظمة مجلس الأمن بالتدخل حمايةً للمدنيين.
وفي اليوم نفسه، قصفت مُسيّرةٌ موكباً يُسيِّر زفافاً في منطقة حجر ساري بالقرب من مليط، ما أدى إلى مقتل 14 شخصاً، وسقوط عددٍ من الجرحى الذين يتلقون الرعاية الطبية حالياً في مستشفى مليط.
الأبيض: الحكومة تطلب من المنظمات شراء المياه وحجز تذكرة سفر يستغرق أياماً
مراسل أتر
تعيش مدينة الأبيض أوضاعاً صعبةً منذ مطلع يونيو الجاري، إثر الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع عليها من ثلاث جهات، وقصفها اليومي لمركبات النقل ومحطات الوقود ومحطات إنتاج وتوزيع المياه والكهرباء بالمُسيّرات. وقالت مصادر أمنية لمراسل «أتر» إنّ الأجهزة العسكرية اشتبكت مع عدد من المركبات التابعة للدعم السريع جنوبي المدينة، بعد أن تقدمت هذه المركبات من أم عردة نحو الأبيض.
وخلق استهداف المُسيّرات لناقلات الوقود ومياه الشرب أزمةً غير مسبوقة في المدينة، تصاعدت على نحوٍ بالغ في الأسبوع الماضي، إذ شحَّت مياه الشرب والوقود، خاصةً الجازولين، الذي يعتمد عليه السكان في تشغيل المولدات الكهربائية الصغيرة المُستخدمة في ضخ المياه.
ودعت مفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان، المنظمات المحلية العاملة في الولاية، إلى المُساهمة في حلِّ الضائقة بتوفير عدد من التناكر ودفع تكلفتها المالية بعد عجز حكومة الولاية عن معالجة القضية. وقال مصدر في حكومة ولاية شمال كردفان لمراسل «أتر»، إنّ «المنظمات الوطنية تعهدت بتوفير 150 تانكر مياه، بسعة تبلغ 100 برميل للتناكر الواحد»، مضيفاً أنّ الخطوة جاءت استجابةً لدعم المواطنين الذين تضرَّروا من العطش بعد توقف محطة الكهرباء ونفاد الوقود.
واحتج مصدرٌ آخر يعمل في إحدى المنظمات المحلية على طلب الحكومة، قائلاً إنّ المشكلة في نقل المياه تكمن في المخاطر الواقعة على المركبات التي تنقلها، والتكلفة المُترتّبة على هذه المخاطر. وأوضح أنّ الدعم السريع تستهدف أيّ مركبةٍ تحاول دخول الأبيض أو الخروج منها، وأنّها لن تُفرّق بين مركبة استأجرتها السلطات الحكومية أو أخرى استأجرتها المنظمات.
وقال ثلاثة من سكان المدينة لـ «أتر»، إنّ المياه تكاد تكون معدومة وكذلك الوقود، وإنّ ذلك أدى إلى توقف عدد كبيرٍ من المخابز والمرافق الصحية، إذ أضحت الأخيرة عاجزةً عن توفير المياه للكوادر الطبية والمرضى. وأضافت المصادر أنّ الأوضاع داخل المدينة وصلت إلى مرحلةٍ خطرة، بعد توقف وسائل النقل العامة، إذ أصبح السكان يتنقلون على أرجلهم ويستخدمون الدواب في قضاء احتياجاتهم اليومية.
وقال مصدرٌ محلي لـ «أتر» إنّ بيع تذاكر السفر في المنافذ الرسمية توقف تماماً، وإنّ التذاكر أصبحت تُباع في السوق السوداء، حيث قفز سعر التذكرة من الأبيض إلى كوستي من 120 إلى نحو 230 ألف جنيه، ووصل سعر التذكرة من الأبيض إلى أم درمان إلى نحو 480 ألف جنيه. وأضاف المصدر أنّ التذاكر أصبحت شحيحةً حتى بعد تضاعف أسعارها، وأنّ الحصول عليها بات يتطلَّب دفع قيمتها مُقدَّماً والانتظار لأيام حتى يتمكَّن المُسافر من الحصول على مقعد يخرجه من الأبيض.
ويتوقع عددٌ من سكّان المدينة الذين تحدث إليهم مراسل «أتر» أن تخلو الأبيض من السكان في الأيام القادمة، حتى وإن لم تتعرّض لاجتياحٍ من قبل الدعم السريع. ويوضح أحد السكّان قائلاً إنّ «كلاً من انعدام مياه الشرب وغلاء المواد الغذائية وتوقف وسائل النقل سببٌ في نزوح السكان، حتى قبل وصول الدعم السريع، التي أصبحت تُهدِّد باستمرار باحتلال المدينة».
مروي: انقطاع الكهرباء يُتلف المحاصيل الزراعية
مراسل أتر
تُعاني الحقول الزراعية في محلية مروي بالولاية الشمالية، من تذبذب التيار الكهربائي وانقطاعه لفتراتٍ طويلة، ما أدى إلى تلف كثيرٍ من محاصيل المزارعين بالمحلية. وبدأت مشكلة التيار الكهربائي في نهاية فبراير الماضي ولا تزال مُستمرَّة، حتى بعثت في أذهان المزارعين مشاهد مما حدث في الموسم الزراعي الماضي، حين تلفت كثيرٌ من المحاصيل وذبلت الأشجار بعد أن انقطعت مياه الري إثر انقطاع الكهرباء لشهرين متتابعين في السنة الماضية.
ولجأ بعض المزارعين، بخاصةٍ كبارهم، إلى تركيب منظوماتٍ بديلةٍ للطاقة، متمثلةً في الطاقة الشمسية أو الوابورات التي تعمل بالجازولين. ومع ارتفاع أسعار هذه المنظومات البديلة، بات المزارعون يفكرون في أعمالٍ أخرى غير الزراعة.
ويقول عثمان محمد خير، وهو مزارعٌ في مشروع القرير، إنّ خسائره الناتجة عن انقطاع الكهرباء وتذبذبها بلغت 7 ملايين جنيه سوداني، وإنّه فقد كلَّ محصوله من القمح والفول المصري والبرسيم. ويحاول محمد خير حالياً تركيب منظومة طاقة شمسية ليروي بستانه وما فيه من أشجار منقة وبرتقال. ويصف محمد خير هذا الحل بأنّه إسعافي، قائلاً إنّ الحل الجذري هو إصلاح محول الكهرباء المُتعطِّل والمحطة القطرية، حتى تتسنَّى لهم زراعة محاصيل صيفية تُعوِّضهم عما فقدوه من محاصيل في الفترة الماضية. ويضيف محمد خير في أسى: «لا يبدو أنّ أحداً يهتم بنا، رغم أننا سلة الأمن الغذائي للولاية الشمالية كلها. يريدون منا أن نشتري منظومات الطاقة الشمسية لنروي الحقول من الآبار، ومياه النيل تمضي بعيداً عنّا، ويستفيد منها غيرنا، ونحن، الذين قامت حياتنا على الزراعة، وقامت زراعتنا على مياه النيل وليس غيرها».
ويقول محمد خير لمراسل «أتر»، إنّه لا يطلب من الجهات المسؤولة تعويضاً عن ما فقده، رغم عدالة ذلك إن طلبه، إنما يطالب السلطات بحل المشكلة سريعاً قبل أن تتفاقم وتتحول المشاريع الزراعية إلى صحارى، بحسب قوله.
ويقول سيف نصر الدين، المزارع بمنطقة الكرفاب، بمحلية مروي، لمراسل «أتر»، إنّ استمرار الوضع على حاله سيدفعهم إلى ترك الزراعة، إذ إنّ الخسائر باتت تتراكم عليهم، وهم لا يحتملون أي خسائر جديدة مع ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج. وأضاف نصر الدين قائلاً: «معظم المزارعين سيتجهون إلى زراعة مساحات ضئيلة جداً في أراضٍ داخل البحر تنحسر عنها المياه، وتُزرع بمحاصيل ليس منها عائدٌ مالي جيد».
وقال فاروق ناصر، وهو مزارعٌ بجريف أبدوم، بمحلية مروي، إنّ السبب في مشكلتهم يرجع إلى توقف محطة الكهرباء التي تبرَّعت بها دولة قطر منذ أكثر من عام لمحلية مروي، وعجز الطواقم الهندسية بالولاية بعد ذلك عن إعادة تشغيلها، بجانب تعطُّل مُحوِّل كهرباء سد مروي. وقال ناصر: «من مصلحة المزارعين التحرُّك الآن بدل الانتظار. تتهاوى الزراعة أكثر كل يوم، ويفقد الناس محاصيلهم، ومن يفقد محصوله يفقد حياته».
وفي أبريل الماضي، نظَّم عدد من المزارعين بالمحلية وقفاتٍ احتجاجية على الانقطاع المُتكرِّر للكهرباء. ويقول المزارعون إنهم سيُصعِّدون احتجاجاتهم في الفترة المقبلة. ورغم ذلك، لا تزال الأزمة في الكهرباء ماثلة لعامها الثاني على التوالي.
وقال مهندسٌ زراعي بأحد المشاريع الزراعية بمحلية مروي لمراسل «أتَـر»، إنّ الاعتماد على الطاقة الشمسية ليس حلاً، إذ إنّه سيخلق مشكلات على المدى المتوسط والطويل. وحذر من أنّ استخدام الطاقة الشمسية، في مشاريع زراعية تعتمد على الطلمبات في الري الجماعي للمزارع والحقول، يجعل المزارعين يمتلكون منظومات لري مزارعهم فرادى من الآبار، التي تؤثر على مخزون المياه الجوفية في باطن الأرض وتشكل ضغطاً كبيراً عليه. وأضاف المهندس: «لو أرادت الحكومة الاعتماد على الطاقة البديلة، فعليها أن تستخدمها لتشغيل المضخات النهرية التي تملأ الترع والقنوات الفرعية بالمياه من النيل مُباشرة، بما لا يؤثر على خزانات المياه الجوفية».
وقال عضوٌ بلجان التسيير والخدمات بمحلية مروي، فضل حجب اسمه، إنّ الولاية الشمالية لا تريد إصلاح المحطات والمحولات المتعطلة لأنها تريد فتح الباب أمام شركات الطاقة الشمسية بالولاية، والتي يقوم عليها نافذون. واتهم عضو لجان التسيير شركات الطاقة الشمسية بأنها تدفع في اتجاه عدم إصلاح المحطات وحل مشكلة الكهرباء خوفاً من كساد بضاعتها.



