تواجه آلاف الأُسر السودانية اللاجئة في ليبيا، قلقاً متزايداً حول مستقبل أبنائها التعليمي، وذلك إثر صدور قرار من المركز الوطني للامتحانات بوزارة التربية والتعليم في حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس، يوم 24 يونيو الماضي، يقضي بمنع تسجيل أي طالب أجنبي لا يملك إقامةً سارية خلال فترة العام الدراسي 2026 – 2027.
ويُلزم القرار رقم (696) الصادر عن مدير عام المركز، أحمد مسعود، جميع المؤسسات التعليمية بتطبيقه فوراً، وينصّ على منع تسجيل أو قبول أي طالب أجنبي في المدارس العامة والخاصة، «ما لم يكن حاصلاً على إقامة سارية المفعول لمدة عام كامل تغطي الفترة الزمنية المحددة ببداية العام الدراسي 2026 – 2027 وحتى نهايته».
ويأتي هذا الإجراء تشديداً لتعميم سابق، صدر في سبتمبر 2025، لينظّم عملية قبول الطلاب غير الليبيين للعام الدراسي الحالي 2025 – 2026. واشترط التعميم «عدم تمكين أي تلميذ أو طالب من الدراسة في العام الدراسي 2025 – 2026، إلا بعد التأكد من حصوله على إقامة نظامية سارية المفعول لمدة سنة على أقل تقدير داخل دولة ليبيا». وأعطى التعميم مهلة مؤقتة مدتها «ثلاثة أشهر فقط لتقديم الإقامة بشرط تقديم تعهّد كتابي معتمد لدى مُحرِّر عقود قبل التسجيل».
وبينما استثنت القرارات السابقة حمَلة الجنسية الفلسطينية، فإنّ النصّ الجديد لهذا العام جاء بصيغة عامة وحازمة تحظر الاستثناءات وتتوعّد المسؤولين المخالفين بالمساءلة القانونية، ما يُضيّق الخناق على العائلات اللاجئة حديثاً والتي تعاني من بطء إجراءات الهجرة والمعاملات الإدارية.
شَهِد قطاع التعليم بليبيا في ديسمبر الماضي إصدار حزمة من القرارات التنظيمية المتلاحقة؛ إذ أصدر وزير التربية والتعليم قراراً في أكتوبر 2025، قضى بمنع تسجيل الطلاب غير الليبيين في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، مشترطاً لقبولهم أن يكون الطالب قد أتمّ دراسة سنوات النقل السابقة داخل المدارس الليبية، مع استثناء أبناء العاملين في البعثات الدبلوماسية والعاملين بعقود مع الجهات الدولية الليبية. لكن مجلس الوزراء استثنى العام الدراسي 2025-2026 من القرار في ديسمبر 2025.
ولاحقاً في ديسمبر 2025، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، تقديراً لما «تقتضيه المصلحة العامّة» عن إعفاء الطلاب السودانيين من شرط الحصول على تصريح الإقامة خلال العام الدراسي 2025-2026. وكان ذلك القرار بمثابة طوق نجاة إنساني كُلِّل بمهلة تنظيمية وتعهّدات مرنة مكّنت آلاف الطلاب السودانيين الفارين من النزاع المسلح من مواصلة مسيرتهم التعليمية المدارس والجامعات الليبية دون عوائق إدارية.
وكانت سفارة السودان في طرابلس، قد سارعت حينها، إلى الإعراب في بيان رسمي عن شكرها وتقديرها البالغَين للسلطات الليبية على ما قدّمت من تسهيلات ومساندة للأسر والطلاب السودانيين الذين لجأوا إلى ليبيا هرباً من النزاع المسلّح، مؤكّدة أن هذه الخطوة تضمن حقّ التعليم للأطفال والطلبة الذين تضاعفت أعدادهم في ظل موجات اللجوء الأخيرة.
غير أن التعميم الجديد للعام الدراسي 2026 – 2027 الذي صدر الأسبوع الماضي، يأتي بمثابة تراجع صاعق عن التسهيلات الاستثنائية التي حظي بها الطلاب السودانيون في الفترة الماضية؛ فقد جاء بصيغة خالية من أي استثناءات، مقتصرة في إعفاءاتها فقط على أبناء المواطنات الليبيات.
هذا التحول المفاجئ والتلويح بمساءلة المسؤولين المخالفين قانونياً، يعيد فتح ملف الهواجس والمناشدات الإنسانية من قبل آلاف العائلات السودانية من جديد، وسط مطالبات بضرورة تجديد الاتفاقات والتفاهمات السابقة بمراعاة الأوضاع الاستثنائية للجالية السودانية التي يصعب على كثير من أسرها استخراج إقامات طويلة الأمد في الوقت الراهن. وتأتي القيود التعليمية في ليبيا بالتزامن مع قرارات وزارية وإدارية صارمة تحظر تسجيل الوافدين الجدد وتجمّد تراخيص مدارس خاصة للجالية السودانية. ورغم وجود مبادرات إنسانية، فإنّ التقاطع بين شروط الإقامة والقرارات الرسمية يضع مستقبل آلاف الطلاب السودانيين على المحك بانتظار حلول دبلوماسية.
ووفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يُعدّ السودانيون الأكبر عدداً بين اللاجئين المسجَّلين لديها في ليبيا، بنسبةٍ تناهز 82%. وبحسب المفوضية فقد دخل نحو 559,920 لاجئاً سودانياً إلى الأراضي الليبية منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. وأوضح التقرير أنّ إجمالي المسجَّلين في مركز المفوضية بطرابلس إلى 91,494 لاجئاً. وتتوزّع التجمّعات الرئيسة للاجئين السودانيين في عدة مدن ليبية أبرزها في الكُفرة وبنغازي وأجدابيا وطرابلس ومصراتة.
وقد شهدت العاصمة الليبية طرابلس تظاهرات حاشدة، في 4 يونيو الماضي، كانت الأكبر من بين سلسلة احتجاجات ضد المهاجرين بسبب مزاعم عن مشاريع لتوطينهم داخل البلاد. واحتجّ المتظاهرون أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبمقر بعثة الأمم المتحدة في ليبيا (UNSMIL) بطرابلس، وفي اليوم التالي أغلقوا بوابات المقرّين. وأعقب ذلك انطلاق حملات أمنية مكثّفة وغير مسبوقة لضبط العمالة الوافدة وترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم.
وكانت قد انتشرت دعوات في وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بمقاطعة العمالة الأجنبية وإخراجها من الأحياء السكنية وأماكن العمل، ودعا بعض الناشطين إلى عدم تأجير المنازل للمهاجرين أو تشغيلهم أو التعامل التجاري معهم. وشهدت منصّات التواصل الاجتماعي حملات واسعة تحت وَسْم «لا للتوطين»، تطالب بتشديد الرقابة على الأجانب وضبط الحدود وترحيل المخالفين، وهو ما انعكس على أوضاع السودانيين في ليبيا، إذ باتوا يواجهون منعرجاً هو الأكثر خطورةً منذ بدء تدفّقات اللجوء إلى ليبيا غداة اندلاع حرب 15 أبريل 2023م.
وتزامنت الحملات والإجراءات الأمنية المشدّدة، من قِبل الحكومتين في طرابلس وبنغازي، تحت شعار «مناهضة التوطين»، وتُرجمت على الأرض في شكل حملات دهم وتوقيف واسعة طالت المئات في مختلف المدن الليبية. وابتَدرت وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية، في طرابلس، تلك الإجراءات في الأول من يونيو، فأكّدت رفضها توطين المهاجرين، وأعلنت في بيان عن تمسّكها بما وصفته بـ «الثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة»، وقالت إنها تؤكد على «حقّ المواطن في التعبير عن رأيه الذي كفله الإعلان الدستوري المؤقت والتشريعات النافذة». وتطابقت المواقف الرسمية في شرق البلاد الذي تسيطر عليه القوات المسلحة الليبية والحكومة الليبية، مع حكومة طرابلس غرباً، في خطوة غير مسبوقة؛ فقد أصدر نائب القائد العام للجيش الليبي، صدام حفتر، أوامر صارمة للأجهزة الأمنية شرقاً وجنوباً بإنهاء الوجود غير القانوني للمهاجرين غير النظاميّين على الأراضي الليبية. وقال إنه أشرف على الحملة «حفظاً للأمن العام وسلامة المواطنين».



