أتر

توقّعات النموّ في الاقتصاد السوداني في 2026: تَعافٍ جزئي محتمل في ظلّ تحديات عدم اليقين السياسي والأمني

تشير التقديرات إلى أنّ الاقتصاد السوداني قد يحقّق نموّاً خلال عام 2026، إلا أنّ هذا النمو يظلّ محاطاً بدرجة عالية من عدم اليقين. بينما توقع صندوق النقد الدولي للاقتصاد السوداني نمواً قد يصل إلى نحو 9.5%، تطرح تقديرات أخرى نسباً أكثر تحفّظاً تُقارب 4%، وهو تفاوُت يعكس اختلاف السيناريوهات بسبب عدم اليقين، خاصة في ما يتعلق بمستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد (استمرار الصراع أو توقّفه). الأقرب إلى الواقع هو السيناريو المتحفّظ (حوالي 3% – 5%) وليس التقديرات المتفائلة التي تصل إلى نحو 9% أو أكثر. ويرجع ذلك إلى أنّ التوقعات المرتفعة تفترض تحسّناً سريعاً في الأوضاع الأمنية وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وهو سيناريو لا يزال غير مضمون في ظلّ استمرار حالة عدم الاستقرار حالياً وقد مضى من العام 2026 نصفه. كما أنّ القيود الهيكلية، مثل ضعف المؤسسات، وتراجع الاستثمار، واتساع الاقتصاد غير الرسمي غير المحسوب في بيانات الإنتاج، تحدّ من قدرة الاقتصاد على تحقيق قفزة نمو كبيرة خلال فترة قصيرة. في المقابل، يعكس السيناريو المتحفظ واقعاً أكثر اتساقاً مع المعطيات الحالية، إذ يفترض تحسّناً تدريجياً محدوداً في النشاط الاقتصادي دون حدوث تحوّل جذري سريع. لذا، فإنّ أيّ نمو في حدود 3% إلى 5% سيكون على الأرجح نتيجة تعافٍ جزئي من الانكماش، وليس نمواً قوياً قائماً على توسّع حقيقيّ في الإنتاج والاستثمار. بعبارة مختصرة: النموّ المرتفع ممكن نظرياً، لكنه مشروط بتحسّن سياسي وأمني كبير، أما النموّ المتوسّط فهو الأقرب للتحقّق في ظل الظروف الحالية.لفهم دقة توقعات النمو الاقتصادي في السودان بعد الحرب، من المهمّ توضيح طبيعة هذه التوقّعات وكيفية صياغتها علمياً. التوقعات الاقتصادية عموماً هي استقراء لعدة عوامل (سياسية، نقدية، إنتاجية، اجتماعية) تُستخدم في نماذج مثل نماذج الصندوق الدولي أو البنك الدولي، لتقدير اتجاهات الاقتصاد في المستقبل. توقّعات النمو بعد الحرب في السودان لا يمكن ضمان تحققها تلقائياً، إنما هي سيناريوهات محتملة وغير مؤكّدة مبنية على افتراضات قد تتحقّق جزئياً أو كلياً، أو قد لا تتحقّق إلا إذا توفرت شروط معينة. ويعتمد هذا التحسّن المتوقع في النمو في بلد خارج من حرب مدمّرة على عدة عوامل، أبرزها ما يُعرف في علم الاقتصاد بـ «أثر القاعدة المنخفضة»، أو «قاعدة الانخفاض المنخفض» ويُقصَد بها أنّ النمو الاقتصادي بعد أزمة أو حرب قد يبدو مرتفعاً نسبياً بسبب انخفاض مستوى النشاط الاقتصادي السابق أيام الحرب. أي إنّ أي زيادة بسيطة في الناتج المحلي تُترجَم إلى نسبة نمو كبيرة لأنها تُحسَب على قاعدة قيمة إنتاج منخفضة خلال فترة الحرب، وليس بالضرورة أن تعكس قوةً فعلية أو تعافياً تامّاً للاقتصاد أو رجوعاً تامّاً لقيم الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب. ويمكن التعبير عن ذلك بافتراض أنّ الناتج المحلي الإجمالي لدولةٍ ما في سنة الحرب كان 40 ملياراً بالعملة المحلية، بينما كان قبل الحرب 90 ملياراً. بعد الحرب، يبدأ الاقتصاد بالتعافي، وقد يصل الناتج إلى 50 ملياراً. في هذه الحالة يكون معدّل النموّ بعد الحرب 25% قياساً إلى 40 ملياراً، وليس (سالب 55.6%) قياساً إلى 90 ملياراً قبل الحرب. على الرغم من أنّ الزيادة الفعلية هي 10 مليارات فقط، إلا أنّ النسبة المئوية للنمو تبدو كبيرة بسبب انخفاض الرقم الأساسي (40 ملياراً). الفكرة أنّ الاقتصاد شهد انكماشاً حاداً خلال السنوات السابقة، ما يجعل أيّ تعافٍ، حتى ولو كان محدوداً، يَظهر بمعدّلات نمو مرتفعة نسبياً. كما يُفترض أن يسهم تحسّن الأوضاع الأمنية، وبدء مرحلة إعادة الإعمار، في تنشيط الطلب على العمالة والاستثمار، إلى جانب تعافي القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة، وعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً. لا شكّ أنّ التوقعات الإيجابية للنمو تعتمد على جهود إعادة الإعمار بعد الحرب، والتي تسهم في تشغيل العمالة وزيادة الطلب على المواد والخدمات، إلى جانب استقرار نسبي في السياسات النقدية والمالية يعزّز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب ويدعم تدفقات الاستثمار. كما تؤدي عودة الإنتاج وزيادة الصادرات دوراً في النمو المتوقّع. إضافة إلى ذلك، قد تُسهم المساعدات الدولية في توفير سيولة أساسية للاقتصاد، ما يُحفّز الاستهلاك والطلب الكلي.في المقابل، تظلّ هذه التوقّعات مهدّدة بعدد من المخاطر، في مقدّمتها احتمال استمرار الصراع أو تجدّده، إضافة إلى استمرار معدلات التضخم المرتفعة، وضعف المالية العامة، وتراجُع الاستثمار، إلى جانب هيمنة الاقتصاد غير الرسمي. لذلك، فإنّ النمو المتوقع في 2026 يعدّ في جزء كبير منه تعافياً من الانكماش وليس نمواً حقيقياً (مقارنة بسنوات ما قبل الحرب)، أو نمواً هيكلياً مستداماً، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على خلق فرص عمل وتحقيق تنمية شاملة على المدى الطويل.في ضوء المعطيات الحالية، يظلّ الاقتصاد السوداني أمام مرحلة حرجة تتّسم بعدم اليقين وارتفاع المخاطر، إذ يشير التحسّن المتوقع في 2026 إلى تعافٍ جزئيّ فقط بعد سنوات من الانكماش العميق. ورغم احتمالية نمو الاقتصاد بنسبة 3% إلى 5%، إلا أنّ هذا النمو لا يمكن اعتباره هيكلياً ومستداماً إلا إذا عُولجت التحديات الأساسية، وهذا يسري على أية توقعات لاحقة: الاستقرار السياسي والأمني، إصلاح المؤسّسات، ضبط التضخّم، وتنمية القطاعات الإنتاجية على نحو متوازن. لذا، فإن أي استراتيجية اقتصادية أو سياسات تنموية يتعين عليها أن تركّز على خلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاجية، ودعم الاقتصاد الرسمي، لضمان أن يتحوّل هذا التعافي الجزئي إلى نموّ مستدام وشامل، يُحقِّق الفائدة الحقيقية لجميع شرائح المجتمع، ويقلّل من الفجوات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.في ضوء ما عُرِض عن توقّعات الاقتصاد السوداني في 2026، تظلّ عدة تساؤلات حاسمة للمستقبل: كيف يمكن تحويل التعافي الجزئي المتوقع إلى نمو اقتصادي مستدام وقادر على خلق فرص عمل حقيقية؟ ما السياسات الأكثر فاعلية لضمان الاستقرار السياسي والأمني وتعزيز قدرة المؤسّسات على دعم النمو؟ كيف يمكن للقطاع الزراعي والقطاعات الإنتاجية الأخرى أن تسهم على نحو أكبر في تحسين الإنتاجية وتوفير الوظائف؟ ما الاستراتيجيات اللازمة لتقليص تأثير الاقتصاد غير الرسمي ورفع مساهمته في النمو الرسمي؟ وكيف يمكن حماية المواطنين من آثار التضخّم المرتفع وتحقيق توزيع عادل للعوائد الاقتصادية؟ تظلّ هذه التساؤلات وغيرها مفتوحة، وتشكّل مدخلاً رئيساً لوضع سياسات اقتصادية وتنموية تضمن أن يتحوّل التعافي الجزئي إلى فرص حقيقية ومستدامة لجميع شرائح المجتمع السوداني.

Scroll to Top