كانت ولاية القضارف محطة كغيرها من الولايات لعدد من النازحين، جاء إليها من طالتهم يد البطش في الخرطوم والجزيرة وسنار، ومن ولايات دارفور وكردفان مؤخراً، وأُبدِلَتْ ديارهم بمساكن مؤقتة مُشيَّدة من القشِّ والمُشّمعات في عدد من المخيمات، وأحد هذه المخيمات هو مخيم أبو النجا (د) التابع لمحلية ريفي وسط القضارف ويبعد من المدينة حوالي 9 كيلومترات غرباً.
بنت منظمة مجلس اللاجئين الدنماركي (DRC) المخيم، الذي يتبع إدارياً لمحلية ريفي وسط القضارف، وينقسم إلى جزءين مفصولين بسياج؛ الأول يسمى المعسكر الثابت وهو القديم، والثاني يُسمَّى مركز الاستقبال، وقد بُنيت منشآتهما في الوقت نفسه، لكن اُفتتح الثابت أوَّلاً، في 27 سبتمبر 2025. ونُقل إلى المعسكر الثابت من كانوا في معسكر أم شجيرات الواقع على بعد 37 كيلومتراً غربي مدينة القضارف، وبعدها بأربعة أيام نُقِلَ إليه من كانوا في الميناء البري داخل المدينة، وكانت توجد به 294 أسرة بواقع 1899 فرداً، معظمهم من ولاية الخرطوم (259 أسرة)، و15 أسرة من مدينة الفاشر، و20 أسرة من مدينة نيالا. أما مركز الاستقبال فقد افتتح في 22 ديسمبر من العام الماضي، واستُقبِلَ فيه النازحون من هجليج وبابنوسة والدلنج وقليل مِن الذين قدموا من الفاشر وكادُقلي. يقول علي يحيى وهو مدير معسكر أبو النجا للنازحين لـ «أتر» «جاء النازحون من تلك الأماكن أفواجاً واستمرَّ توافدهم تباعاً، ما جعلنا نُحوِّل عدداً منهم إلى مُعسكرات أخرى في قرى الصَّراف وأَبَّايو، ومعسكرات (أبو النجا أ) و (أبو النجا ب) التي استقبلت 378 أسرة. وتوجد لدينا الآن في مركز الاستقبال 274 أسرة بمجمل 1644 فرداً».
يضيف علي أن المعسكر تتوفر به الخدمات الصحية والبيئية، إذ تُشرف منظمة «جمعية صندوق إعانة المرضى» الكويتية على تسيير مركز صحي بالمعسكر، كما يوجد عدد من الحمّامات الموزعة. كذلك تتوفر المياه في المعسكر رغم معاناة الولاية منها، فالمعسكر الثابت ينقسم إلى أربعة أقسام، والمياه موصلة إليها بشبكات من الآبار في قرية أبو النجا القريبة من المعسكر، كما توجد صهاريج كبيرة في مركز الاستقبال تصل إليها المياه من نفس الآبار. وعن تنظيم المعسكر يقول علي: «لتسهيل الخدمات وعمل المنظمات القادمة لتقديم المساعدة، شكَّلنا أربع لجان من النازحين أنفسهم موزعة على أقسام المعسكر الثابت، وتتكون اللجنة من رجلين وامرأة مهمتهم تنسيق العمل بين النازحين والمنظمات التي تنوي تقديم المساعدات، أما في مركز الاستقبال فلا توجد لجان بعد، حيث يشرف عليهم شخصي مدير المعسكر».
التأقلم مع الصعاب
تُضيف ميمونة أنها كانت تعمل في بيع الزلابية والشاي في المعسكر السابق، ولكن عند قدومها إلى هنا منعها المرض من العمل ما جعلها تعتمد على الإعانات المتقطعة التي تأتي من المنظمات، لكن تعوّل ميمونة على شبكة العلاقات التي بنتها في المعسكر وتعلق: «نحن السودانيين محل ما مشينا بنتلم مع بعض وبنشيل بعض».
أثناء التجوال في معسكر أبو النجا (د) الثابت كانت رائحة بخور تنبعث من داخل أحد كرانك النازحين – والكرنك هو بيت من القش – في أقصى الناحية الشرقية من المعسكر، هناك كانت ميمونة محمد تهم بالخروج من مطبخها الصغير بعد أن جهزت نفسها لتحضير وجبة الغداء لأبنائها. قدمت ميمونة من الخرطوم إلى القضارف قبل ثلاث سنوات، وكانت تسكن بمعسكر أم شجيرات ثم رُحّلت إلى هنا، وتعيش مع أبنائها الأربعة فقط بعد أن فقدت أثر زوجها إبان الحرب ولا تعلم ما إذا كان حيّاً أم ميتاً. تجلس ميمونة وتبتدر حديثها قائلة: «قبل الحرب كنت أعمل في السوق، رزق اليوم باليوم، والدي ووالدتي متوفيان وكذلك إخواني الذكور، تبقت لدي أختاي، لكني الوحيدة التي وصلتُ إلى القضارف، ذهبَتْ واحدة منهما إلى مصر مع زوجها، وذهبَت الأخرى إلى عطبرة مع زوجها أيضاً. كانت رحلتي طويلة وشاقة إذ خرجنا في اليوم السابع لعيد الأضحى في سنة الحرب، وذهبنا شمالاً حتى نهر النيل ثم سافرنا عبر هيا وكسلا حتى وصلنا إلى القضارف».
تُواصل ميمونة في سرد حكايتها موضحةً أنها وأبناءها استقروا في البدء بمعسكر أم شجيرات الذي تَعدُّه أفضل من معسكر أبو النجا من حيث الخدمات والأمن، حيث يجري التأكُّد من هُويَّة كلِّ شخص يدخل إليه، كما توجد عربة إسعاف تُقِلّ المرضى من المعسكر إلى المستشفى وهو ما لم تجده هنا، وتقول إنّ أكثر ما يُقلقها حالياً هو مستقبل أبنائها؛ الذين لا تستطيع، للأسف، تحمل نفقات إرسالهم للمدرسة القريبة من المعسكر كما يفعل البعض في المعسكر، «لأنو يدي واحدة» بحسب تعبيرها، ولقد استبشرَتْ خيراً بإكمال دراسة أبنائها عندما كانت في معسكر أم شجيرات؛ «لأن منظمة اليونيسف شرعت في بناء رياض ومدرسة ابتدائية، وتصورت أن تبني المنظمة مدرسةً هنا أيضاً وهو ما لم يحدث». وتُضيف ميمونة أنها كانت تعمل في بيع الزلابية والشاي في المعسكر السابق، ولكن عند قدومها إلى هنا منعها المرض من العمل ما جعلها تعتمد على الإعانات المتقطعة التي تأتي من المنظمات، لكن تعوّل ميمونة على شبكة العلاقات التي بنتها في المعسكر وتعلق: «نحن السودانيين محل ما مشينا بنتلم مع بعض وبنشيل بعض».
«خرجت من الخرطوم إلى مسقط رأسي في سنجة بولاية سنار، ولكن لم نسلم هناك أيضاً فقد لحقنا الدعامة في سنجة، ما جعلنا نهرب مجدداً عن طريق الدندر، واستقرَّ بنا الحال هنا في القضارف بعد رحلة شاقَّة مع زوجتي وأبنائي الخمسة»؛ هكذا يبتدر عبد العظيم عثمان حكايته، وهو نازح من ولاية الخرطوم وكان يسكن جبل أولياء. ويواصل: «بعد أن وصلنا هنا أقمنا ليلتنا الأولى في مسجد السوق الشعبي، وبعدها ذهبنا لمعسكر الميناء البري وهناك أخبرونا بتسجيل أسمائنا عند الاستخبارات العسكرية». ويضيف عبد العظيم أنه كان يعمل سائق درداقة قبل الحرب في سوق جبل أولياء، وعندما نزح لسنجة رجع إلى الزراعة التي تركها منذ سنين عدة، ولكن عندما وصل إلى معسكر الميناء البري لم يجد عملاً، ويواصل عبد العظيم: «كانت تأتينا إعانات من الحكومة والمنظمات من فترة لأخرى، حتى أتتنا فرصة العودة الطوعية إلى الخرطوم فرجعت مع أسرتي، ولكننا وجدنا المنزل في حالة يرثى لها، إذ سُرق بالكامل وحتى سقف المنزل لم نجده، والمنزل كان مُستأجراً ولم يكن في نية صاحب المنزل صيانته ولم يكن معي المال الكافي للصيانة، إضافةً إلى غلاء المواصلات، فلا تكفيك عشرة آلاف جنيه يوميّاً للمواصلات فقط، ولذلك قررنا العودة مجدداً لمعسكر الميناء، وبعد ذلك رُحّلنا إلى معسكر أبو النجا في نهاية العام الماضي، وعندها قررت الذهاب للعمل بالمشاريع الزراعية لتأمين معيشتي وأسرتي، والحمد لله استطعت إدخال أبنائي للمدرسة في قرية أبو النجا القريبة منّا». ويُعلّق عبد العظيم على العلاقة بين النازحين في المعسكر: «الناس هنا بقت زي الأهل، وزيادة على الخيرين البجوا ويدعمونا، أنحنا هنا برانا بنلف ونشوف ظروف الناس منو المحتاج وظروفو كعبة، فبنلم ليهو قروش عشان نساعدو».
قابل مراسل «أتَر» كذلك عبد الغفار نورين النازح من الخرطوم، وهو عضو بأحد لجان المعسكر. يقول عبد الغفار: «نزحت منذ شهر أغسطس من العام 2023، وقدمت للقضارف مع أبنائي وأختي وأبنائها، وكنا نسكن بمعسكر الميناء البري ثم رحّلونا لهذا المعسكر». ويضيف عبد الغفار: «لم أجد عملاً في مجالي بالحدادة ولا أملك رأسَ مالٍ يكفي لفتح ورشة، فعملت وما زلت أعمل في موسم الخريف بالمشاريع الزراعية، وهي أوّل تجربة لي بالعمل الزراعي لكني تعوَّدت على العمل فلا حل آخر». ويواصل عبد الغفار أن مدير المعسكر أخبرهم بوجوب عمل لجان لتيسير إيصال المساعدات، «وبالفعل انتخبنا لجاننا وأنا عضو في أحدها». وما أسعد عبد الغفار في المعسكر هو حالة الترابط بين ساكنيه، فعندما أتى النازحون إلى مركز الاستقبال خرج النازحون القدامى لاستقبالهم، ومنهم من حمل الفَرْشَات وآخرون جلبوا المياه والطعام، وسبب ذلك في اعتقاد عبد الغفار «كلنا ضقنا النزوح وعارفين مرارته وعشان كده بنحس بي بعض»، بحسب تعبيره.
هروب اضطراري
أكثر ما أشكو منه الآن هو مشكلة الغذاء، فمن المفترض أن نستلَّم 20 رغيفة في الوجبة من مركز التوزيع الموجود بالمركز، لكن أحياناً أتسلَّم أقل من تلك الحصة، واليوم تسلّمت 10 رغيفات، وهذا لن يكفيني مع أبنائي.
في ديسمبر من العام الماضي سيطرت قوات الدعم السريع على منطقة هجليج الحدودية مع دولة جنوب السودان والتي تقع على بعد 50 كيلومتراً شرق أبيي، وذلك بعد انسحاب الجيش من مقره باللّواء 90 إلى داخل حدود جنوب السودان. بعد ذلك شُرّد عدد كبير من أهل هجليج نحو المجهول. تروي أم جمعة هارون، النازحة من هجليج، وهي تملأ أكياس التسالي أنهم لم يكونوا يعانون منذ بداية الحرب، ولم تصلهم المعارك. وتواصل حكايتها قائلة: «لكن بعد ذلك بدأت تهاجمنا ضربات بالمسيرات من فترة إلى أخرى، وأتذكر أنه في يوم الذي اضطررت فيه لأن أخرج، كنت أعمل في حواشتي حيث كنت أسقي زراعتي من الأسَوَدْ وحب البطيخ، فوصل إليّ أحد أفراد قريتي وأخبرني بأن الدعم السريع على مقربة منا، وأن الجميع يستعدُّ للخروج، وذهبت مسرعة لحزم أمتعتي مع أبنائي الثمانية وأخذنا القليل منها وتركنا زوجي، فهو عسكري بالجيش، وركبنا العربة وهي دفار وفره لنا الجيش وأوصلنا إلى جنوب السودان، وبعدها ركبنا عربة أخرى أوصلتنا إلى ربك، ثم أتينا إلى هذا المعسكر المُسمَّى بمركز الاستقبال، وكانت رحلة مكلفة ومتعبة فالعربة بها أمتعة وممتلئة بالراكبين وأنا لديَّ ثمانية أبناء لكن الحمد لله وصلنا بأمان. وصلنا إلى هنا منذ ستة أشهر تقريباً وطوال هذه المدة أعتمد في معيشتي على بيع التسالي والشيبس داخل المعسكر، وأحياناً خارجه، لأن الإعانات التي تأتي إلينا لا تكفي، ولكن ما يُخفِّف عليَّ قليلاً في هذا المعسكر أنني وجدت جيراني الذين نزحوا معي، فنتبادل القليل الذي معنا لنعيش».
من على البعد تسأل عائشة الأمين أم جمعة عن حالها اليوم، وتشتكي لها من أن حصة الخبز اليوم لا تكفيها وأبناءها. وعائشة نازحة من هجليج لديها ستة أبناء وزوجها عسكري بالجيش، وكانت قبل الحرب تزرع على نحوٍ دائم. تحكي لـ «أتر» عن تجربة نزوحها قائلة: «خرجنا قبل خمسة أشهر تقريباً وكانت رحلتنا طويلة ومتعبة عبر جنوب السودان ثم ربك إلى هنا، وقد تخلَّلتها توقفات كثيرة للمبيت والراحة، ولكن المشكلة أننا خرجنا ولم تكن معنا أغطية ما جعلنا مكشوفين لأشعة الشمس، وأثَّر على أبنائي الذين كانوا مرضى عند وصولنا إلى المعسكر، وأكثر ما أشكو منه الآن هو مشكلة الغذاء، فمن المفترض أن نستلَّم 20 رغيفة في الوجبة من مركز التوزيع الموجود بالمركز، لكن أحياناً أتسلَّم أقل من تلك الحصة، واليوم تسلّمت 10 رغيفات، وهذا لن يكفيني مع أبنائي». وتضيف عائشة أنها تتسلَّم الذرة من مركز في قرية أبو النجا دورياً بحصة عشر ملوات، لكنها تضطر أحياناً إلى بيع بعض منها لتوفير بقية احتياجاتها من فحم وعدس وغيره. وفي ما يتعلق بالوضع الصحي بالمركز تقول: «أولادي هسي عيانين ولمن تمش المركز بقولوا ليك ماف علاج إلا تمشي المستشفى وقروش مافي، غايتو الله يعين بس».
رحلة محفوفة بالمخاطر
في شهر فبراير الماضي تمكّنت القوات المُسلّحة من فك الحصار عن مدينة كادُقلي من الجهة الشمالية، والذي استمر لمدة سنتين. كانت قوات الدعم السريع، وانضمت إليها قوات الحركة الشعبية قيادة عبد العزيز الحلو لاحقاً، تطبق حصاراً على المدينة جعل العديد من أهلها ينزح ويفر منها، بينما تَواصَل قصف المدينة بالمسيرات. يقول علي إبراهيم وهو نازح من ريفي شرق كادُقلي: «خرجت من كادُقلي قبل أربعة أشهر تقريباً، وقد جاءت إلينا قوات الدعم السريع في قريتنا أربع مرات منذ بدء الحرب، وسرق جنودها المنازل ونهبوها لكنهم لم يقتلوا أحداً، لكن ما جعلنا نخرج هو اشتداد ضرب المسيرات علينا، عندها قررت الخروج رفقة زوجتي وأطفالي الثلاثة، استغرقت رحلتنا ثلاثة أسابيع وكانت متعبة جدَّاً، مروراً بجنوب السودان ثم ربك وحتى القضارف كلفتنا قرابة المليوني جنيه، وقد خفت كثيراً على زوجتي لأنها حامل وعلى وشك بلوغ الشهر التاسع لكننا والحمد لله وصلنا آمنين». ويضيف علي أنهم بلا مأوى ولا حتى كرنك، فمنزلهم حالياً عبارة عن قطعة قماش مربوطة بعصي فقط، والخريف على وشك الوصول. وبالنسبة لتوفير سبل العيش يعلق علي: «قبل الحرب كنت شغّال جنايني، لكن هسي ماف شغل، ومعتمد على المصاريف البتجيني من أهلي البعاد».
تأخذ خالدة آدم حصتها من الخبز لتوصلها إلى منزلها، ويلتف حولها أبناؤها عند مرورها بجانبهم أثناء لعبهم. خالدة نازحة من كادُقلي، وكانت تعمل في سوق الخضار بالمدينة، تصف رحلة نزوحها قائلة: «رحلتنا استغرقت ثمانية أيام وكانت محفوفة بالمخاطر؛ حيث مررنا بأماكن يوجد بها ارتكازات لقوات الدعم السريع، وإذا علموا أنك قادم من جنوب كردفان لن يدعوك تمر، فكذبنا بخصوص مكان قدومنا». وتضيف خالدة أن الحياة هنا في المعسكر صعبة؛ فالأكل لا يكفيهم، وأحياناً يأكلون الخبز بالسكر فقط، وزوجها عسكري بالجيش والتواصل معه صعب، وتقول إن الحرب أثرت عليّها وعلى أبنائها: «بقينا نجفل ونخاف لمن نسمع صوت حجر ساي خلي طلقة»، وختمت حديثها: «البيت زيو ماف ومصيرنا نرجع بإذن الله».
عند شروق شمس كلّ يوم بمعسكر أبو النجا (د)، يأمل قاطنوه في العودة لمنازلهم مجددّاً واسترجاع حتى ولو جزء بسيط من حياتهم السابقة، لكن ما يلحظه مراسل «أتَر» هنا وربما في كل معسكرٍ أن الجميع متفقون على أنهم يشكلون شبكة حماية وأمان اجتماعي لبعضهم، فبعد أن يتلقى الناس صدمتهم الأولى بعد النزوح ينهضون فوراً لتنظيم حياتهم، وهذا الاجتماع لن ينقطع دابره مهما تلاطمت بهم أمواج الحرب.



