أتر

دفتر أحوال السودان 129: الدلنج والأبيض مدينتان تحت الحصار

الدلنج: طرق تُفتح وأخرى مغلقة ومحاولات لإجبار العاملين على العودة

مراسل أتر

شنّت مُسيّرات، تُرجَّح تبعيتها لقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية شمال (قوات تحالف تأسيس)، هجوماً على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان صباح الثلاثين من يونيو الماضي، مخلّفةً جرحى من المدنيين، بينما لم تُسجَّل أيُّ وفيات ناتجة عن الهجوم. وقال جمال الشريف، المواطن بحي «التومات» بالدلنج، لمراسل «أتَـر»، إنّ الهجوم استهدف عدداً من الأحياء السكنية، ما أدّى إلى دمار جزئي في بعض المنازل، إضافة إلى المباني الحكومية.

وفي سعيها إلى اقتحام مدينة الدلنج، تُواصل قوات تحالف «تأسيس» هجماتها على المدينة بالمُسيّرات والقصف المدفعي، على نحو راتب طوال الفترة الماضية، بَيد أن وتيرة هذه الهجمات قلت منذ شهر، وساد هدوء نسبيّ في المدينة، قبل أن تعاود قوات تأسيس هجومها بالمُسيّرات هذه المرة.

وتتهم القوات المسلحة السودانية، قوات تحالف تأسيس بمهاجمة المدنيين، لإجبارهم على النزوح من المدينة التي تشهد أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة والتعقيد. وكشف مصدر بمحلية الدلنج لمراسل «أتَـر»، أن نزوح المدنيين من المدينة، لا يزال مستمراً، وأن أكثرهم يتوجهون إلى مدينة أبوجبيهة جنوبي شرق الدلنج، وكوستي بولاية النيل الأبيض شرقاً، حيث يكابدون ظروفاً قاسية.

وفي مايو الماضي، بثّ جنود من القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها، مقطع ڤيديو يُظهر تمكّنهم من دخول منطقة التكمة شرقي الدلنج، ولاحقاً في الشهر ذاته بثّوا مقطعاً آخر، يبيّن فتحهم طريق التكمة-الدلنج-هبيلا، بعد أشهر من العزلة بسبب العمليات العسكرية والحصار، ونجحت على إثر ذلك القوات المسلحة وحلفاؤها، في تأمين دخول المساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة، للمدنيين في الدلنج، وإسناد قواتها داخل المدينة.

وأفاد تجّار وسائقو شاحنات بمدينة الدلنج، تحدّثوا لمراسل «أتَـر»، بأن فتح طريق التكمة-الدلنج-هبيلا، لن يؤثر كثيراً في تحسّن الحركة التجارية، وأنه يفيد فقط في إيصال الشحنات الإغاثية، فالأهم – بحسب ما قالوا – هو طريق الدلنج-الأبيّض، ففي حال استمرار إغلاقه فإنّ الوضع الاقتصادي وأحوال المدنيين في الدلنج، لن تتغيّر إلى الأفضل.

وتقول أسمهان آدم عبد الكبير، من سكّان حي الملكية في الدلنج، لمراسل «أتَـر»، إن أوضاع مواطني الدلنج لا تزال تراوح مكانها، بعد شهر من فتح القوات المسلحة السودانية وحلفائها الطريقَ الرابط بين مدينتي الدلنج وكادوقلي، ما سمح بانسياب بعض المواد الغذائية والسلع والمحروقات. وبحسب أسمهان فإن أسعار المواد الغذائية لا تزال مرتفعة وفوق قدرة المواطنين، الذين يعيش جلّهم بلا عمل منذ بدء الحصار من قِبل قوات تحالف تأسيس على المدينة وقطع الطُّرُق نحوها، منوهة إلى أنهم يعتمدون على التحويلات التي ترد إليهم من خارج المدينة والمغتربين بالخارج. وتضيف: «نعيش في كثير من الأحيان على وجبة واحدة في اليوم، ولن نتمكّن من مغادرة المدينة، لأنّ محيطها مُشتعل وغير مأمون خاصة للنساء والشباب، الذين يفضّلون الموت داخل المدينة، بدلاً مما يواجهونه من ذل وإهانة خارجها».

وتعاني الأسواق بالدلنج من قلّة الوارد من السلع. ويقول الباشا جبارة، وهو سائق شاحنة تعمل بين الدبيبات والدلنج لمراسل «أتَـر»، إن البضائع في الدبيبات نادرة وتصلها بصعوبة، ولفت إلى أنه يبقى أحياناً لشهر حتى ينجح في الحصول على شحنة مواد غذائية. وكشف جبارة عن تحوله من العمل بنقل البضائع عبر شاحنته إلى سائق لدى منظمة دولية تقدّم مساعدات، غير أن شحنات قليلة جداً من هذه المساعدات تصل إلى الدلنج، بحسب جبارة.

وقال التاجر بسوق الدلنج حماد كوكو كجور، إنّ أسعار السلع تشهد ارتفاعاً كبيراً بسبب التكاليف العالية لترحيل المواد الغذائية، وكثرة الرسوم والجبايات المفروضة عليها في الطرق، وأضاف أن ملوة البصل تباع بـ 25 ألف جنيه سوداني، وقطعة الصابون بـ 1500 جنيه، وكيلو العدس بـ 12 ألف جنيه، وكيلو الدقيق بـ 10 آلاف جنيه، وملوة الذرة بـ 15 ألف جنيه، وكيلو السكر بـ 20 ألف جنيه، وملوة الفول السوداني بـ 6 آلاف جنيه، وكيلو لبن البدرة بـ 30 ألف جنيه، وكيلو اللحم العجالي بـ 18 ألف جنيه، وكيلو الضأن بـ 35 ألف جنيه، وملوة العدسية بـ 20 ألف جنيه، وكرتونة البسكويت بـ 35 ألف جنيه.

بينما لا تزال الأوضاع الصحية بالمستشفيات تشهد تردّياً مُريعاً، خاصة بعد تعرّض مستودع ومخزن رئيس للأدوية في المدينة لضربة مدفعية في 21 مايو الماضي، وفق «شبكة أطباء السودان»، ما أدى إلى تدمير شحنات كبيرة من الإمدادات الطبية والأجهزة التي نجحت جهود محليّة في تخزينها سابقاً.

وأخبر مصدر طبي بمستشفى الأم بخيتة في مدينة الدلنج، لمراسل «أتَـر»، أنّ المستشفى بات يعمل في عمليات الولادة فقط، وأنه يواجه خطر التوقف عن هذه العمليات أيضاً في الفترة القادمة إذا لم يحدث تدخّل عاجل، ودعم بمعدات طبية وأدوية بعد خروج مستشفيات أخرى من الخدمة وعمل مستشفى الدلنج الملكي بحدّه الأدنى.

وكشف المصدر الطبي، عن نفاد الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الوريدية بالمستشفى، إضافة إلى ندرة في مواد التخدير والشاش والقطن الطبي، ما اضطر بعض الأطباء والمتطوّعين في فترات ماضية إلى إجراء عمليات جراحية عاجلة لمصابي القصف دون تخدير. وأضاف المصدر أن معظم أجهزة الأشعة ومعدات المختبرات التشخيصية بالمستشفى توقفت عن العمل، وفي حاجة ماسة إلى صيانة وقطع غيار يستحيل إدخالها في ظل الحصار الراهن.

معلقاً على قرار حكومة ولاية جنوب كردفان، الذي تضمّن فقرةً تُلزم جميع منسوبي الخدمة المدنية بمزاولة أعمالهم فوراً في وحدات الولاية المختلفة، قال موظف بأمانة حكومة الولاية فضّل حجب اسمه، ونزح إلى إحدى مدن وسط السودان لمراسل «أتَـر»، إن القرار يهدف إلى «فصل وتشريد العاملين المشردّين أصلاً»، على حدّ قوله، وإنّ «حكومة الولاية تعلم أنّ الطرق لا تزال مغلقة، فكيف يصل العاملون إلى الولاية من داخل وخارج السودان في ظروف كهذه؟»، مطالباً بفتح الطرق أولاً حتى يتسنّى للعاملين العودة إلى أماكن عملهم.

وذكرت معّلمة مقيمة بالمدينة و نعمل بإحدى مدارسها، أنها تحضر إلى مكان عملها يومياً متى طُلب منها ذلك، لكنها لم تصرف راتبها منذ سنتين.

الأبيض: مدينة على حافة الحصار ومنفذ من جهة واحدة

مراسل أتر

مع التصاعد المستمر لهجمات قوات الدعم السريع بالمُسيّرات حول مدينة الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان، تتزايد المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني والإنساني في المدينة وسط تضارب الروايات، بين تأكيدات رسمية باستقرار الأوضاع، وتقديرات محلية تتحدّث عن تصاعد التهديدات. والحال كذلك، يجد مئات الآلاف من المدنيين أنفسهم أمام واقع مشابه لما شهدته مدينة الفاشر العام الماضي، حيث أدت العمليات العسكرية المتكررة إلى تضييق حركة المدنيين وتفاقم الأزمة الإنسانية.

وتدفع السلطات العسكرية باتجاه بقاء المدنيين داخل المدينة خشية أن يؤثّر خروجهم على الروح المعنوية لقوات الجيش بالمدينة في حال وقوع هجوم بري. ووفقاً لمصادر محلية تحدّثت لـ «أتَـر» فإنّ غالبية المتبقين داخل المنطقة هم من النازحين القادمين من مناطق أخرى، بينما غادر جزء كبير من السكّان الأصليين، وترافق مع عمليات النزوح من المدينة انتشار عروض الأثاثات المنزلية، مع تراجع الطلب وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وركود الأسواق. وعادة ما يتوجه المغادرون من المدينة نحو مدينتي أم درمان وكوستي.

وفي السوق الكبير للمدينة، يصف التاجر محمد بقة لمراسل «أتَـر» الأوضاعَ بأنها تتسم بهدوء حذر اعتاد عليه السكان، مشيراً إلى استمرار الحركة اليومية رغم المخاوف المتزايدة وأزمات المياه والكهرباء والوقود التي دفعت كثيراً من السكّان إلى التنقل سيراً على الأقدام، ويضيف أن الطريق الوحيد الفعلي للمغادرة هو الرابط بين شمال كردفان والنيل الأبيض.

ومن جانبه يقول الناشط محمد ود الحاج لمراسل «أتَـر» إنّ ارتفاع تكلفة السفر والإيجارات في الولايات الآمنة يحدّ من قدرة الأسر على النزوح، موضحاً أن أسعار التذاكر تضاعفت خلال الأشهر الثلاثة الماضية ما جعل خيار المغادرة بعيد المنال بالنسبة لكثير من السكّان.

في حديثه لمراسل «أتَـر»، يرى منسّق غرف طوارئ الأبيض، عبد الوهاب بوب، أن المدينة تواجه وضعاً معقّداً أمنياً واقتصادياً وإنسانياً، مُشيراً إلى أنّ حجم التحشيد العسكري حولها يشبه ما سبق حدوثه في مدن انتهت بسيطرة الدعم السريع عليها، مُعتبراً أن الخطاب الرسمي لا يعكس الواقع الميداني.

ويشير بوب لمراسل «أتَـر» إلى أنّ الأبيض فقدت عملياً بعض منافذها بينما تتقلّص أخرى على نحو مُتسارع، مُحذّراً من أنّ أيِّ تطور عسكري قد يؤدي إلى إغلاق كامل للمداخل، خاصة أن المدينة تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين من سبع ولايات، ما يجعل أي تصعيد مُحتمَل ذا كلفة إنسانية عالية للغاية.

وبحسب متابعة مراسل «أتَـر»، لا يزال الطريق الرابط بين مدينتي الأبيض وكوستي المنفذ الرئيس المفتوح أمام حركة المدنيين، إلا أنّ سالكيه قد يواجهون مخاطر تتعلق بنشاط عصابات النهب المسلح، إضافة إلى احتمال استهدافه بالمُسيّرات التابعة للدعم السريع، كما يظلّ الطريق الترابي الرابط بين الأبيض وخورطقّت وزريبة الشيخ البرعي فالدويم متاحاً لكنه وعر، خاصة مع دخول فصل الخريف وهطول الأمطار.

ويقول الناشط المدني علاء الدين كبير لمراسل «أتَـر»، إنّ جميع الاتجاهات المؤدية إلى شمالي وغربي وجنوبي المدينة، أصبحت تحت سيطرة الدعم السريع، ولم يتبقَّ سوى الطريق بين الأبيض وكوستي منفذاً للحركة، إلا أنه شديد الخطورة في الوقت الراهن، خاصة أن الدعم السريع تستهدف شاحنات النقل وصهاريج الوقود على نحو متكرّر، بينما لا تزال حافلات السفر تعمل.

ومن جانبه توقّع المدافع عن حقوق الإنسان والمهتم بملف كردفان معمر القذافي، وهو أحد أبناء المدينة، الاعتمادَ على طريق شرق خورطقّت باتجاه الزريبة وصولاً إلى الدويم، إذا ما انقطع الطريق القومي بين الأبيض وكوستي بفعل العمليات العسكرية، مضيفاً أنّ التنقّل في تلك المناطق سيكون غالباً سيراً على الأقدام في ظلّ عدم توفر وسائل النقل نتيجة الانعدام الحاد للوقود؛ مشيراً إلى أن «الزريبة» تُعَدُّ منطقة حياد بحكم وجود الثقل الروحي فيها، لكنه تساءل عن مدى قدرتها على استيعاب الأعداد المُتوقَّعة من النازحين، إذا ما جرى اعتمادها نقطة تجمّع أو عبور، كما لفت إلى ضرورة التفكير مُبكّراً في التجهيزات المطلوبة، وعلى رأسها توفير مصادر مياه كافية باعتبارها من أبرز التحديات التي ستُواجه أيَّ تجمّعات كبيرة للمدنيين.

بينما قال الفاعل المدني طه رؤوف لمراسل «أتَـر»، إنّ مسألة توفير طرق آمنة لخروج المدنيين من الأبيض ليست هي التحدي الأساسي، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في القدرة الاقتصادية للسكان على مغادرة المدينة، وأضاف أن كثيراً من المدنيين لا يملكون الإمكانات المالية التي تمكنهم من النزوح أو السفر، فـ «إن كانت لديهم خيارات حقيقية لما ظلوا داخل المدينة حتى الآن»، وأكّد أن شريحة واسعة من السكّان تكاد تكون بلا خيارات، وهو ما يجعلهم مضطرين للبقاء داخل المدينة.

يقول محمد ود الحاج إنّ سكان المدينة فقدوا الثقة في التصريحات الرسمية وباتت المقارنات مع الفاشر حاضرة بقوة في الوعي العام للسكان، وسط مخاوف من تكرار السيناريو ذاته إذا ما استمرّ التصعيد.

Scroll to Top