في الليل تنبُت للأطفال أجنحة، وحينما يستيقظون يخبرهم أهلهم بأنهم لم يطيروا حقاً، إنما كانت تلك أضغاث أحلام. لكن هنالك أجنحة مجازية أخرى تنبت في النهار، ويستطيعون أن يطيروا بها في الواقع مستقبلاً: أحلامهم بشأن الدراسة والعمل. وأيّ حماس ذلك الذي يجيبون به حينما يُسألون عما يريدون أن يصبحوا حينما يكبرون، فهذا يريد أن يغدو مهندساً، وأخرى تحلم بأن تغدو طبيبة، وذاك يرى نفسه كابتن طيران. كيف غيرت الحرب أحلام طلاب السودان وخططهم وربما طريقة تفكيرهم، وهم من كانوا بالأمس أطفالاً.
بحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو»، ارتفع عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي على مستوى العالم، من 100 مليون طالب في عام 2000، إلى 269 مليوناً في عام 2024. ويمثل هذا الرقم 43% من عدد سكان الكوكب في سن الالتحاق بالتعليم العالي، والذين تتراوح أعمارهم عادة بين 18 عاماً و24. غير أن هذا الارتفاع يخفي أوجه تفاوت إقليمية كبيرة، إذ تبلغ نسبة الشباب الملتحقين بالتعليم العالي 80% في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، مقارنة بـ 59% في منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، و37% في منطقة الدول العربية، و30% في آسيا الجنوبية والغربية، و9% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
هذا التقرير يجعلنا نسأل أنفسنا: أين السودان من ذلك؟ وفي السودان، بين ثورة وجائحة فانقلاب ثمّ حرب، ها قد كَبُر أولئك الذين كانوا أطفالاً قبل عقدين بين أنظمة التعليم المتهالكة وتعرّجات المناخ السياسي وأحوال الجامعات، يدفع طلاب السودان وطالباته أعمارهم ثمناً للحصول على شهادات جامعية ما زالت تلتهم السَّنةَ تلو الأخرى، فكيف ينظرون إلى الأمر؟.
علي: 8 سنوات
يأسَف إسماعيل على أنه فقد عدداً من الفرص المهمّة خلال سنوات التأخير الزائدة، مثل الدروات التدريبية والمنح التي لم يستطع الاستفادة منها لأنها كانت تقتضي الحصول على الشهادة الجامعية. لكنه يجد عزاءً في ما أتاحه له ذلك التأخير من خبرات حياتية ومهارات شخصية مهمة ودروس قيّمة، أبرزها القدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة والتعامل مع التحديات المختلفة بمرونة أكبر.
التحق علي إسماعيل، 29 عاماً، بكلية الهندسة الزراعية بجامعة الخرطوم في عام 2015، وكان عمره آنذاك 19 عاماً، وبدلاً من التخرج في عام 2020، قضى في الجامعة ثماني سنوات وتخرّج في عام 2023. يخبر إسماعيل «أتَـر» بأنّ تأخير دفعته ناتج عن عدة عوامل خارجة عن إرادة الطلاب، كان أوّلها إغلاق الجامعة في 2016 بسبب الاحتجاجات الطلابية المرتبطة بقضية نقل جامعة الخرطوم إلى سوبا، ثمّ تلتها أحداث ثورة ديسمبر في 2018 وما بعدها، فجائحة كوڤيد-19 في الفترة من 2019 إلى 2020، ثمّ انقلاب أكتوبر في عام 2021. وربما لو لم يتخرّج قبلها بقليل لأرجأت تداعيات حرب أبريل -التي اندلعت في عام 2023- تخرّجه لسنوات أخرى. يقول إسماعيل: «كان لذلك الفارق الزمني أثر نفسي كبير، لأنك تجد نفسك مضطراً إلى تأجيل أهدافك وطموحاتك عاماً بعد عام في حالة من عدم الاستقرار الأكاديمي والتشتت الذهني دون أن يكون الأمر بيدك».
وكانت القدرة على التكيّف مع التغيّرات المتتالية والحفاظ على الدافع والاستمرار من أكبر التحديات التي خاضها إسماعيل: «بمرور الوقت أصبحت أتجنّب بعض اللقاءات الاجتماعية بسبب الأسئلة المتكررة حول استمرار الدراسة، خاصة عندما أرى بعض أقراني وقد تخرجوا وبدأوا حياتهم العملية أو الأسرية، وكان ذلك يضعني في مواقف محرجة أحياناً ويؤثر في حالتي النفسية. كذلك كانت هناك تساؤلات وضغوط مستمرة من أسرتي، وقد اخترت التحمل ومواصلة المشوار حتى تخرّجت».
يأسَف إسماعيل على أنه فقد عدداً من الفرص المهمّة خلال سنوات التأخير الزائدة، مثل الدروات التدريبية والمنح التي لم يستطع الاستفادة منها لأنها كانت تقتضي الحصول على الشهادة الجامعية. لكنه يجد عزاءً في ما أتاحه له ذلك التأخير من خبرات حياتية ومهارات شخصية مهمة ودروس قيّمة، أبرزها القدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة والتعامل مع التحديات المختلفة بمرونة أكبر.
وحتى بعد تخّرجه لم تمض الأمور بسلاسة، إذ تقدّم إسماعيل إلى عدد من المنح الدراسية، من بينها منح في دول شرق آسيا، لكنه لم يتمكن من إكمال التقديم عندما تعثرت إجراءات استخراج بعض المستندات الأكاديمية، خاصة شهادة التفاصيل، نتيجة الظروف التي مرت بها الجامعة بفعل الحرب.
حالياً يعمل علي إسماعيل في مجال التعليم والتدريب، وهو مجال يختلف عن تخصّصه الأكاديمي في الزراعة. يقول: «فكرت كثيراً في دراسة الماجستير، لكن ما زالت لديّ بعض المخاوف من تكرار تجربة البكالوريوس وما صاحبها من تأخير وعدم استقرار».
حسين: 9 سنوات
كان هاجسي الأكبر هو التعامل مع مجتمع لم تنقطع أسئلته طوال السنوات السابقة حول أمور تخصّ دراستي وما أفعله في هذا الوقت من عمري، وظللتُ أجيب عن بعضها وأتهرّب من أخرى. وكم سألتني جارتنا، وهي في الخمسينيات من عمرها، كلّما وقفت حافلة المواصلات في المحطة القريبة من منزلي: «أها ما قرَّبت؟»، وكم أجبتها: «فاضِلْ لَيْ سنة واحدة». يتكرّر هذا السؤال وتتكرر الإجابة نفسها منذ العام 2023.
َدرُس حسين محمود، 26 سنةً، بكلية الهندسة بجامعة القضارف. ما زال حسين يتذكّر ذلك اليوم جيداً: «أول يوم بالكلية، كان عمري 17 عاماً، دخلتُ عبر البوابة الكبيرة مثقلاً بالحماس والرهبة، كان ذلك في يوم 17 سبتمبر2017، وكانت أولى محاضراتي هي أساسيات الفيزياء». حسب التقويم الذي وضعه لنفسه، كان حسين يتوقّع أن يتخرّج بحلول عام 2022، لكنّ الدراسة بالكلية لم تكن منتظمة: «ندرس شهراً ونتوقف شهرين، وذات مرة وقع اعتصام بالكلية أدّى إلى توقّف الدراسة لمدة 6 أشهر، الأمر الذي جعلني لا أكترث كثيراً للحضور إلى الجامعة حتى بعد انتظام الدراسة». ويعزو حسين ذلك إلى شعوره بضغطٍ نفسي طبيعي؛ ناتجٍ عن تكرار التوقف والبطء الشديد في التحصيل الأكاديمي، لكنه لم يُضعِف عزيمته، يقول لـ «أتَـر»: «على الرغم من تعدّد أسباب إيقاف الدراسة بكليّتنا، بين ثورة ديسمبر وجائحة كوڤيد-19 ثمّ الحرب التي لا تزال مستمرة، لم أفكر في الانسحاب قط»، قالها بنبرة ممتلئة بالإصرار.
ويعلّل حسين إصراره بأنّ دراسة الهندسة لم تكن رغبته وحده، إنما كان والده ووالدته أيضاً يتعشّمان أن يصبح مهندساً: «ذلك هو السبب الأكبر في استمراري رغم التحديات التي واجهتها وما زلت أواجهها». ويعبّر حسين عن سروره لوجوده في ولاية القضارف ودراسته في جامعة القضارف، ملتمساً في ذلك دافعاً آخر للتمسّك بالكلية ومواصلة الدراسة، وإلا لو كان يدرس بجامعة بولاية أخرى لما تمّكن من الاستمرار، لأنّ ذلك كان سيزيد تكاليف الدراسة والمعيشة، إضافة إلى السفر.
ويروي حسين كيف شعر بالإحباط وفقد الشغف مرات عديدة، لأنه رأى حلم طفولته يتهاوى أمام ناظريه، وكيف كان يجد صعوبة في ربط ما درسه في الفصول الدراسية الأولى وما درسه بعدها خلال الفترات المتباعدة وتطبيق ما تعلمه، فضلاً عن الصعوبة في اكتساب معارف ومهارات جديدة. لكن هذا لم يكن أشدّ ما يؤرق حسين: «كان هاجسي الأكبر هو التعامل مع مجتمع لم تنقطع أسئلته طوال السنوات السابقة حول أمور تخصّ دراستي وما أفعله في هذا الوقت من عمري، وظللتُ أجيب عن بعضها وأتهرّب من أخرى. وكم سألتني جارتنا، وهي في الخمسينيات من عمرها، كلّما وقفت حافلة المواصلات في المحطة القريبة من منزلي: «أها ما قرَّبت؟»، وكم أجبتها: «فاضِلْ لَيْ سنة واحدة». يتكرّر هذا السؤال وتتكرر الإجابة نفسها منذ العام 2023. إلى أن سألَتْني قبل مدة قريبة وأجبتها: «بعد عيد الضحية، إن شاء الله». وها قد مضى العيد ولم يحدث شيء، حتى والدي ظلّ يسألني مراراً، وهو متحمّس لتخرّجي أكثر مني: «أها ما خلاص؟». لكن حسب الترتيبات، ستكون، على الأرجح، مناقشة بحث تخرّجي غالباً في شهر يوليو هذا، بعد تسع سنوات من السعي للحصول على بكالوريوس الهندسة في الميكانيكا».
إن كان هناك ما يحمده حسين في هذا التأخير، فهو أنه لم يقطع عنه سبل كسب العيش، فقد عمل فنيَّ أجهزة استقبال في سوق القضارف، وجرّب العمل في عدة مجالات أخرى بعيدة عن مجال دراسته، وأتيحت له فرصة تدريب داخلي في صومعة القضارف وفي شركات هندسية مرموقة، ويعمل حالياً في منظمةٍ تنشط في مجال العمل الإنساني.
مرافئ: 8 سنوات وأخيراً
التحقت مرافئ، 25 سنة، بكلية الآداب بجامعة البحر الأحمر في 2018، «وأخيراً، بعد 8 سنوات، احتفلتُ بتخرّجي هذا العام، لكنني لم أناقش بحث تخرجي بعد»، تقول لـ «أتَـر».
تتذكّر مرافئ أنها، عندما التحقت بالجامعة، في السنوات الأولى كانت تحمل شغفاً وحماساً كبيرين، لأنها التحقت بكلية الآداب عن رغبة: «لكن مع مرور الوقت، تلاشى ذلك الشغف تدريجيّاً، وأصبحتُ بلا طموح أو هدف محدّد سوى التخرج من الجامعة بأي شكل كان».
أثناء دراستها، عملت مرافئ في مجالات مختلفة ذات صلة بمجالها الدراسيّ، وبعضها الآخر لا صلة له به. تقول: «وسط أنشطتي في العمل الإنساني والإعلام والمشاريع الخاصة، كانت تنهال عليّ عشرات الأسئلة من قِبل الأسرة والأصدقاء حول دراستي، مما جعلني أفكر في كثير من الأحيان في التخلي عن الدراسة في السودان والسعي إلى استكمالها بالخارج، لكن هذا المسعى لم يُكلّل بالنجاح، لذلك وطّنت نفسي أخيراً على البقاء؛ ما دمت أعمل حالياً وأعيش في بلد أعرفه جيداً فمن الأفضل أن استمر حتى أكمل دراستي، بخاصة أنّ تجربة العمل أثناء الدراسة أضافت إليّ كثيراً من المعارف والخبرات».
ولا تتحسّر مرافئ كثيراً على الفرص التي فاتتها لأنها لا تحمل شهادة جامعية، مؤمنةً بأنّ «ذلك كله لخير، وما زالت هنالك فرص قادمة».
الفاتح: 7 سنوات
التحق الفاتح النور، البالغ من العمر 28 سنة، بكلية القانون بجامعة سنار في عام 2018، وعمره حينها كان 20 عاماً. وبدلاً من التخرّج بعد أربع سنوات في عام 2022، كما كان يتوقع، وفقاً للخطة الدراسية، قضى الفاتح في الجامعة ثماني سنوات للحصول على بكالوريوس القانون وتخرّج في 2025. فضلاً عن تراكم الأحداث التي أبطأت عجلة التحصيل الأكاديمي لكثير من طلاب التعليم العالي في السودان بدءاً من عام 2018، أُغلِقت جامعة سنار بسبب إضراب أساتذة الجامعات السودانية، ثمّ إضراب أساتذة جامعة سنار للمرة الثانية.
يقول الفاتح لـ «أتَـر» ملخِّصاً رحلته في جامعة سنار: «كانت رحلة قيّمة بالنسبة إليّ في بناء مهاراتي الحياتية والمهنية، وأضافت لي على الصعيد المعرفي والاجتماعي كثيراً؛ لأنّ الجامعات التي تدعم، إلى جانب الدراسة، أنشطة لا صَفّية وتسمح بالعمل السياسي والثقافي، كجامعة سنار، تصقل مواهب الطلاب ومهاراتهم».
يفكر الفاتح في مواصلة الدراسات العليا في القانون، لكنه يستدرك قائلاً: «أخشى أن تتكرّر التجربة فأفقد سنوات عديدة في الحصول على ماجستير، ولا ضمانات للاستمرار في ظلّ الظروف المعقّدة التي تمر بها البلاد، لذلك أسعى إلى الحصول على فرصة دراسة في الخارج».
يعمل الفاتح حالياً في إحدى منظمات المجتمع المدني، بعيداً عن مجال دراسة القانون. يقول: «أفكر في الرجوع لممارسة مهنة المحاماة، لأنّ هدفي الأساسي هو الدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا يتطلب مني الجلوس لامتحان مزاولة المهنة، ومن ثمّ يمكنني العودة ثانياً للانخراط في عمل المنظمات بكامل تركيزي على مجال الحماية وحقوق الإنسان».
محمد: 6 سنوات وليس بعد
يصيبني الإحباط عندما أرى أنّ الجامعة قادرة على استضافة طلاب من جامعة أخرى وأنّ دراستهم مستمرّة لأنّ إدارة الجامعة توفر أساتذة يتعاقدون معها ليدرّسوا طلاباً مستضافين، بينما لا يعيرنا أحد اًهتماماً، ولا يحرّك أحد ساكناً بشأن طلاب كلية الهندسة التي توقفت بها الدراسة منذ 2025.
يَدرُس محمد عبد المنعم بكلية الهندسة بجامعة كسلا التي التحق بها في 10 يناير 2020، وكان يأمل أن يتخرّج في 2026، وفقاً للخطة الدراسية. يقول لـ «أتَـر»: «حلّ عام 2026 وما زالت أدرس بالمستوى الثالث، وذلك لأسباب عامة معلومة عطلت الدراسة في مؤسسات التعليم العالي بالبلاد، فضلاً عن ظروف خاصة بالكلية، وجميعها خارجة عن إرادة الطالب. لقد فقدت كثيراً من الفرص بسبب تأخير ميعاد التخرّج، وقد تخرّج كثير من زملائي في الدفعة بالثانوي، وهاجر آخرون إلى خارج البلاد للدراسة أو العمل».
على الرغم من أنّ حياته المهنية لم تتوقف بسبب توقف الدراسة، يشعر محمد بأنّ الطالب يواجه كثيراً من الشروط التي يضعها المجتمع، وعدداً هائلاً من التساؤلات التي لا يملك لها إجابات حقيقية من شاكلة «التخريج متين؟»، و «ناس في نفس عمرك اتخرّجوا، إنت مالك؟»، ما يصيبه بالإحباط أحياناً. يقول: «لا تأتي هذه الأسئلة من سكّان الحي أو الأقارب وحدهم، بل حتى والدي في المنزل بات يكرّر عليّ الأسئلة نفسها. لقد ارتاد أخي الأكبر نفس الجامعة وأكمل دراسته بعد 9 سنوات، أما أخي الأصغر فقد التحق بجامعة أخرى في الولاية بعد دخولي الجامعة بسنة، وقد تخرّج العام الماضي. لك أن تتخيّل الفرق!».
ويعزو محمد جزءاً من التأخير إلى مشكلات تعاني منها كلية الهندسة بجامعة كسلا قائلاً إنها، منذ افتتاحها في 2011 لم تخرّج سوى سبع دفعات، بينما تَعذّر على عدد كبير من الطلاب استخراج شهاداتهم بسبب تأخّر ظهور نتائجهم في الوقت المحدد. يقول: “يصيبني الإحباط عندما أرى أنّ الجامعة قادرة على استضافة طلاب من جامعة أخرى وأنّ دراستهم مستمرّة لأنّ إدارة الجامعة توفر أساتذة يتعاقدون معها ليدرّسوا طلاباً مستضافين، بينما لا يعيرنا أحد اًهتماماً، ولا يحرّك أحد ساكناً بشأن طلاب كلية الهندسة التي توقفت بها الدراسة منذ 2025».
ويتساءل محمد: “إذا كنت سأمكث مدةً تتراوح بين 7 و8 سنوات للحصول على درجة البكالوريوس، فمتى سأحصل على درجة الماجستير في ظل هذه الظروف المعقدة؟ وكم سيكون عمري؟”.
فارس: 9 سنوات وليس بعد
في حين التحق قرينه حسين محمود بالجامعة في عام 2017، ويتوقع أن يتخرج هذا العام، فقد التحق فارس سليمان بكلية الهندسة بجامعة السودان في عام 2017 أيضاً، لكن ما زالت أمامه أربعة فصول دراسية قبل التخرّج، وكان من المقرّر أن يتخرج في عام 2022. يقول فارس لـ «أتَـر»: «لا أستطيع أن أضع سقفَ توقّعاتٍ لتخرجي، كي لا يتحطّم مثلما حدث في 2022 والأعوام التي تليه. على الرغم من أن أربعة فصول دراسية ليست كثيرة، وتقتضي مدة لا تزيد على السنتين في الظروف العادية، إلا أنني أتوقّع أن يستغرق التخرج ثلاث سنوات أخرى أو أكثر، ليس إحباطاً مني، لكن هذا ما يبدو واضحاً حسب وتيرة الدراسة وما يحدث أمامي، فقد كانت هنالك بعض المحاولات لاستمرار دراستنا عبر الإنترنت، لكنها لم تدم طويلاً، لأنّ مستوى المعرفة اللازم للتعامل مع أدوات التعليم الإلكتروني لدى الأساتذة وبعض الطلاب كان ضعيفاً، وانعكس ذلك سلباً على الأداء«.
في رصده لأسباب التأخير، يحصي فارس مزيجاً من العوامل؛ بعضها عام وتمتد آثارها في البلاد منذ عام 2018 حتى الآن، وأخرى خاصة بجامعة السودان وكلية الهندسة. ويصف خدمات الجامعة وبيئتها الدراسية بأنها كانت «رديئة» منذ التحاقه بها قائلاً: «ذلك لأنّ دراستنا تعتمد بشدّة على المعامل والتطبيق العملي، وذلك ما كانت تفتقر إليه الجامعة».
يرى فارس أنّ فترة الحرب تحديداً أظهرت الفرق بين التعليم الحكومي والخاص، ويستدلّ قائلاً: «لقد وجدت كثيرٌ من الجامعات الخاصة مجالاً لاستيعاب طلابها في جامعات أخرى بالولايات الآمنة، ما مكّنهم من استكمال دراستهم، وأذكر أنّ بعضاً منهم تجاوزونا بينما نحن ننتظر لا شيء».
وامتدّت يد التأخير في رحلة فارس إلى خارج نطاق الدراسة، إذ يروي أنه قد أتيحت له ذات مرة فرصة الحصول على تدريب داخلي بإحدى الشركات، وكان من متطلباتها تقديم إفادة من جامعته تفيد بأنه يدرس بها، لكن لم يكن هناك مكتب يتبع للجامعة للحصول على تلك الإفادة.
يقول فارس: «وأنا أرى أصدقائي على الضفة الأخرى من النجاحات؛ منهم من سافر خارج البلاد ومنهم من بدأ مشروعه الخاص، وأنا أتذبذب بين هنا وهناك، كنت دائماً ما أجد نفسي أمام أسئلة عسيرة: هل أواصل الدراسة؟ هل أتوقّف؟ هل أحوّل إلى جامعة أخرى؟ هل أسعى للحصول على منحة خارج السودان؟ رغم ذلك لا أرى في هذه العقبات سبباً للتخلّي عن الدراسة».
آثار: 8 سنوات وليس بعد
كنّا نعرف من منسق الدفعة ليلاً أن لدينا محاضرة غداً، وكانت إقامة الامتحانات أو تأجيلها أموراً لا يمكن التنبؤ بها. وهذا الاضطراب يلقي علينا كثيراً من الضغط النفسي
تدرُس آثار، 25 سنة، بكلية الطب بجامعة القضارف التي التحقت بها في 28 أكتوبر 2018، وكانت تتوقّع أن تتخرّج في عام 2023 بحدّ أقصى، «لكن تلاحقت الأحداث، وها نحن في 2026 وما زلتُ في الفصل الدراسي التاسع. وفي حال استمرت الدراسة على الوتيرة الحالية، أتوقّع أن أتخرّج في فبراير 2027».
تصف آثار هذه الرحلة بأنها كانت «منهكة»، بين تقلبات التقويم الدراسيّ وتعرّجات الحياة والوضع الصحي والاقتصادي. تقول لـ «أتَـر»: «كنتُ دائماً أحاول أن اقتصد بقدر الإمكان، فلا ألجأ إلى شراء مراجع أو ملخصات ورقية، إذ كانت تتاح منها نسخة إلكترونية».
وتسرد آثار معالم الرحلة: «عندما التحقتُ بالجامعة درَسَتُ لشهر واحد، ثمّ أغلقتُ الجامعات بعد انطلاق الثورة في ديسمبر 2018، ولم تعاود جامعة القضارف الدراسة إلا في ديسمبر 2019، بينما استأنفت عدد من الجامعات السودانية الدراسة قبل ذلك بأشهر. وعندما فتحت الجامعة، مع نهاية عام 2019 وبداية عام 2020، حلّت بنا جائحة كوڤيد-19، وأغلقت الجامعة من جديد. وفي السنة ذاتها أضرب الأساتذة والعاملون بالجامعات، فأغلقت الجامعة ستة شهور أخرى. هكذا، كان كلّ فصل دراسي خلال مسيرتي الدراسية ينقضي في عام دراسي كامل، إلى أن وقعت حرب أبريل في عام 2023».
ومن عوامل التأخير الاستثنائية التي رصدتها آثار في جامعة القضارف، وبخاصة كلية الطب، أنها كانت تفتقر إلى تقويم دراسي ثابت يحدد مواقيت المحاضرات والامتحانات: «كنّا نعرف من منسق الدفعة ليلاً أن لدينا محاضرة غداً، وكانت إقامة الامتحانات أو تأجيلها أموراً لا يمكن التنبؤ بها. وهذا الاضطراب يلقي علينا كثيراً من الضغط النفسي».
حاولت آثار نقل دراستها إلى جامعة أخرى لكنها لم تفلح. تقول: «ضاعف ذلك من الضغط النفسي، فقد كنتُ في الفصل الدراسي الثالث، بينما هنالك طلاب آخرون من دفعة قبول عام 2018 في الفصل الدراسي السابع أو الثامن. لي صديقة درسَت في كلية الأشعة، وهي حالياً على وشك الحصول على ماجستير، وأنا ما زلت في السنة الخامسة. كذلك تأثرت علاقتي بأسرتي وأصدقائي بسبب التأخر في الدراسة إلى حد كبير».
اختتمت آثار حديثها وهي تنظر بعيداً: «عندما تكون لديك توقعات عالية، ويحدث ما هو أقل منها، تُصابين بإحباط، وتشعرين بالعجز عن المضيّ قدماً».
تعقيدات وحلول
خلال السنوات السابقة، كانت الجامعة تستقبل دفعات جديدة، لكن لم يتيسّر لها أن تخرِّج أي دفعة، وبدلاً من خمس دفعات أصبحت لدينا ثماني دفعات، أي ما يقارب الضعف، ما جعلنا غير قادرين على تلبية حاجة جميع الدفعات في آن واحد، لأنّ القاعات وعدد الأساتذة أقلّ من حجم الحاجة التي تقتضي وجود كادرٍ بشريّ وموارد مضاعفة.
من الناحية الأكاديمية، أوضح عميد كلية الحاسوب بجامعة كسلا، د. أنس علي، في حديثه لـ «أتَـر»، أنّ قضية الدفعات المؤجّلة أو العالقة هي قضية كبيرة تمر بها الجامعات السودانية منذ سنوات عديدة، وأنها خلقت أزمة حقيقية، وأدخلت الإدارات في تحدٍّ جادّ مع الزمن لإزالة تراكم الدفعات التي كان من الطبيعي أن تُتوَّج مسيرتها الدراسية بالتخرّج قبل سنوات كي يتسنى لهم المضيّ قدماً في مسيرتهم المهنية، ويتسنى للجامعات أن تستقبل دفعات جديدة في أماكنهم.
يقول د. أنس: «خلال السنوات السابقة، كانت الجامعة تستقبل دفعات جديدة، لكن لم يتيسّر لها أن تخرِّج أي دفعة، وبدلاً من خمس دفعات أصبحت لدينا ثماني دفعات، أي ما يقارب الضعف، ما جعلنا غير قادرين على تلبية حاجة جميع الدفعات في آن واحد، لأنّ القاعات وعدد الأساتذة أقلّ من حجم الحاجة التي تقتضي وجود كادرٍ بشريّ وموارد مضاعفة».
ويُسلّط د. أنس الضوء على مشكلة متصلة أدّت إلى التراكم وتخصّ إسكان الطلاب غير المقيمين في الولاية، نظراً إلى أنّ جامعة كسلا تستوعب طلاباً من ولايات أخرى، لكن الداخليات المتاحة لا تكفي لاستيعابهم، لأنّ وجود النازحين بالمدارس والدور الداخلية إبان فترة النزوح جعل الأمر أكثر صعوبة أمام إدارة الجامعة لاتخاذ قرارات بشأن مواصلة الدراسة وإقحام الطلاب في مشكلات قد تواجههم بسبب محاولاتهم العثور على سكن.
لمعالجة هذا التراكم، يقول د. أنس إن الإدارات لجأت إلى عدة حلول: «على الرغم من محدودية الإمكانات، عمدنا إلى جدولة لخمس دفعات تدرس فصلاً دراسياً كاملاً، ثم نمنحهم إجازة لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر، ما يتيح المجال خلال هذه الأشهر لتحلّ محلّها الدفعات التي كانت متوقفة وهكذا. شرعنا في هذه الاستراتيجية منذ أن كان تراكم الطلاب على مستوى الدفعات في السنة الأولى وحتى الخامسة. حالياً لا يوجد تراكم إلا في السنة الخامسة، وبتخرّجها يكون قد انتهى تراكم الدفعات. وفي كلية الحاسوب ليست هناك دفعة مؤجّلة، لدينا ستّ دفعات جميعها تعمل في الوقت ذاته على عكس ما كان يحدث سابقاً».
وإشارةً إلى تعقيدات السنوات الماضية منذ عام 2018، يقول د. أنس: «حالياً، قد يقضي الطالب ثماني سنوات دون يتخرّج، لكن في الأوضاع الطبيعية كان من الممكن أن يتخرّج حسب الخطة ويجد لنفسه فرصة عمل، أما الآن فهذه أقدار مسطرة، والبلد متجه إلى حالة من التعافي مما يتيح للطلاب والطالبات فرصاً أفضل».
ويُطمْئن د. أنس الطلاب والأسر على استمرار الجامعة وإدارتها في حلّ جميع المشكلات التي تعيق العملية التعليمية.
الطالب ومجتمَعُه
عندما ينقطع الطالب عن دراسته ويجد أمامه مغريات المال السريع من خلال العمل اليومي البسيط أو العمل في بمناطق التعدين، فإنه يقع تحت تأثير هذا العائد المالي السريع وغير المنتظم، وهو ما قد يكون سبباً رئيساً في عزوفه عن معاودة الدراسة.
بدأت الباحثة الاجتماعية بوزارة التنمية الاجتماعية بولاية كسلا، سحر حسن، حديثها لـ «أتَـر» برصد الفوارق الشاسعة بين مرحلتَيْ ما قبل الحرب ومرحلة الحرب، مشيرةً إلى أنّ ما شهدته البلاد من تغيّرات اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة كان لها تأثير بالغ على مسار التعليم في مراحله كلّها، وكانت موجات النزوح القسري لملايين المواطنين، وإغلاق الجامعات في الولايات التي طالتها الحرب، عوامل مباشرة في تشتيت الطلاب وانقطاعهم عن مقاعد الدراسة.
وتمضي سحر قائلةً: «لقد فقدت معظم الأسر مصادر دخلها المستقرّة، لذلك اضطرّ الطلاب إلى البحث عن أي عمل متاح ليعولوا أنفسهم وأسرهم. وعلى الرغم من أن بعض الجامعات فتحت مراكز أو فروعاً بديلة لها في المدن الآمنة، إلا أن كثيراً من الطلاب لم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم بسبب العوائق الاقتصادية الصعبة، ما خلّف تأثيرات نفسية قاسية عليهم وعلى ذويهم، ودفع ببعضهم إلى خوض تجربة العمل والدراسة في آن واحد لتغطية التكاليف».
وتسلّط سحر الضوء على الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية وموجات التضخم المتلاحقة، مشيرة إلى أنّ رسوم الجامعات وتكاليف المراجع والمواصلات قد أصبحت عبئاً ثقيلاً على الأسر النازحة والمقيمة على حدّ سواء.
وحول الحلول البديلة التي طرحتها بعض الجامعات باستئناف الدراسة عبر الإنترنت، تقول سحر إنّ هذه الخطوة اصطدمت بالواقع الاقتصادي المرير؛ إذ إنّ كثيراً من العائلات عجزت عن توفير الأجهزة الإلكترونية أو تحمل التكاليف الباهظة لخدمات الإنترنت لتأمين حضور المحاضرات.
في ما يتعلّق بانعكاسات تأخّر التخرج أو الانقطاع المؤقت عن الدراسة، ترى سحر أن هذه الأزمة تمتد لتؤثر سلباً على اندماج الشباب في سوق العمل، وتعيد تشكيل أدوارهم الاجتماعية على نحو مشوّه: «من الناحية الاقتصادية والمهنية، فإنّ الشاب الذي يتأخّر في تخرّجه، يدخل سوق العمل في سنّ متأخرة، وتكون وظيفته ومكانته المهنية أقل بكثير من زملائه الذين تخرّجوا قبله أو الذين لم يواجهوا ظروف الانقطاع. ولا يقتصر هذا الفارق على الجانب المادي في تفاوت الرواتب فحسب، بل يمتد ليكون له أثر نفسي واجتماعي عميق؛ فالطالب عندما ينقطع عن دراسته ويجد أمامه مغريات المال السريع من خلال العمل اليومي البسيط أو العمل في بمناطق التعدين، فإنه يقع تحت تأثير هذا العائد المالي السريع وغير المنتظم، وهو ما قد يكون سبباً رئيساً في عزوفه عن معاودة الدراسة. وعلى صعيد الأدوار الاجتماعية، فإن هذا التأخّر قد يغير من النظرة النمطية للشاب داخل أسرته ومجتمعه؛ وبدلاً من أن يكون سنداً ومساعداً لأهله أو عائلاً لهم فإنّه يصبح معتمداً عليهم مادياً، ويفقد القدرة على أن يكون ركيزة لأسرته، ما يولد لديه ضغوطاً نفسية واجتماعية هائلة. أما للفتيات، فإن الانقطاع الدراسي يجعلهن الفئة الأكثر عرضة من غيرهن لمخاطر الزواج المبكر، بينما يواجه الشباب الذكور أزمة تأخّر الزواج نظراً لدخولهم المتأخّر إلى سوق العمل وافتقارهم إلى الخبرة الكافية والدخل المستقر».
وأكّدت الباحثة الاجتماعية سحر حسن أنّ الأنشطة المجتمعية والتطوّعية ساهمت مساهمة فعّالة وحقيقية في مساعدة الطلاب على مواجهة التحديات والأزمات، فمن خلال العمل التطوعي، في مبادرات الإيواء وتقديم المساعدات والتدريس في مراكز إيواء النازحين، وجدوا مكانة اجتماعية بديلة، واستعادوا توازنهم النفسي، وتمكنوا من تكوين علاقات اجتماعية جديدة ممتدة من مختلف الجامعات والتخصّصات.
لنُعِد تعريف «النجاح»
تُفصح قصص الطلاب والطالبات عن كثير مما يحدث على الجبهة النفسية؛ وفي هذا الشأن تقول الاختصاصية النفسية بإدارة الصحة النفسية والإدمان في وزارة الصحة بكسلا، د. عائدة هاشم، في حديثها لـ «أتَـر»، إنّ تأخُّر الطالب أو الطالبة عن التخرّج، يُحدِث مجموعة من الآثار النفسية، لكنها متفاوتة الدرجات وتعتمد على شخصية الطالب والظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئة التي نشأ فيها. من ضمن تلك الآثار شعور الطالب بالإحباط وخيبة الأمل، لأنه لم يحقّق هدفه في الوقت الذي توقعه (التخرّج)، لذلك قد ينخفض تقديره لذاته وثقته بنفسه، وهذا ما اعتبرته د. عايدة «أصعب شيء»، على حدّ تعبيرها، لأنه يدفع الطالب إلى عقد المقارنات بينه وزملائه الذين وُفّقوا في التخرّج قبله، ما يجعله يعتقد أنه أقلّ كفاءة وقدرة من الآخرين، لأنّ القلق بشأن المستقبل هو الهاجس الأكبر، فتترامى أمامه أعداد هائلة من الأسئلة حول التخرج، والدخول إلى سوق العمل، والزواج وغيرها من الخطوات المصيرية.
تضيف د. عائدة: «كذلك يكون هؤلاء الطلاب عرضةً للقلق بشأن الوضع المالي ونظرة المجتمع إليهم، لأن المجتمع قد ينظر إلى الطالب السوداني العالق بين سنوات الدراسة وكأن له يد في عدم تخرّجه. وهم عرضة أيضاً للاكتئاب، وقد تظهر عليهم بعض الأعراض مثل الحزن المستمر وفقدان الحافز والطاقة، فضلاً عن اليأس وفقدان المتعة في الأنشطة مع الآخرين، ويصاحب تلك الأعراض ضغط نفسي مزمن بسبب تراكم المواد الدراسية ومسابقة الزمن. وقد تظهر اضطرابات جسدية مثل الصداع وعدم النوم وظواهر أخرى، مثل تجنب المناسبات الاجتماعية أو أصدقائه الذين سبقوه بالتخرج، لأنّ الطالب قد يتخوّف من توجيه أسئلة بشأن تخرّجه أو دراسته بعامة. ويكون الطالب عرضة للشعور بالخجل أو الوصمة المجتمعية، خاصة في البيئات التي تربط الإنجازات بالتحصيل الأكاديمي السريع؛ لأنه يشعر بأنه موضع نقد أو حكم من قِبل الآخرين».
وعما يُحْدثه هذا التأخُّر القسري في الأداء الأكاديمي، تنبّه د. عائدة إلى أنّ عدداً كبيراً من الطلاب يفقدون الإحساس بالمسؤولية بسبب تمدّد السنوات الدراسية دون تخرّج، فيهملون المذاكرة ولا يحرصون على الحضور أو يماطلون في تسليم الواجبات، وقد يُصابون بـ «الاحتراق الأكاديمي»، الذي تعرّفه د. عائدة بأنه حالة من الإرهاق النفسي والعاطفي الناتج عن الضغوط النفسية المستمرة.
تشير د. عائدة إلى أنّ جميع هذه الأعراض تنشأ في خطّ واحد من الشعور باللامبالاة وانخفاض الأداء، وتستدرك قائلة: «لكن ليس بالضرورة أن تظهر جميعها في الأشخاص الذين تأخّروا بالجامعة، فربما يظهر بعضها وربما تظهر جميعها لكن في فترات متباعدة، وبعض الطلاب تكون لديهم قدرة على التأقلم والتكيف مع البيئات الجديدة وقدرة على مواجهة الضغوط والتخلّص من آثارها».
وتحصي د. عائدة عدة مؤشّرات إذا ظهرت على الطالب فإنها تستدعي طلب مساعدة متخصّصة: «وتشتمل على مؤشرات انفعالية ونفسية، مثل الشعور بالحزن لفترة طويلة، والقلق المفرط والتوتر الدائم حتى عند المواقف الطبيعية، وسرعة الانفعال أو العصبية المفرطة، إضافة إلى الشعور باليأس وفقدان الأمل بالمستقبل، وهناك مؤشرات أكاديمية تتمثّل في فقدان التركيز أثناء المحاضرات، وما يصاحبه من ضعف الذاكرة أو النسيان المتكرّر أو صعوبة الحفظ، وتراجع الأداء الأكاديمي على نحو ملحوظ، وعدم القدرة على اتخاذ القرارات أو حلّ المشكلات البسيطة، وفقدان الحافز أو الرغبة في مواصلة الدراسة. هذا فضلاً عن بعض المؤشرات السلوكية التي تتمثل في محاولة إيجاد أعذار للتّغيّب عن حضور المحاضرات وأداء الاختبارات، والتسويف المزمن، والإفراط في تناول المنبّهات كالشاي والقهوة والتدخين، أو اللجوء إلى تعاطي المخدرات للهروب من الواقع».
وتنصح د. عائدة بطلب المساعدة المتخصّصة إذا استمرت المؤشرات لعدة أسابيع دون تحسّن. وأكّدت على أنّ القلق والتوتر خلال الامتحانات طبيعيّان، شرط ألا يستمر الوضع لفترات طويلة أو يتسبّب في عجز عن مباشرة الامتحان أو صعوبة في ممارسة الحياة الطبيعية.
وتختم د. عائدة قائلة: «هناك طرق واستراتيجيات متعدّدة للتعامل مع فترة التعليق الدراسي، منها إعادة تعريف مفهوم النجاح، وأنّ التخرُّج ليس المعيار الوحيد للنجاح. إذ إنّ ظروف الطلاب والجامعات تختلف من ولاية إلى أخرى، ومن جامعة إلى أخرى؛ لذلك تكون المقارنات غير عادلة، والأهمّ هو الوصول إلى الهدف النهائي، مهما تباينت سنوات التخرّج».



