تحت ظلال حربٍ مُدمِّرة تعصف بالسودان، وتحت دويّ المدافع التي التهمت الأخضر واليابس، تدور معارك صامتة بعيداً عن الأنظار لإنقاذ ما تبقى من مستقبل البلاد الزراعي. في فبراير الماضي، بعد رحلة محفوفة بالمخاطر، وصلت أكثر من 2000 عينة جينية سودانية لتُدفن في جليد قبو «سفالبارد» النرويجي، خوفاً من دمارها في مشهد الحرب السودانية. لكنْ في الوقت ذاته، انقسم المشهد العلمي والزراعي السوداني إزاء الخطوة، وبرزت قضية نقل آلاف الأصول الجينية للبذور السودانية إلى القبو العالمي في النرويج، لتكون إحدى أعقد القضايا التي أفرزها صراع الخامس عشر من أبريل. وبينما تعتبر الجهات الرسمية الخطوة إنجازاً بطولياً للحفاظ على موارد البلاد الوراثية بضمانات قانونية صارمة، يتساءل خبراء آخرون: هل تُنقِذ هذه الخطوة بذورَنا أم تُحوّلها إلى «متاحف جينية»، لا يملك المُزارع السوداني حقَّ الوصول إليها حين تضع الحرب أوزارها؟ وهل تمثّل هذه الخطوة طوقَ نجاةٍ اضطرارياً لحماية إرث زراعي مُهدَّد بالضياع، أم أنها بمثابة تنازل ناعم عن «السيادة الغذائية» وثروات البلاد الجينية لهيمنة المؤسسات الدولية؟
رحلة البذور
مع سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، حيث مقر بنك الجينات، لمدة قاربَت ثلاثة عشر شهراً، كان البنك التابع لهيئة البحوث الزراعية، أحد المنشآت التي تعرضت للنهب والتخريب. ومع ازدياد المخاوف من أن يلحق الفرع الأهم في الأبيض بشمال كردفان، بأخيه الأكبر في مدني، جرى إبداع نسخة من البذور السودانية للحفاظ عليها على المدى الطويل، بتمويل من منظمات دولية وبمساعدةِ منظمة «NordGen». وقد وَصَف قبو سفالبارد، العملية بأنها نتيجة «نجاح موظفي بنك الجينات المخلصين في السودان في بذل جهود استثنائية لإنقاذ بذور بالغة الأهمية للبشرية».
وقال القبو العالمي، الذي أُسِّس في 2008، إنّ موظّفي بنك الجينات في السودان اتخذوا قراراً سريعاً وحاسماً لحماية البذور من مزيد من الأضرار، وأنهم عملوا بلا كلل في ظلّ ظروف صعبة، ونسّقوا لإرسال أكثر من 2000 عينة بذور لـ 19 محصولاً مختلفاً من مدينة الأبيض، حيث تعمل وحدة فرعية لبنك البذور تابعة للمركز. وأشار البنك العالمي إلى أنه، وعلى الرغم من العقبات الكبيرة عند إعداد قائمة الجرد، وضمان حيوية البذور، وتجاوُز العقبات القانونية واللوجستية، فقد عُبئت البذور بنجاح ثمّ أُرسلت في رحلتها نحو سفالبارد، عبر المقر الرئيس لمنظمة «نورد جين» في السويد.
وقال يوهان أكسلسون، المسؤول عن مختبر البذور في «نورد جين»: «عندما وصلت البذور إلى هنا، منحَنا بنك الجينات السوداني الإذن بفحص بعض البذور وإعادة تعبئة جزء منها لضمان تجهيزها على نحوٍ جيدٍ للتخزين في سفالبارد خلال السنوات القادمة. لقد استغرق الأمر بضعة أيام من العمل من قِبل فنيِّي البذور لدينا، لكنه استثمار يستحقُّ قيمته تماماً بالنظر إلى أهمية هذه البذور لمستقبل القطاع الزراعي في السودان».
وفي 7 مايو الماضي، أعلن مدير مركز الجينات، علي زكريا، إيداع نُسخ جديدة بالقبو العالمي، بلغ عددُها 900 مدخل جيني، أُرسلت في أبريل الماضي إلى النرويج، من البنك الإقليمي في الأبيض بولاية شمال كردفان، ليرتفع عدد النسخ المُودَعة في البنك إلى 8800 مدخل، بما يُعادل 49% من جملة 18000 مدخل هي التي يتوافر عليها البنك، جزء منها تعرض للتدمير إثرَ الحرب.
![]()
نُحِتَ قبو سفالبارد العالمي للبذور في صخور جبل مُتجمّد بأرخبيل سفالبارد، حيث تضمن التربة الصقيعية درجة حرارة ثابتة تتراوح بين 3 و4 درجات مئوية تحت الصفر، مع نظام تبريد إضافي يخفِّضها إلى 18 درجة مئوية تحت الصفر لضمان سلامة البذور. يعتمد القبو في إمدادات الطاقة على محطة توليد الكهرباء في «لونغييربين» مدعومة بمولدات احتياطية، ويتألف من ثلاث قاعات تبلغ مساحة كل منها 9.5 × 27 متراً، بسعة إجمالية تصل إلى 4.5 مليون عينة، وتضمّ القاعة الأولى حالياً أكثر من 1,200,000 عينة مبرَّدة ومصفوفة على الأرفف، على أن تُجهَّز القاعة الثانية فورَ امتلاءِ الأولى.
تعود جذور الفكرة إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أنشَأ بنك الجينات النوردي عام 1984 مركزاً احتياطياً في منجم فحم مهجور، إلا أن دراسة جدوى أُجريت عام 2004 قد أظهرت أن التربة الصقيعية وحدها لا تكفي، وأن مناجم الفحم غير آمنة بسبب الغازات، ما أدى إلى اقتراح بناء جديد داخل صخور بِكر مع تعزيزه بأنظمة تبريد إضافية. وفي أعقاب المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة (2001–2004)، التي وفرت الإطار القانوني لضمان بقاء العينات ملكاً لمُوْدِعيها على أن تُتاح لأغراض البحث والتعليم؛ التزمت الحكومة النرويجية عام 2004 تمويلَ المشروع.
كُلّفت شركة «ستاتسبيغ» بالتخطيط، بينما تولى المهندس الفنلندي «بيتر سودرمان» تصميم القبو الذي حظي بدعم قوي من دول الشمال، وأُعلن عنه رسمياً عام 2006. افتُتح القبو في 26 فبراير 2008، وأُودعت فيه أكثر من 320 ألف عينة دفعةً أولى. وتتولى وزارة الزراعة والأغذية النرويجية مسؤولية إدارة القبو بالتعاون مع وزارات أخرى، وقد حظيت المبادرة بترحيب بنوك الجينات الدولية التي باشرت عمليات إكثار البذور وشحنها، ليغدو القبو اليوم رمزاً عالمياً لحماية الموارد الجينية النباتية واستدامتها.
إيداع بضمانات
في مقابلة مع «أتَـر»، قال مدير بنك الموارد الوراثية النباتية علي زكريا، إنّ إيداع مدخلات جينية في هذا القبو، سلوك قديم درَج عليه المركز حتى قبل نشوب حرب 15 أبريل، ضمن اتفاقية إيداع، يقول زكريا إنها «معروفة لدى الدول المُوْدِعة»، وإن 130 دولة تودِع مواردها في هذا الكهف الجليدي العالمي.
ويمضي زكريا مهدئاً قلقَ مَن يخشون على مصير هذه البذور، بأنها تُوْدَع في ما يُسمّى «الصندوق الأسود» وهو نظام يتعامل به بنك سفالبارد النرويجي، بما يمنع حتى على البنك الجليدي أن يتصرَّف في هذه الموارد، إلا بعد إذن مسبق من الدولة المُودِعة.
ويُشدِّد زكريا على أن موارد السودان الوراثية في الحفظ والصون، ويُدلِّل على ذلك بأنهم يملكون كامل الحقِّ في التصرُّف فيها، وأنهم سيلجأون في «الأيام القليلة القادمة» لأخذ عينات منها لاستكمال ما فُقِدَ منها إبان سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، في ديسمبر 2023، وهي التي أفقدت البنك 50% من البذور المحفوظة سلفاً، وفقاً لمدير المركز.
ويمضي مدير المركز الذي يبدو واثقاً من خطوة إيداع البذور في القبو العالمي قائلاً: «حتى مسألة التجديد هم غير مسؤولين عنها، فالمسؤول عنها هي الدول المُوْدِعة، وسوف تُعاد إليهم لزراعتها وتجديدها، لأنّ البذور كائنات حية، ومهما وُفِّر لها من بيئة مناسبة للحفظ فإنّ مصيرها الموت، إن لم تُجدَّد».
ويخبر علي زكريا، عما سمّاه «عملية انتحارية» بالنظر إلى عظم المخاطر التي كانت تكتنف العملية، ويقول إنّ وصول أول شحنة بذور من بنك الجينات في الأبيض، كان «أعجوبة»، خاصة أنّ الرحلة استغرقت عشرة أيام، يقول عنها زكريا إنها كانت «سلاحاً ذا حدين»، فإما أن تصل إلى مقصدها أو تقع في أيدي قوات الدعم السريع، وحينها لا يمكن التنبؤ بما سيصير إليه الحال. ويوضح زكريا أن أي نسخة بذور موجودة في الأبيّض توجد منها أخرى في مدني، لكن النسخ التي في ود مدني ليست جميعها بالأبيّض.
وكشف مدير المركز عن الفراغ من رصد المَداخل الجينية الموجودة في ود مدني، وتُسمَّى المجموعة الأساسية، وجرى حفظها وتوثيقها، وقال إنهم يعكفون الآن على اختبار حيويتها، ويُرجِّح أن تكون قد فَقدت حيويتها بسبب التعرُّض لظروف غير مواتية، ويقول: «تجري حالياً عمليات الفرز والحصر والرصد بالنسبة للمجموعة النشطة active collection ثم عملية اختبار الحيوية أيضاً».
في الاتجاه الصحيح
في مقابلة أخرى مع «أتَـر» قال المدير العام السابق للمركز، الطاهر إبراهيم، إنّ إرسال عينات بذور من 900 مدخل من الموارد الوراثية السودانية لمحاصيل مختلفة، من قِبل مركز صيانة وبحوث الموارد الوراثية النباتية الزراعية، لإيداعها لتكون نسخاً تأمينية في القبو العالمي للبذور في سفالبارد بالنرويج، يُعدّ خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
وقال الطاهر إنّ الغرض هو تأمين المتبقي من مداخل الموارد الوراثية النباتية الزراعية بعد ما حدث لبنك الجينات في ود مدني نتيجة لاجتياح الحرب للمدينة في أواخر العام 2023، واستمرار احتلالها لأكثر من سنة. وبالنسبة للطاهر إبراهيم، فإنّ «إحدى أكبر أضرار الحرب، هو ما أصاب هذا البنك المهم».
ويمضي المدير السابق قائلاً إنّ التحدي الكبير يتمثل في ضرورة الإسراع بنَسْخ ما تبقى من مداخل لم تُؤمَّن بعد، فالخطر لا يزال قائماً، ويدعو إلى نَسْخ ما هو موجود في الوحدة الفرعية بالأبيض وما تبقى وجرى حصره ويجري الاطمئنان إليه في بنك الجينات الرئيس بود مدني، حتى تكتمل عملية النسخ الآمن بالقبو العالمي للبذور بما يغطي جميع المداخل التي كانت تبلغ قبل الحرب أكثر من 15000 مدخل.
يبدو الطاهر إبراهيم متفائلاً هذه المرة، وفي تعليقه على ما صرّح به مدير المركز الحالي، د. علي زكريا، حول إتمام حصر 8800 مدخل مما عُثر عليه في بنك الجينات بعد العودة إلى مدينة ود مدني، يقول إن ذلك يعني أن مسيرة تعافي بنك الجينات قد بدأت فعلياً، وإن النهوض من ركام ما خلَّفته الحرب قد بدأ. وهو مبعث سرور لدى الطاهر، وما يدعوه للتفاؤل أيضاً هو الاحتمال الكبير في العثور على مزيد من المداخل الجينية المفقودة خلال عمليات الحصر التي تجري حالياً بالمركز الرئيس بمدينة ود مدني، ضمن ما يُعرف بالحزمة الفعّالة من العينات.
ويضيف أنّ العينات التي فُرِزت حتى الآن تَلقى العناية بعد حصرها، وذلك من حيث التعبئة السليمة وتغليفها داخل مظاريف الألومنيوم، ومن ثم وضعها داخل صناديق خاصة ثم إيداعها في مبرّدات خاصة في درجات حرارة تبلغ حوالي 18 درجة مئوية تحت الصفر، موضوعة داخل بعض غرف بنك الجينات. ويشير إلى أنّ هذه المبرّدات جرى الحصول عليها قبل شهور قليلة بالشراء من السوق المحلي بتمويل من حكومة السودان.
ويقول إنّ هذا مشوار طويل بدأت خطواته الأولى، وهو عمل كبير يتطلب بذل مزيدٍ من الجهود، وتوفير كثير من الدعم المالي والمادي؛ إذ لا تزال هناك حاجة قائمة إلى كثير من المعدات والأجهزة، ولدعم وتوفير مزيد من الكوادر الفنية العاملةِ التي تتصدى لهذا العمل بكل حماس على الرغم من الظروف المحيطة.
ودعا الطاهر المنظمات الدولية والإقليمية والسلطات المحلية إلى التصدّي وبسرعة لمسؤولياتها في دعم وإسناد وإكمال تنفيذ خطة تعافي بنك الجينات النباتي السوداني، حتى لا تُفقد موارد وراثية عزيزة، من تلك التي عُثر عليها بعد الحرب، نتيجة لعدم توفر الموارد اللازمة لإكمال عمليات الفرز والحصر والتوثيق والتخزين، ولإجراء اختبارات الحيوية اللازمة، والنسْخ الآمن، وإدارة المعلومات، وغير ذلك من أنشطة لاحقة للإكثار والتجديد وإعادة الجمع.
مخاوف من الهيمنة
وفي منحىً آخر يذهب الخبير في مجال البذور محمد إسماعيل عريق، في حديثه لـ «أتَـر» قائلاً إنّ ثمة مخاوف تعتري المهتمّين بهذا المجال الحيوي، خاصة في ما يلي قضايا السيادة الزراعية التي تؤدي البذورُ فيها دَوراً محورياً. ولا يُخفي عريق مخاوفه الشخصية من خطوة إيداع نُسَخٍ من بذور هي من صميم الحقّ الأساسي للسودانيين، الذين رعوها على مرّ التاريخ، كما يقول.
عريق الذي يقيم في العاصمة البريطانية «لندن» يقول إنه يعيش في بلدٍ يعرف الناس جميعاً فيه لماذا يفعلون ذلك، ويضيف: «لا يفعلون ما لا يدركون فائدته لهم». ويقول إن البذور التي خرجت من السودان لم تعد ملكاً للمجتمعات التي زرعتها وحافظت عليها لأجيال، بل أُودعت في منظومة دولية تتحكَّم فيها مؤسسات وممولون أجانب. وقال: «ما يبدو محايداً وإنسانياً قد يُخفي حقيقة أعمق، وهي أنّ مصير هذه الموارد لم يعد بيد أصحابها الأصليين». ويتخوّف من أن يتحول «الإنقاذ» إلى شكل آخر من أشكال التجريد من السيادة، حتى لو كان بدافع حسن النية.
يقول عريق إن «القرارات المتعلقة بالبذور مرتبطة بمصالح اقتصادية كبرى: شركات، حكومات، اتفاقيات دولية،
لأن المؤسسات التي تدير هذه البنوك لا تخضع لمزارعي الجنوب، إنما لشبكات تمويل من الشمال. ولأن التاريخ نفسه يخبرنا بأنه في كلّ مرة نُقلت فيها موارد الجنوب إلى الشمال باسم «العِلْم» أو «الإنسانية«، انتهى الأمر بفقدان الجنوب سلطته عليها».
ويشير عريق إلى أن البذور ليست محض مادة وراثية، وإنما هي أساس الأمن الغذائي وعمود الحياة الاقتصادية للمزارعين. ويقول: «السيطرة عليها تعني السيطرة على الغذاء، والسيطرة على الغذاء تعني السيطرة على الشعوب. من يملك البذور يملك القرار السياسي في النهاية». ويضيف: «قبو سفالبارد ليس مشروعاً منفصلاً، بل هو جزء من منظومة أوسع: براءات اختراع تُقيّد الفلاحين، وبذور معدّلة تُرغمهم على الشراء من الشركات، واتفاقيات تجارية تفتح أسواقهم، وبنوك جينية تُسحب إليها مواردهم الوراثية. وجميعها حلقات في سلسلة واحدة: سلسلة السيطرة على الحياة نفسها».
مركزية السيطرة، هل تطال البذور؟
موظف سوداني بإحدى شركات البذور العالمية، تحدّث في مقابلة مع «أتَـر» طالباً إخفاء اسمه، قائلاً إن خطوة إيداع البنوك الجينية لجزء من مخزونها الوراثي في قبو سفالبارد العالمي في النرويج هي «مسألة ذات حدّين»، وأشار إلى أنها تثير نقاشاً عميقاً يتجاوز الحفاظ العلمي البحت إلى أروقة الاقتصاد السياسي، والسيادة على الغذاء، والعلاقة بين الشمال والجنوب العالميين.
وقال الموظف السوداني إن خطوة كهذه، من الناحية التقنية، تُعدّ إجراءً وقائياً استراتيجياً لحماية التنوع البيولوجي للبشرية، كما أن القبو بمثابة «نسخة احتياطية» مُتاحة في حال تعرّضت بنوك الجينات الوطنية للتدمير بسبب الحروب، والنزاعات المسلحة، والكوارث الطبيعية، أو حتى الأزمات الاقتصادية التي قد تؤدي إلى انقطاع الكهرباء وتلف العينات المُبرَّدة، مشيراً إلى أن ما يُطَمْئن هو العمل بنظام «الصندوق الأسود»، فوفقاً للاتفاقيات، يُودَع المخزون الوراثي تحت إدارة الدولة المُودِعة فقط، ولا يحقّ للنرويج أو لأي منظمة دولية فتح الصناديق أو استخدام البذور، وتظل الملكية القانونية كاملة لبلد المنشأ، ما يمنح – قانونيّاً – صمام أمان. لكنه يقول إنه لا يجب أن يسقط عن الاعتبار حقيقة أنّ العملية لا تحدث في فراغ علمي، إنما في سياق عولميّ تحكمه موازين قوى اقتصادية وسياسية معينة.
وحذَّر الموظف من أنّ نقل الأصول الوراثية من الحقول المحلية والمؤسسات الوطنية في الجنوب العالمي، «وهو المستودع الأكبر للتنوع الحيوي» – وفقاً لما قال – إلى نقطة جغرافية واحدة في أقصى الشمال، يُثير تساؤلات حول «مركزية السيطرة». ويمضي قائلاً: «حتى مع وجود ضمانات قانونية، فإن الاعتماد على بنية تحتية تقع في دولة غربية وفي إطار منظومة دولية معينة، يربط الأمن الغذائي القومي بالمتغيرات الجيوسياسية العالمية».
نظام بذور هشّ بسبب الحروب
وبالنسبة إلى عريق، فإنّ المطلوب ليس «حماية البذور» بمعناها التقني فقط، بل حماية السيادة الغذائية للشعوب. أي أن تبقى البذور في يد من يزرعها ويأكلها ويورّثها، لا في يد شركات أو مؤسسات غربية. ويقول: «في السودان، أحدِ أكبر بلدان إفريقيا زراعيَّاً، ظل نظام البذور هشاً ومُتقلِّباً بسبب الحروب والإهمال الحكومي. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، كان هناك دفع دولي لإدخال البذور المُهجَّنة والاعتماد على شركات خاصة أجنبية».
ويلفت عريق النظر في مقال له منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أنّ «المزارعين في دارفور والنيل الأزرق وكردفان غالباً ما يُجبرون على شراء بذور تجارية، بينما تفقد الأنواع المحلية قدرتها على الصمود بسبب عدم الاعتراف بها رسمياً. وقد فشلت البرامج الحكومية والدولية في دعم نظام بذور قائم على المجتمعات، بل دعمت الخصخصة ومنعت تداول البذور غير «المعتمدة» وهي غالباً غير مُتاحة في الأصل في المناطق المتأثرة بالنزاع».
ويلفت الموظف في إحدى الشركات العالمية المختصة بالبذور، النظر إلى قضية يقول إنها مهمة، وتتعلق بتحويل البذور إلى «متاحف جينية» مجمّدة، ويقول إن ذلك من شأنه أن يخدم مراكز الأبحاث الكبرى والشركات العابرة للقارات التي تمتلك التكنولوجيا المتقدمة لتفكيك هذه الشفرات الوراثية والاستفادة منها في الهندسة الوراثية وتسجيل براءات الاختراع، بينما يُحرَم منها المزارع التقليدي الذي أنتجها أصلاً.
وقال إن بعض الشركات الزراعية الكبرى التي تحتكر سوق البذور العالمية تسعى دائماً إلى دمج الصفات الوراثية المقاوِمة للجفاف أو الأمراض – وهي صفات يقول إنها موجودة في بذور الجنوب العالمي – في منتجاتها التجارية المعدلة وراثياً، لإعادة بيعها للمزارعين بأسعار مرتفعة واحتكار السوق.
ونبّه إلى خطورةٍ تكمن في أن يتحوَّل هذا الإجراء إلى بديل من بناء بنوك جينات وطنية قوية ومستقلة، أو أن يكون غطاءً لتخلي الدول عن دعم مزارعيها المحليين الذين يشكلون درع الصد الأول والأهم للحفاظ على السلالات الحرة والسيادة الحقيقية على الغذاء.



