استوقفَتني عبارة صلبة كالصخر في (الكتاب الأخضر) الذي يَعرض فيه الرئيس الليبي السابق معمر القذافي أفكاره حول الحكم، والاقتصاد، والمجتمع. وحفرت تلك العبارة مجراها في وعيي الباكر: «الرياضة نشاط عام يجب أن يُمارَس، لا أن يُتفرَّج عليه». منذ ذلك الأوان، كفَفتُ عن اتخاذ مقعد المُتفرِّج الخامل؛ وأدركتُ أن الرياضة في عمقها فاعلية وحركة، لا مجرد شاشات تستهلك الوقت والأبصار وتستنزف الروح في المشاهدة، وتُغذِّي التعصّب. إنها إنتاج لذوات حركية تأبى السكون والتبعية لمجتمع الاستعراض والاستهلاك الرأسمالي الذي يُحوِّل الإنسان إلى مستهلِك معزول ومنفيّ وتابع.
لكنّ انتمائي الأفريقي، واهتمامي وشغفي بنهضة هذه القارة التي نتقاسم سمرتها وعرقها ونضالها، جعلني أرى في الملعب مساحات أخرى للمقاومة وإعادة إنتاج الذات الجمعية. فالملعب في عالمنا المعاصر ليس محض مستطيل عشبي هندسي مغلق تحكمه قوانين اللعبة، إنما هو ساحة صراع ومجال حيوي تُصارع فيه الحشودُ الأفريقية رأسَ المال الاحتكاري العابر للقارات، الذي يسعى بلا هوادة إلى تحويل الأداء الإنساني الخلاق إلى سلعة تُقاس بقيمتها التبادلية في بورصات الأندية العالمية. من هنا، يمتد تشجيعي لكرة القدم وينبت كالجذور المُمتدَّة في كل أرض تُقاوم التنميط؛ فلا ينحاز إلى الجغرافيا الضيقة أو الحدود السيادية التي خلَّفها الاستعمار، إنما ينحاز للإنسان وتدفقاته الحرة في السنغال، والكونغو، والمغرب، ومصر. إنه انحياز صريح للذات الأفريقية وهي تصنع تميزها الخاص خارج شروط التبعية ومنطق الإمبراطورية المعولمة.
هذا الوعي النقدي يضعنا اليوم أمام مرآة الراهن بمرارة؛ فمن المؤسف والمحزن أن نرى من يخلط بين صخب المدرجات والأندية الرياضية بوصفه تدفقاً إنسانياً وعاطفياً مشروعاً، وبين الخلافات العابرة والأزمات الدبلوماسية بين البلدان. أشير هنا إلى ما حدث بعد مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم الجاري بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، في 7 يوليو، من تشاحن محمول على التراشق في وسائط التواصل الاجتماعي بين مصريين وسودانيين.
إن تحويل التشجيع الرياضي إلى أداة للشحن الشوفيني وإنبات الكراهية، لهو قطعٌ مُتعمَّد للخطوط والأواصر الإنسانية الأفقية التي تربط الشعوب. إنه فخّ استعماري متجدّد يسقط فيه بكل سهولة من يجهل عمق التاريخ المشترك الممتد بين الشعوب. إن المنافسة الرياضية في جوهرها شغفٌ مشروع يُعبِّر عن ندّية ممتعة تنتجها الحشود الضخمة في لحظة تفاعل حر؛ أما العداء والتعصب فهو استنزاف مجاني لطاقاتنا وهدم واعٍ لأسس المشترك الحيوي الذي يبني وجداننا الإقليمي.
إنّ الأنظمة والسياسات الفوقية بطبيعتها تتبدّل وتزول، والهياكل السلطوية تتغيّر بتغيّر موازين القوى، أما النيل وغيره من الروابط فمسارات ممتدة لا تنقطع جذورها، وتتدفق بانتظام ولا تعترف بالحدود الإدارية المصطنعة أو غيرها. فالعيش المشترك الحقيقي يتجلَّى في تفاصيل الحياة اليومية والالتصاق الممكن بين الفقراء من السودانيين والمصريين في أماكن العمل والسكن وبين طلاب العلم، وفي حكايات الاغتراب، وتفاصيل المعاناة اليومية، وأمل الأمان المشترك، والوجع الواحد، والخبز المغموس بجهد وعرق البسطاء من العُمَّال والكادحين. إنها مُمارسات أصيلة لإنتاج العنصر المشترك بين البشر؛ مُمارسات أعمق وأبقى من أن تختزلها تسعون دقيقة من التنافس التجاري وتحتكرها شاشات تتحكَّم في السوق، أو تُحرِّكها كرة من جلد منفوخ. كيف يمكن للعبة عابرة أن تفرّق وتُشتِّت شمل شعبين يتقاسمان ذات العمق الاستراتيجي، وذات الهوية الحيوية، والمصير الحتمي الواحد؟
لنمارس الرياضة إذن، بالمعنى الذي يُحقِّقها تعبيراً أصيلاً عن ذواتنا الحرة، ولنُشجِّع بنبل وأخلاق تليق بنا، وبوعي يتجاوز الأطر السيادية الضيقة، ولنترك السياسة المؤسسية ومصالح النخب الحاكمة خارج أسوار الميدان. إن كرة القدم في نهاية المطاف، تُركَل بالأقدام لنتسلَّى ونستمتع بالجمال الحركي، أما الأُخوَّة الحقيقية ووحدة المصير الإقليمي فتُبنَى بالأكتاف المُتضامنة والشبكات الأفقية المُتشابكة التي تُسند بعضها بعضاً وقت الأزمات والشدائد. إنّ الأوطان الأفريقية لا تُبنى أبداً بالانكفاء على الذات والانغلاق الشوفيني، إنما بالتحالفات العميقة، وحشود التضامن التي تحمي إنساننا الأفريقي وتصون كرامته وحريته في وجه كل الأزمات الاقتصادية والسياسية الراهنة. إنه نداء للوعي، وتأكيد على أن المشترك النيلي والأفريقي أوسع من جميع الملاعب، وأبقى من الأسواق الرأسمالية.


