تحرّكت أسعار الذهب والنفط هذا العام خارج القاعدة الشائعة، حيث كانت ترتفع بفعل الحرب تلقائياً. هذا العام، سجّلت أسعار الذهب أكثر من 12 قمة تاريخية في يناير 2026، وبلغ سعر تثبيت LBMA نحو 5,405 دولارات للأونصة في 29 يناير، ثم هبط إلى نحو 4,002 دولار في 25 يونيو، ما جعل سعر المعدن ينخفض بنحو 7% منذ بداية العام حتى أواخر يونيو. أما خام برنت فقد سلك مساراً أكثر حدة: ارتفع متوسط أسعاره الشهري من 66.8 دولار للبرميل في يناير إلى 120.4 دولار في أبريل، ثم تراجع إلى 85.4 دولار في يونيو، قبل أن تعود العقود الآجلة في مطلع يوليو إلى منطقة ما قبل الحرب تقريباً بسعر 72 دولاراً.
حركة السوق هنا تتحدّث بجلاء: كانت الحرب على إيران عاملاً مهمّاً، لكنها لم تكن العامل الحاكم طوال الوقت، بل انتقلت اليد العليا سريعاً إلى الدولار، وعوائد السندات، وتحديد أسعار الفائدة، وحركة السيولة العالمية.
الذهب يخسر أمام الدولار والعائد
يُسعَّر الذهب عالمياً بالدولار، وكلّ ارتفاع في العملة الأمريكية يرفع تكلفة الشراء على المستثمر غير الأمريكي ويضغط على الطلب المالي قصير الأجل. كان المؤشر الواسع للدولار الأمريكي عند 119.6 نقطة في 2 يناير 2026، وصعد إلى 121.4 نقطة في 24 يونيو، ثم بقي قرب 120.7 نقطة في 2 يوليو. ترافَق هذا الصعود مع ارتفاع العائد الاسمِيّ على سندات الخزانة الأمريكية، لأجَل عشر سنوات، من 4.19% في 2 يناير إلى 4.49% في 2 يوليو، مثلما ترافَق مع ارتفاع العائد الحقيقيّ، المَقِيس بسندات الخزانة المحمية من التضخم، من 1.94% إلى 2.26% خلال الفترة ذاتها. تصيب هذه المعادلةُ الذهبَ في مركزه الأساسي: أصلٌ بلا عائد يواجه أصولاً سيادية تمنح دَخْلاً أعلى تحت مظلة دولار أقوى.
ملخّص التوقعات أظهر الاقتصادية في مارس أن الوسيط المتوقع للفائدة في نهاية 2026 سيرتفع من 3.4% إلى 3.8%. وفي 17 يونيو، ثبّت بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي النطاقَ المستهدف للفائدة بين 3.5% و3.75%، ورفَع توقعاته بتضخّم نفقات الاستهلاك الشخصي خلال 2026 إلى 3.6%؛ والتضخم الأساسي إلى 3.3% بعد أن كان في توقعات مارس 2.7%. قرأ السوق الرسالة على أنها تشدّد أطول أمداً، فأعاد تقييم مسار الفائدة ورفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب.
| التاريخ | سعر أونصة الذهب (دولار) |
|---|---|
| 01/07/2026 | 4,134.16 |
| 01/06/2026 | 4,038.50 |
| 01/05/2026 | 4,593.00 |
| 01/04/2026 | 4,629.60 |
| 01/03/2026 | 4,678.60 |
| 01/02/2026 | 5,247.90 |
| 01/01/2026 | 4,745.10 |
| 01/12/2025 | 4,357.10 |
| 01/11/2025 | 4,254.90 |
| 01/10/2025 | 4,013.30 |
| 01/09/2025 | 3,873.20 |
| 01/08/2025 | 3,512.00 |
| 01/07/2025 | 3,348.60 |
| 01/06/2025 | 3,307.70 |
| 01/05/2025 | 3,343.90 |
يوضح الجدول أنّ أسعار الذهب وصلت هذا العام إلى مستويات مرتفعة، ثم سجّلت قفزة قوية في فبراير قبل أن يبدأ مسار تصحيح تدريجي – التصحيح: وهو تراجع مؤقت بعد صعود حاد – حتى يونيو: تحرّك السعر من نحو 4,745 دولاراً للأونصة في يناير إلى 5,248 دولاراً في فبراير، ثم تراجَع إلى 4,679 دولاراً في مارس، و4,630 دولاراً في أبريل، و4,593 دولاراً في مايو، قبل أن يهبط إلى 4,039 دولاراً في يونيو.
تعكس هذه الحركة انتقال السوق، من تسعير صدمة الحرب والمخاطر الجيوسياسية، إلى تصريف أرباح وضغط مالي أوسع. مع انحسار القلق من توسّع الحرب، بدأت وثبة الخطر، التي رفعت أسعار الذهب مبكراً، في التراجع، بينما احتلّ الدولار والعائد الحقيقي موقعَ القيادة في حركة السعر، أي أنّ أسعار الذهب انخفضت؛ لأنّ المستثمر وجد بديلاً أكثر إغراءً من سنداتٍ ذات عائد أعلى، ودولار أقوى، وتوقعات بشأن أسعار الفائدة تُبقِي تكلفة المال مرتفعة لفترة أطول.
ميزان الحرب والذهب
ترفع الحرب أسعار الذهب حين تدفع المستثمر إلى البحث عن الأمان قبل أن يقع فريسةً لتبدّل خريطة الفائدة والسيولة. هذا ما حدث في بداية السنة، حين أسهمت المخاطر الجيوسياسية في دفع أسعار الذهب إلى قمم تاريخية، ثم تبدّلت الآلية: أدّت الزيادة في أسعار الطاقة إلى زيادة في قلق السوق من التضخّم، وبدلاً من انتقال الأموال إلى ملاذ الذهب الآمن، زادت رهانات السوق على تشدّد الفيدرالي، وصعَد الدولار والعائد الحقيقي. ارتبَط تراجُع مكانة الذهب بهذا المسار على نحو مباشر، إذ أدى صعود النفط، بعد تجدّد التوترات الأمريكية-الإيرانية، إلى تغذية القلق من التضخّم ورفع توقعات الفائدة، وهو مسار يضغط على المعدن أكثر مما يخدمه. تحوّلت الحرب هنا من محفز للملاذ الآمن إلى عنصر ينعش أدوات التشدّد النقدي.
كذلك يفسّر هذا التحوّل سلوك المستثمرين. شهد الربع الأول من العام 2026 طلباً عالمياً قياسياً على الذهب بلغ 193 مليار دولار، وبلغ إجمالي الطلب 1,231 طناً، مع مشتريات قوية من السبائك والعملات، وعودة محدودة إلى صناديق الذهب المتداولة، ثم تباطأت التدفقات سريعاً. ذكَر مجلس الذهب العالمي أنّ صناديق الذهب المدعومة فعلياً شهدت في مايو خروجاً صافياً متواضعاً، وتراجُعاً في الأصول المُدارة مقداره 2% على أساس شهري، مع بقاء المستثمرين الأمريكيين على الهامش، وعودة شهية المخاطرة نحو الأسهم، وبخاصة في قطاع التكنولوجيا. في مطلع يوليو، صعدت تدفقات صناديق الأسهم العالمية مع رهان متجدّد على أسهم التقنية والأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. غادرت نسبة ملحوظة من الأموال ملاذَ الذهب بعد أن حصدت أرباحَ موجة الصعود الأولى وعادت إلى الأصول التي تمنح نمواً أو عائداً.
لم تكن عمليات جَنْي الأرباح تفصيلاً فنياً، فقد جاء الذهب إلى 2026 من مكانة راسخة في 2025، وبدأ النصفَ الأول على قمم تاريخية مع نشاط مرتفع في المشتقات، ثم تعرّض لتصحيح حادّ، فالسوق في هذه الحالات يعامِل الحربَ باعتبارها خبراً قديماً نسبياً بعد تسعير الصدمة الأولى، ثم يعيد تقييم السعر على ضوء ما إذا كان هناك انقطاع فعليّ مستدام في السيولة، أو انهيار في النمو، أو تبدّل في السياسة النقدية. عندما تغيب هذه العناصر، يبقى الذهب مدعوماً على المدى الطويل، بينما ينخفض على المدى القصير.
لقد بقيَ المشتري الرسميّ حاضراً بقوة، وهو ما يفسّر بقاء الذهب فوق مستويات مرتفعة تاريخياً رغم التصحيح. بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية 244 طناً في الربع الأول من 2026، مع تصدُّر بولندا وأوزبكستان والصين قائمة المشترين، ثم عادت البنوك المركزية إلى الشراء الصافي في أبريل بإضافة 19 طناً. يرى مجلس الذهب العالمي في هذا الطلب الاستراتيجي رسالةً واضحةً بأن الذهب ما زال جزءاً أساسياً من إدارة الاحتياطيات في بيئة جيوسياسية مضطربة، وأنه يوفر أرضيةَ دعمٍ هيكلية تحدُّ من الهبوط. غير أنّ هذا النوع من الطلب يعمل عادةً بوصفه وسادة طويلة الأجل أكثر من كونه محرِّكاً يومياً للسعر، إذ إنّ السوق الفوري يظلّ أشدّ حساسيةً تجاه العوائد الحقيقية، والدولار، وتدفقات الصناديق، وميل المستثمر إلى المخاطرة.
الحرب والنفط: ميزان آخر
يتفاعل النفط مع الحرب بطريقة أكثر ارتباطاً بالممرّات البحرية والإنتاج والمخزونات. لقد ارتفع خام برنت بقوة لأنّ السوق خافت من انقطاع فعليّ عبر مضيق هرمز، ثم انخفض مجدداً مع ظهور قدرة أعلى على التكيّف. تُظهر بيانات البنك الدولي الشهرية سعر خام برنت عند 66.8 دولار في يناير، و71.1 في فبراير، ثم تُظهر قفزة إلى 103.7 في مارس، و120.4 في أبريل، قبل هبوطه إلى 107.5 في مايو، و85.4 في يونيو. بيانات (فريد) اليومية تضع الذروة عند 138.21 دولار في 7 أبريل، ثم 88.64 دولار في 12 يونيو، و71.59 دولار في 29 يونيو. وليس هذا هدوءاً جيوستراتيجياً كاملاً؛ إنه انكماش في وثبة الحرب، بعدما أثبتتِ السوق أنها قادرة على فتح مسارات بديلة وتحريك المخزونات، وامتصاص جزء من الصدمة.
| التاريخ | السعر (دولار) |
|---|---|
| 01/05/2025 | $63.90 |
| 01/06/2025 | $67.61 |
| 01/07/2025 | $71.70 |
| 01/08/2025 | $68.12 |
| 01/09/2025 | $67.02 |
| 01/10/2025 | $64.77 |
| 01/11/2025 | $62.38 |
| 01/12/2025 | $60.49 |
| 01/01/2026 | $70.69 |
| 01/02/2026 | $72.87 |
| 01/03/2026 | $118.35 |
| 01/04/2026 | $114.01 |
| 01/05/2026 | $92.05 |
| 01/06/2026 | $72.92 |
| 01/07/2026 | $72.66 |
يعرض الجدول حركة خام برنت بوضوح: صعود قويّ من يناير إلى أبريل، ثم هبوط حادّ في شهريّ مايو ويونيو. ارتفع السعر من 70.69 دولار في يناير إلى 114.01 دولار في أبريل، قبل أن يتراجع إلى 72.92 دولار في يونيو، بما يعكس انتقال السوق من تضمين مخاوف نقص الإمدادات إلى تضمين فائض المعروض وضعف الطلب.
ارتبط هذا الهبوط بتراجُع القلق من تعطّل الصادرات، وعودة جزء من الإمدادات عبر هرمز، وزيادة إنتاج أوبك+، فضلاً عن رفع الإمارات إنتاجها وخفض السعودية أسعار بيع خامها إلى آسيا، النتيجة أن أسعار النفط عادت تدريجياً إلى مستويات ما قبل التصعيد، لأنّ السوق بدأ يقرأ المعروضَ بوصفه كافياً؛ والطلبَ بوصفه أضعف مما كان عليه في موجة الصعود السابقة.
تراجع سعر النفط لأنّ السوق انتقل من الخوف من انقطاع الإمدادات إلى قراءة مختلفة تقوم على وفرة البراميل وضعف الطلب. صعد سعر خام برنت مع بداية الحرب بفعل وثبة الخطر المرتبطة بمضيق هرمز والشحن والتأمين، ثم بدأ يفقد هذه الوثبة عندما عادت الصادرات تدريجياً، وتحرّكت الإمدادات البديلة، وظهرت قدرة المنتجين على تعويض جزء من النقص. زيادة إنتاج أوبك+، ورفع الإمارات إنتاجها، وتخفيض السعودية أسعار بيع خامها إلى آسيا، كلها إشارات دفعت المتعاملين إلى الاعتقاد بأنّ واقع السوق يبدو أقرب إلى فائض في العرض، منه إلى أزمة نقص. أما في جانب الطلب، فقد ضغطت الأسعار المرتفعة على الاستهلاك، خاصة مع تباطؤ الطلب العالمي وتراجُع شهية المصافي والمستوردين للشراء عند مستويات الذروة. بهذه المعادلة هبط النفط لأنّ عامل الخوف تراجَع، بينما تقدّمت عوامل المعروض والطلب والتسعير التجاري لتقود حركة السوق.
بعد النصف الأوّل: قراءة في الاتجاه القادم
يتحدّد الاتجاه المقبل للذهب عبر ثلاثة مفاتيح متشابكة: الدولار، والعائد الحقيقي، وقرار المستثمر العالمي بشأن توزيع السيولة بين الأمان والعائد. ومن شأن أيّ تراجُع واضح في العملة الأمريكية، أو هبوط في عوائد الخزانة، أو انعطافةٍ في توقّعات السياسة النقدية الأمريكية، أن تفتح الباب أمام ارتداد جديد في أسعار الذهب، خاصة أنّ مشتريات البنوك المركزية ما زالت توفر دعماً هيكلياً للسوق. ومن شأن استمرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في وضع متشدّد، وتماسُك الدولار، وتدفق الأموال نحو الأسهم والسندات، أن يُبقي الذهب داخل نطاق ضاغط، مع قابلية لارتداد محدود أكثر من قابلية لقفزة سعرية متسارعة.
يبقى إمكان صعود الذهب قائماً إذا توفرت ثلاثة شروط: ضعف الدولار، تراجُع العوائد الحقيقية، وعودة الطلب الاستثماري طويل الأجل عبر الصناديق والمؤسسات. ومن شأن أيّ تدهور اقتصادي واسع، أو عودة قوية للمخاطر الجيوسياسية، أن يُعيدا للمعدن الأصفر جزءاً من وثبة الأمان التي فقدها خلال مرحلة التصحيح. يحتاج الذهب إلى محفز واضح جديد: تباطؤ اقتصادي أعمق، أو انعطافة في توقّعات الفائدة، أو عودة المستثمر طويل الأجل إلى بناء مراكز شرائية.
يدخل النفط إلى النصف الثاني من 2026 تحت ميزان مختلف: معروض متزايد، وخصومات من المنتجين، وتَعافٍ في الشحن، ومخاوف من ضعف الطلب، تقابلها مخزونات مستنزَفة وسلام هشّ. تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أنّ المخزونات العالمية تآكلت بسرعة قياسية منذ بداية الحرب، وأن أي تعطّل جديد في الإمدادات يمكن أن يعيد التقلب الحاد فوراً. هكذا يقع خام برنت بين قوتين: ضغط هبوطي نابع من وفرة متوقعة وضعف الاستهلاك، ودعم سياسي وأمني جاهز للعودة إذا تعثرت التسويات أو تعطلت الإمدادات مرة أخرى.
ويصبح صعود النفط ممكناً إذا حدث اضطراب جديد في الممرات البحرية، أو تباطأت زيادة إنتاج أوبك+، أو عاد الطلب الآسيوي بقوة أكبر من المتوقعة، أو دخل السوق في سَحْب متواصل من المخزونات. ومن شأن أي تصعيد عسكري يهّدد الشحن أو الإنتاج أن يعيد تقييم المخاطر بسرعة، لأنّ سوق النفط أكثر حساسية من الذهب تجاه الانقطاع الفعلي في الإمدادات، إذ إنّ الذهب يحتاج إلى محفز مالي ونقدي، بينما يحتاج النفط إلى محفز مادي مرتبط بالبراميل والشحن والمخزون.
والسؤال العملي هو: هل يعاود الذهب والنفط الارتفاع أم يواصلان الانخفاض؟ يرتبط المسار الأقرب بنوع المحفز القادم. قد يرتدّ الذهب إذا فقَد الدولار قوته الدافعة، وتراجعت العوائد الحقيقية، وبدأ المستثمرون في تقييم سعرِ خفضٍ أقرب إلى الفائدة أو تباطؤ اقتصادي أعمق، اما إذا استمرت قوة الدولار والعائد المرتفع فإن ذلك يُبقي المعدنَ تحت الضغط، ويدفعه إلى حركة جانبية أو هبوط محدود. وقد يعاود النفطُ الارتفاعَ إذا حدث اضطراب جديد في الإمدادات أو الشحن أو المخزونات، أما إذا استمرّ تدفّق البراميل وزاد المعروض وضَعُف الطلب العالمي، فإن ذلك يدفع الأسعار إلى البقاء داخل نطاق منخفض نسبياً.
يمكن القول إنّ الحرب رفعت أسعار الذهب والنفط عندما كانت صدمةً غير مسعَّرة، ثم خفضتها عندما أصبحت الأسواق أكثر انشغالاً بسعر الدولار، وتكلفة المال، وسرعة تدفق البراميل، وقدرة رأس المال على إيجاد عائد أعلى في موضعٍ آخر. يظلّ الصعود القادم ممكناً، غير أنه يحتاج إلى محفز جديد: في الذهب؛ عبر مؤشر الدولار ومعدلات الفائدة والعائد الحقيقي. وفي النفط؛ عبر الإمدادات والمخزونات وحركة الطلب العالمي.