أتر

دفتر أحوال السودان 130: من شمال وغرب كردفان و أم دافوق

شمال وغرب كردفان: معدّلات الإصابة بالكوليرا تتزايد وتحذيرات من أوضاع كارثية

مراسل أتر

تشهد مناطق واسعة، في بولايتي شمال وغرب كردفان، تفشّياً متزايداً للإصابات بوباء الكوليرا، وسط انهيار كبير في القطاع الصحي، وانقطاع في سلاسل الإمداد الدوائي، وتحدّيات أمنية تُفاقم الأزمة وتقوِّض الجهود المجتمعية الهادفة لمحاصرة المرض.

علّقت ممرِّضة بمستشفى النهود التعليمي، في إفادة لمراسل «أتَـر»، قائلةً إنّ المستشفى ذاته «يحتاج إلى علاج»، إذ إنه بحالته الراهنة لن يستطيع تقديم خدمات لمن يحتاج إليها، وقالت: «بالأمس القريب كان مستشفى النهود ثُكنة عسكرية لقوات الدعم السريع، والآن طُلب منا أن نستقبل فيه المرضى من جديد، ولا توجد به جرعة دواء واحدة، ولا سرير ليرقد عليه مريض، إذ بات المرضى يفترشون الأرض».

وأكّد عضو في غرف طوارئ النهود المركزية، لمراسل «أتَـر»، أنّ الأوضاع تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، بسبب الحاجة الماسّة إلى الأدوية، ولا سيما المحاليل الوريدية، ومياه الشرب النظيفة وفرق الاستجابة الصحية، محذراً من أنّ استمرار هذا الوضع يعرّض حياة كثير من المرضى للخطر، خاصة الأطفال وكبار السنّ وأصحاب الأمراض المزمنة، مناشداً التدخل العاجل قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر.

وكشف العضو بالغرفة، أن معدل التردد اليومي على مستشفى (وَدْبَنْدا) وحده بلغ أكثر من 93 حالة، مطالباً بسرعة توفير الإمدادات الطبية وإرسال الكوادر الصحية، وتنفيذ حملات تعقيم وتوعية، وتأمين مصادر مياه آمنة؛ لحماية السكّان من انتشار المرض.

وتقع ولاية غرب كردفان وأجزاء من ولاية شمال كردفان، ضمن مناطق الحكومة التابعة لتحالف تأسيس، وقد نشرت وزارة صحّتها آخر تحديث لها حول الكوليرا في يونيو الماضي، معلنة انتشاراً وبائياً للمرض بمناطقها، وأقرّت بأن ولاية غرب كردفان الأكثر تأثراً.

وفي وقت سابق، كشفت غرفة طوارئ النهود المركزية لـ «أتَـر»، عن انتشار كبير لوباء الكوليرا بالولاية، وسط تدهور، قالت إنه «متسارع» للأوضاع الصحية بولاية غرب كردفان، التي تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع. وأشارت الغرفة أيضاً في 4 يوليو إلى «تزايُد حالات الإصابة يوماً بعد يوم وسط انهيار شبه كامل للخدمات الصحية، وغياب الكوادر الطبية، وانقطاع سلاسل الإمداد الدوائي، مع نقصٍ حادّ في المحاليل الوريدية والمستهلكات الطبية المنقذة للحياة». ولفتت الغرفة في منشورها إلى أنّ مستشفى ودبندا يواجه «أزمة حادة في الكوادر الطبية»، إذ اضطر الطبيب الوحيد الذي كان يعمل فيه أن ينتقل إلى منطقة المعاركة لتقديم الخدمات الطبية، ولم يتبقَّ بالمستشفى إلا مساعد طبي واحد يشرف على المرضى.

ونعَت الغرفة في منشور على صفحتها وفاة أسرة كاملة تضم أمّاً وأطفالها نتيجة الإصابة بوباء الكوليرا بقرية أبو خضر التابعة لمحلية ودبندا. ونوّهت إلى أنّ هذه الأسرة فقدت خلال أسبوعين 6 من أفرادها.

وأعلن تقرير آخر أصدرته الغرفة في اليوم ذاته، أنّ عدد الإصابات بالكوليرا في محليات غرب كردفان، باستثناء شمال النهود، بلغ 328 حالة، بينها 54 حالة وفاة، حتى السبت الماضي، بَيد أن مصادر ميدانية تحدثت لـ «أتَـر» يوم الثلاثاء 7 يوليو، قالت إنّ العدد ارتفع إلى 356 إصابة، بينها 60 حالة وفاة.

وشدّدت الغرفة على أن استمرار الوضع عى هذه الحال ينذر بكارثة إنسانية وصحية، وناشدت الجهات الصحية والإنسانية والمنظمات العاملة في المجال الطبي التدخّل العاجل لاحتواء تفشّي وباء الكوليرا ودعم المرافق الصحية بالإمدادات والكوادر اللازمة. 

وأعلنت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي، تفشّي وباء الكوليرا في ولاية غرب كردفان، مع تسجيل 117 وفاة و7 حالات مؤكّدة و838 حالة مشتبه فيها. وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس: «السلطات الصحية في ولاية غرب كردفان أعلنت تفشي الكوليرا اعتباراً من 20 يونيو، وأبلغت وزارة الصحة بالولاية عن 838 حالة مشتبه بها، و7 حالات مؤكدة، و117 حالة وفاة».

وإلى الجنوب من مدينة ودبندا، قال مصدر طبي بمركز صحي قرية «دبال الفيات» لـ «أتَـر»، إنّ القرية شهدت 5 حالات وفاة بسبب الكوليرا، بجانب 85 حالة إصابة مؤكّدة، مشيراً إلى أن المركز يفتقر إلى الأدوية التي تسهم في علاج المرض، ويعاني من نقص حادّ في الكوادر الطبية، وقال: «خاطبنا السُّلطات الصحية المسؤولة بالولاية، في مايو الماضي، ووعدتنا بأن ترسل إلينا مُعِينات طبية، لكن حتى الآن لم يصلنا منها شيء ولم يزُرنا مسؤول من الصحة الولائية». وتوقَّع المصدر تزايُد الحالات مع دخول موسم الأمطار الذي اقترب.

وفي مركز صحي قرية «نيلت» جنوب النهود، كشف مصدر طبي لـ «أتَـر»، عن تسجيل 65 حالة إصابة مؤكدة بالكوليرا خلال 72 ساعة، بينها 10 حالات وفاة.

وقال المساعد الطبي بمركز صحي بالنهود حماد سالم الفائد لـ «أتَـر»، إن انتشار المرض يرجع إلى انهيارِ النظام الصحي، واعتماد السكّان على مصادر مياه غير مأمونة، مع استمرار الحصار وتدهور الوضع الآمن، بما يعطّل إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن تدفّقات النازحين التي تشهدها المنطقة مع استمرار العمليات العسكرية.

كذلك قالت مصادر بمنطقة الرقيق، التي يعمل بها معدِّنون عن الذهب، إنّ موجة جديدة لوباء الكوليرا تتفشّى في المنطقة ومناطق التعدين بغرب كردفان، حيث بلغ المعدّل التراكمي نحو 70 إصابة دون إحصاءات دقيقة بحجم الوفيات. وقد قرِّر إغلاق سوق منجم الرقيق ومنع المطاعم ومحلات بيع الشاي من العمل لمدة 72 ساعة تحت التقييم.

وفي تنبيه صحّي عاجل، أعلنت الغرفة أنّ عدد الإصابات بولاية غرب كردفان، تجاوز 800 حالة، بينها 30 حالة وفاة بالمرض.

وفي شمال كردفان، أعلنت مصادر طبية، عن تسجيل 400 حالة إصابة بوحدة المزروب الإدارية في محلية غرب بارا، بينها 21 حالة وفاة. ونقلت مواقع إخبارية أخرى وفاة 15 شخصاً جراء تفشي الكوليرا، وحذرت صفحات تواصل اجتماعي من تفشيها.

ونقلت صفحات موالية للدعم السريع عن قيادة منطقة المزروب العسكرية «التابعة للدعم السريع» إعلانها تقديم دعم عاجل لمكافحة وباء الكوليرا المتفشّي بالمدينة. ونقلت أيضاً عن قائد المنطقة العسكرية، إبراهيم موسى وداعة الله، تعهّداً «برفع تقرير شامل إلى قيادة قوات الدعم السريع يتضمن الاحتياجات العاجلة لتوفير الدعم الطبي والإنساني بصورة عاجلة».

ودشّن سكان من ولاية غرب كردفان، حملةً من أجل المساهمة في إنقاذ الأهالي، ودعمهم لمحاصرة تمدد المرض، وبدأت الحملة في استقبال تبرعّات من السودانيين، لكن عضواً مسؤولاً بالحملة قال لـ «أتَر»، إنّ التحدي الأساسي الذي يواجههم يبقى في إيصال المعينات إلى المناطق التي تحتاج إليها، بسبب إغلاق الطرق، والتعقيدات التي يضعها طرفا الحرب أمام وصول شحنات المواد الإغاثية. بَيد أنه شدّد على استمرار الحملة وقال: «لن نقف مكتوفي الأيدي أمام ضياع حياة أهلنا ومستقبلهم، لذلك فإننا سنفرض تدخّلنا بكل الوسائل المتاحة من أجل الإنقاذ».

توترات في أفريقيا الوسطى تؤثر في أم دافوق السودانية

مراسل أتر

رصدت منصات إعلامية سودانية عبر مصادر محلية، توغل قوات تحالف سيليكا التي تقاتل حكومة أفريقيا الوسطى، داخل الحدود السودانية أواخر يونيو الماضي، قبل أن تسيطر هذه القوات لاحقاً على مدينة أم دافوق في أفريقيا الوسطى، إلا أن الجيش النظامي بأفريقيا الوسطى مدعوماً بقوات روسية استعاد السيطرة على المدينة بعد عدة أيام في يوليو الجاري.

وتكررت خلال الفترة الماضية، في الجزء الجنوبي من ولاية جنوب دارفور، وتحديداً محلية أم دافوق الحدودية مع دولة أفريقيا الوسطى، توترات بين مختلف المجموعات المسلحة، مصحوبة بعمليات عسكرية استُخدمت فيها الأسلحة، وأثرت في حياة السكان في المنطقة، إذ تشهد تداخلاً قبلياً بين البلدين.

وتقع محلية أم دافوق السودانية، في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية جنوب دارفور، على الحدود بين السودان ودولة أفريقيا الوسطى. وتنقسم أم دافوق السودانية إلى ثلاث وحدات إدارية هي: المسيد، وسنيطة، وأم دافوق، بجانب عدد من القرى التي تشتهر بإنتاج الفول السوداني والدخن، وتحدها من الغرب مدينة أم دافوق التابعة لدولة أفريقيا الوسطى، التي تبعد حوالي ثماني دقائق سيراً بالأقدام.

وأخبرت مصادر محلية لمراسل «أتر»، أن قوات السيليكا وأبناء القبائل المتحالفة معها، هاجمت مدينة أم دافوق في أفريقيا الوسطى صباح الثلاثاء 30 يونيو الماضي، وتصدى لهم الجيش التابع لحكومة أفريقيا الوسطى وعدد من سكان أم دافوق الأفريقية، لكن نفدت ذخيرتهم مما اضطرهم إلى لانسحاب برفقة المدنيين نحو مقر القوات الأممية (مينوسكا) الموجودة هناك.

وبحسب عز الدين، وهو يُقيم في منطقة أم دافوق بأفريقيا الوسطى، فإن 10 من أبناء المنطقة قتلوا في الحال جراء الهجوم من قوات سيليكا وحلفائها، بينما جُرح 9 آخرون نقلتهم القوات الأممية بطائرة إلى العاصمة بانغي، وبلغ عدد القتلى في صفوف قوات الفاكا 8 أفراد، وهي قوات حكومية رسمية تتبع لإفريقيا الوسطي، إضافة إلى مقتل قائد الشرطة المحلية بالمدينة. وكشف عز الدين، أنه حتى لحظة إفادته لمراسل «أتر»، لم يتحرك أحد لدفن جثامين القتلى.

وأكد عز الدين لمراسل «أتر»، استخدام مركبات وأسلحة قوات الدعم السريع في الهجوم على المدينة، وأن هناك أفراداً من قوات الدعم السريع شاركوا في الهجوم، رغم أن قائد الدعم السريع في المنطقة أمر بعدم مشاركة أي عناصره في النزاع الدائر، وجرّد بعض الأفراد من المواتر والأسلحة، لكن عزالدين يصف هذه الأوامر والإجراءات بأنها صورية، نظراً لعدم الصرامة في تنفيذها، مضيفاً أن الهجوم شارك به شقيق قائد المنطقة علي حسين محمد الطاهر، وقد أصيب في يده.

يقول عز الدين إنه نتيجة للهجوم، نُهبت جميع ممتلكات المواطنين بالمدينة، ولم تسلم حتى المحاصيل والثروة الحيوانية، مما جعله يفكر في النزاع الدائر، على أنه مشكلة قبلية واستهداف لقبيلة السارا الموجودة في أفريقيا الوسطى، بغطاء من مجموعة السيليكا، التي تظهر أنها تريد طرد القوات الروسية الموجودة هناك.

وبعد الهجوم الذي انتهى بتهجير المدنيين من أم دافوق في أفريقيا الوسطى، وسيطرة قوات السيليكا على أرجائها، بدأت تظهر ملامح انتشار السلاح داخل محلية أم دافوق السودانية، الأمر الذي خلَّف هلعاً بين المدنيين وتركهم يتساءلون عن ماذا إذا امتد النزاع ليشمل أم دافوق السودانية.

يقول مصدر تحدث لمراسل «أتر»، فضل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن مجموعات كبيرة من عناصر السليكا دخلت إلى محلية أم دافوق السودانية، ومنذ استيلائها على محلية أم دافوق الإفريقية بات تحركهم بين السودان وأفريقيا الوسطى أمراً في غاية السهولة، وأضاف: «نراهم يومياً في الأسواق والمقاهي، ثم يعودون». ومضى المصدر، قائلاً إن شبكات الاتصالات تُغلق عند المساء؛ ذلك أن أماكنها في السوق، وقد أمرت السلطات المحلية بإغلاقها في أوقات محددة، خوفاً من التجمعات.

ووفقاً لمصادر محلية تحدثت مراسل «أتر» في فترات سابقة، فإن قوات روسية مدعومة بجماعات محلية من أفريقيا الوسطى ومتحالفة مع حكومتها، تنشط في دوريات ليلية عبر الحدود، وتقتل أي مواطن سوداني يرتدي الكدمول أو يحمل سلاحاً، يعبر باتجاه أراضي دولة أفريقيا الوسطى. وذكرت المصادر أن هذه القوات وحلفاءها نفذوا عمليات تمشيط واسعة لمناطق أم دافوق وكركر التابعتين لدولة أفريقيا الوسطى، قُتل فيها عدد من المواطنين السودانيين الذي ينتمون لقبائل مشتركة في البلدين.

وأفادت المصادر المحلية، أن الصراع الدامي الذي اندلع مطلع أبريل الماضي، انتهى بإقرار وثيقة  صلح بين قبيلة التعايشة السودانية -إذ تعتبر منطقة أم دافوق السودانية نظارتها- وقبائل الجوار بأفريقيا الوسطى، وقد حملت الوثيقة عدة قرارات وتوصيات، تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ التعايش السلمي، وهي امتداد لوثيقة صلح أخرى وقعت في أكتوبر 2025.

Scroll to Top