أتر

كُلبس: مدينة حدودية تعيد رسم خريطة الصراع في غرب دارفور

ما إن انتشرت ڨيديوهات، في يوم الثلاثاء 30 يونيو الماضي، تتحدّث عن سيطرة القوة المشتركة لحركات الكفاح المُسلح، على محلية «كُلبس» من قبضة قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر عليها منذ نحو عامين، حتى اتجهت أنظار الناس نحو ولاية غرب دارفور وعاصمتها مدينة الجنينة، الخاضعة كلياً لسيطرة قوات تحالف تأسيس منذ 22 يونيو 2023، في معارك استمرّت شهرين، بين الدعم السريع التي كانت تُسيطر على أجزاء من المدينة، ومقاومين من أبنائها، كانوا يرفضون دخول الدعم السريع إلى أحيائهم ومعسكراتهم. 

وأعلنت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، التي تُقاتل إلى جانب قوات الجيش السوداني، ضد قوات الدعم السريع وحلفائها في تحالف تأسيس؛ في بيان صادر عنها في الاثنين 29 يونيو المنصرم تمكُّن قواتها من السيطرة على محلية كلبس بالكامل من قبضة الدعم السريع عقب معارك وصفتها بالحاسمة، وفقاً لما ورد في البيان.

وتزامَن التصعيد العسكري مع تدهور الأوضاع الإنسانية داخل المدينة، إذ تقول مصادر محلية إنّ غالبية السكان غادرت كُلبس، وباتت الأسواق والشوارع شبه خالية، بينما نزحت أعداد من سكان منطقتي أبو سروج وبئر سليبة بمحلية سربا إلى الأراضي التشادية هرباً من احتمالات اتساع رقعة القتال.

وأفاد أحد سكّان كُلبس بأن عدداً من المنازل والمؤسسات تعرَّض لعمليات نهب وسرقة، خاصة منازل شخصيات موالية لقوات الدعم السريع، بينما قال موظف بإحدى المنظمات الأجنبية إن معلومات وصلت إلى منظمته عن تعرُّض مقرَّي منظمتين دوليتين داخل كلبس للاعتداء والنهب. وفي الوقت ذاته، لا يزال الغموض يحيط بمصير الأسرى المحتجزين لدى القوة المشتركة، إذ تشير المعلومات إلى نقل أكثر من خمسين شخصاً من القيادات الأهلية، بينهم عمد وشيوخ وموظفون سابقون بإدارة المحلية، بينما لا تتوفر معلومات مؤكّدة بشأن مصير عناصر قوات الدعم السريع الذين وقعوا في الأسر خلال المعارك الأخيرة.

وقالت الأمم المتحدة، إنّ الوضع المتوتر والاشتباكات المتفرّقة في كلبس، اضطرت الشركاء الإنسانيين إلى تعليق بعض الأنشطة أو تأجيل البعثات الميدانية المخطط لها.

وتشير مجمل التطوُّرات إلى أن كُلبس تقف أمام مرحلة مفصلية قد تحدِّد مستقبل السيطرة على الشريط الحدودي الممتدّ بين جبل مون والطينة. فالحشود العسكرية المتقابلة، والنزوح المتزايد للمدنيين، والحساسية الجغرافية للمدينة باعتبارها بوابة حدودية مع تشاد، جميعها عوامل تجعل أي معركة محتملة تتجاوز حدودها المحلية، لتلقي ظلالها على المشهدين؛ الأمني والإنساني في منطقة غرب دارفور بأكملها.

تعود مدينة كُلبس، العاصمة التاريخية لسلطنة ديار القِمِر بولاية غرب دارفور، إلى واجهة الأحداث من جديد مع تصاعُد المؤشرات على اقتراب مواجهة عسكرية جديدة قد تكون من أبرز المعارك في المحور الغربي خلال الفترة المقبلة. وتُعد كُلبس إحدى أعرق مدن دارفور، إذ ظلّت لقرون مركزاً للإدارة الأهلية والحكم في سلطنة القِمِر، ومنها أدار السلاطين شؤون السلطنة وأسهموا في ترسيخ قيم التعايش والاستقرار بين المكونات الاجتماعية بالمنطقة.

وتتبع محلية كلبس لولاية غرب دارفور، وتبعد عن مدينة الجنينة نحو 130 كيلومتراً وتضمّ ثلاث وحدات إدارية وعدداً من القرى التي تتبع لها، وتُعدّ المنطقة موقعاً استراتيجياً ومعبراً نحو الحدود الغربية مع دولة تشاد، وملتقى طرق مهماً يربط بين ولايات إقليم دارفور. 

كذلك يُضفي الموقع الحدودي للمدينة مع تشاد أهمية استراتيجية جعلتها محوراً للتنافس العسكري والسياسي والإنساني على حدّ سواء؛ فهي تقع على الضفة الشرقية للمجرى المائي الفاصل بين السودان وتشاد، بينما يقع على الضفة الغربية معسكر كارياري الذي يأوي آلاف اللاجئين السودانيين، ولا تفصل بين المدينة والمعسكر سوى مسافة 300 متر. هذا القرب يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة مصدراً مباشراً للقلق الإنساني، إذ قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو الأراضي التشادية، كما قد يؤثر في حركة المساعدات الإنسانية في واحدة من أكثر المناطق الحدودية هشاشة.

مسار العمليات

وقال مصدر بالقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، طلب عدم الكشف عن اسمه، في حديثه لـ «أتَـر»، إنّ القوات الموجودة بكلبس، هم من أبناء الولاية، وإنهم متجمّعون تحت قيادة القوات المشتركة من أجل استعادة السيطرة على قراهم ومدنهم بالولاية، مُقِراً بوصول إمدادات عسكرية من الجيش، وصل جزء كبير منها من بلدة الطينة الحدودية مع دولة تشاد، الواقعة على الجنوب من كلبس، لكنه وصفها بالقليلة. وكشف المصدر لـ «أتَـر»، أنهم لا يريدون إحكام السيطرة على الجنينة حالياً، بقدر ما يهمهم «إيجاد موطئ قدم» في المنطقة وتأسيس قاعدة عمليات للانطلاق منها، نحو ما سمّاه الوصول إلى الجنينة «بالقطّاعي».

وشدّد المصدر على أن قواتهم، تنسّق مع غرفة القيادة والسيطرة، التابعة لقوات الجيش في مدينة بورتسودان في ولاية البحر الأحمر، وكشف عن اعتمادهم في الوقت الحالي، على ضربات خاطفة، للسيطرة على موارد عسكرية من الدعم السريع، وقال: «الهدف الاستراتيجي هو قطع وعزل خطوط الإمداد والتحرك في الشريط الجغرافي المحاذي للحدود التشادية بهدف فرض رقابة ميدانية على الحدود، ما يُسهم في تجفيف أي إمداد محتملٍ ومنعه؛ عسكرياً كان أو لوجستياً، قد يتدفق عبر الحدود لمصلحة الطرف الآخر».

وأكّد المصدر، وجود قوات لهم بمحليات جبل مون وسربا، إضافة إلى كلبس، تنتظر الإشارة للتحرك، ووصفها بأنها قوات من من المقاومة الشعبية، التي شكّلها مواطنون بهذه المناطق، لاسترداد أراضيهم وفق ما قال. وأشار المصدر الذي تحدث لـ «أتَـر»، إلى أن الأيام المقبلة ستشهد مزيداً من الهجمات على معاقل الدعم السريع بغية استنزافها، على حد قوله.

وأشار المصدر في القوة المشتركة الذي تحدث لـ «أتَـر»، إلى وجود قواتهم داخل مدينة كلبس، حتى نهار الثلاثاء 7 يوليو الجاري، ولفت إلى أن المدينة خالية من السكان، سوى وحدات عسكرية تابعة لها؛ غير أنّ مسؤولاً بمكتب رئيس الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور، نفى في حديثه لـ «أتَـر»، أن يكون هنالك أي وجود للقوات المشتركة، وقال: «المدينة لا يوجد بها أحد، وفرّ الأهالي منها بمجرد دخول القوات المشتركة إليها»، واتهمها بأنها نهبت وسلبت ممتلكات المواطنين، وشدّد على أنهم يعملون على «تأمين المدينة في الأيام القادمة» وفق ما قال.

حشود وحشود مضادة

ونقلت تقارير صحفية الثلاثاء 7 يوليو الجاري أخباراً عن حشود لقوات الدعم السريع، مدفوعة بتعزيزات كبيرة، في محيط مدينة كلبس، التي يكتنف الغموض مصير الوضع العسكري داخلها. وبحسب دارفور 24، فإن قوات الدعم السريع أعادت انتشارها في ثلاثة محاور رئيسة حول المدينة، في خطوة وصفتها بأنها تهدف إلى تطويق كلبس تمهيداً لعملية عسكرية محتملة خلال الأيام المقبلة. ونقلت عن مصادر قولها إنّ القوة الأولى من الدعم السريع تمركزت قرب منطقة تندلتي غرب محلية سربا، استعداداً للتحرك نحو منطقة بئر سلبية التي شهدت في الآونة الأخيرة نشاطاً لمجموعات موالية للقوة المشتركة، بينما انتشرت قوة ثانية شمالي منطقة جبل مون، وتمركزت قوة ثالثة جنوب شرقي مدينة كلبس. ورجّحت المصادر أن تشنّ قوات الدعم السريع هجوماً واسع النطاق على المدينة خلال اليومين المقبلين، خاصة بعد وصول تعزيزات كبيرة إليها.

وأكّدت مصادر ميدانية لـ «أتَـر» دَفْع قوات الدعم السريع تعزيزاتها العسكرية في محيط المدينة، وتمركزها في المحاور الثلاثة. ورجّحت المصادر أن تشنّ قوات الدعم السريع هجوماً متزامناً على مدينتي كُلبس والطينة خلال اليومين المقبلين.

وفي المقابل، تشير المعلومات التي تحصّلت عليها «أتَـر» إلى وجود نحو ثلاثين عربة قتالية تتبع للجيش السوداني والقوة المشتركة داخل مدينة كُلبس، وسط استمرار حالة الاستنفار العسكري. وأفادت المصادر بأن الطيران المُسيّر التابع للجيش السوداني نفّذ غارات استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع قرب جبل مون، وقالت إنها أسفرت عن تدمير عددٍ من المركبات العسكرية وسقوط قتلى وجرحى، دون صدور تأكيد مستقل لحجم الخسائر.

متحدّثاً لـ «أتَـر»، قال عضو بحركة العدل والمساواة، إحدى الحركات المكونة لتحالف القوة المشتركة، إن التحركات الأخيرة للقوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة في غرب دارفور، التي أفضت إلى السيطرة على مدينة كُلبس الاستراتيجية، لا تقتصر على استهداف «الجنينة» أو «معبر أدري» على نحو مُستقل، بل تمثل استراتيجية عسكرية متكاملة ومترابطة تسعى لتحقيق الهدفين معاً عبر مراحل متسلسلة، تستهدف خنق خطوط الإمداد عبر الحدود، ولفت إلى أن  كُلبس من الناحية الطبوغرافية تمثل قاعدة انطلاق متقدمة ومثالية للمناورة العسكرية نحو عمق ولاية غرب دارفور.

وأشار إلى أن هدفهم في الوقت الحالي هو تطويق مدينة الجنينة من الاتجاه الشمالي، والسيطرة على المرتفعات والمحاور المؤدية إليها، كاشفاً عن رصدهم لمطارات ومهابط جوية في المنطقة شمال المدينة، وقواعد لإطلاق المُسيَّرات، وأنهم يستهدفون تدمير مثل هذا النوع من البنى التحتية التي تمثل مركز ثقل في الحرب حالياً. وقال المصدر الذي طلب حجب اسمه لـ «أتَـر»، إن التحركات الحالية تستهدف الشريط الحدودي ومحيط معبر (أدري) أولاً لقطع الإمداد وخنق القوات المتمركزة، وتستهدف «الجنينة» في نهاية الأمر.

الناس في سربا وجبل مون وسليبة

وفي محلية سربا التي عانت تاريخياً، وخلال جولات الصراع الحالية، من عمليات تدمير واسعة وحرائق هائلة أدّت إلى فرار عشرات الآلاف من سكانها نحو معسكرات اللجوء في تشاد، يتخوّف ما تبقى من سكانها من أن تتحوّل المنطقة من جديد إلى ساحة مواجهات عنيفة، وهو ما يفرض تحديات بالغة التعقيد على مستوى حماية ما تبقى من المدنيين وتأمين مسارات آمنة لهم. ويقول ياسر كرنقاوي الموظف بمحلية سربا لـ «أتَـر»، وهو مُكلّف من قِبل الدعم السريع، إن السكّان الآن بدأوا، يعودون لممارسة بعض أنشطتهم مثل الزراعة والرعي، والتجارة الحدودية، مثلما كان عليه الحال في السابق، لكن الأخبار التي تصل حول حشود عسكرية من الطرفين بمحليتهم، تعيد إلى أذهانهم أشكال المعاناة التي كانوا يكابدونها في الفترة الماضية. ونوّه إلى رصدهم تحركات من عدد من المواطنين بالمحلية يحاولون الفرار مرة أخرى إلى دولة تشاد التي عادوا منها خلال الأشهر الماضية.

وفي جبل مون، قال الناشط في المجتمع المدني والمقيم الآن في مملكة النرويج، آدم عمرين، إن سكان جبل مون، مسقط رأسه، يعيشون ظروفاً صعبة، منوهاً إلى أن استمرار الحرب يفرض على سكان الولاية كلها ضغطاً نفسياً هائلاً؛ وقال لـ «أتَـر»: «الشخص منهم يمارس البيع والشراء أو يحضر فعالية اجتماعية وعينُه على السماء خوفاً من الطيران، وأذنُه إلى الإشاعات خوفاً من تمدّد الاشتباكات الأرضية»، وأضاف: «توقفت الأسواق بسبب خطوط الإمداد المعقدة والمكلفة للغاية والتي تمر عبر فرض رسومٍ جمركية وجبايات متعدّدة». وأشار إلى أن المواطنين يعانون من شلل شبه تامّ في نظام الحياة الذي كانوا يعيشون وفقاً له في السابق؛ فضلاً عن أزمة في توفر السيولة، وانعدام شبكات الأمان الاجتماعي والصحي، ما يجعل استمرار الحياة معتمداً على آليات تكافل محلي شديدة الهشاشة، أو على مساعدات إنسانية تتدفق بالقطّارة وتخضع للتسييس، بحسب قوله.

وقال إنّ المواطن مجبر على التكيّف مع الأمر الواقع للحصول على لقمة عيشه، لكنّ هذا التكيف يُفسَّر فوراً من الأطراف الأخرى بأنه نوع من «الحضانة السياسية» أو «الموالاة». ونوّه إلى أن مواطني الولاية تحولوا إلى «أسرى جغرافيا الحرب»، يُطالَبون بدفع ثمن الاستقرار الصوري لطرف، ويتحملون كلفة التهديد العسكري والقطيعة الاقتصادية من الطرف الآخر.

وفي وحدة بئر سليبة الإدارية، قال قمر يوسف لبس، وهو من مواطني البلدة لـ «أتَـر»، إنّ حركة نزوح كثيفة تشهدها قرى الوحدة الإدارية التابعة لمحلية جبل مون، وكشف عن حركة كثيفة للسيارات العسكرية وسط تحليق للمُسيّرات، وقال: «في يوم 29 يونيو، وصلت إلى بلدتنا قوات قالت إنها تابعة للقوة المشتركة، فالتزم بعض السكان منازلهم، بينما خرج بعضهم الآخر لاستقبال هذه القوة، أو لمعرفة ما يجري، وسمعنا أصوات أعيرة نارية من أسلحة ثقيلة ومتوسطة، ولم تكن هناك معركة تجري، إذ لم يكن ببلدتنا قوات تابعة للدعم السريع، سوى قوة كانت موجودة في الطريق الذي يصل المنطقة بجبل مون، مكوَّنة من خمسةِ أفراد، فرّوا قبل يوم من وصول القوة المشتركة، ولكن في يوم 1 يوليو، غادرت القوة المشتركة بلدتنا، ووصلت قوات قالت إنها من الدعم السريع، كسرت منازل بعض المواطنين، ونهبت مواشيَ وحبوباً غذائية، وآلياتٍ وسيارات مملوكة لمواطنين، ولاحقاً فر أهل المنطقة كلهم نحو الحدود التشادية».

ووفقاً لرواية لبس، فإنّ جميع سكان البلدة والقرى المجاورة هربوا مما سمّاه «الحملة الإنتقامية لقوات الدعم السريع»، ووصل جزء كبير منهم إلى دولة تشاد، ومن ضمن الواصلين قمر يوسف لبس نفسه، الذي تحدَّث لـ «أتر» من نقطة حدودية بين السودان وتشاد.

في هذه الأثناء: ماذا يحدث في الجنينة؟

بحسب رصد مراسل «أتَـر»، فإن بعض الأسَر غادرت مدينة الجنينة إلى مدينة أدري التشادية بعد تداول أنباء عن هجوم محتمل من قِبل الجيش السوداني على المدينة، في مؤشر على اتساع دائرة القلق بين المدنيين في غرب دارفور.

وقال والي غرب كردفان الذي عيّنه مجلس السيادة الانتقالي بحر الدين آدم كرامة، إن عملياتهم -في إشارة لتحرك القوات المشتركة في غرب دارفور- لا تستهدف إلا العناصر المسلحة التي تحمل السلاح وتقاتل ضد الدولة، ولا تستهدف أي قبيلة أو مكوناً اجتماعياً أو مواطناً بريئاً، على حد وصفه، ونافياً في بيان منشور على صفحته وجود أي نوايا انتقامية لديهم تجاه أي مجموعة قبَلية، داعياً أهل الولاية في جميع مدنها وقراها إلى عدم الالتفات إلى ما سمّاه بالشائعات وخطابات الكراهية التي تسعى إلى بث الخوف والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، والابتعاد عن مواقع العمليات العسكرية.

من جهتها قالت الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور، المعيَّنة من قِبل حكومة تأسيس، في يوم الخميس 2 يوليو الجاري، إنها تابعت ما يجري تداوله عبر بعض منصّات التواصل الاجتماعي والوسائط الإعلامية من مزاعم وأخبار مضلّلة بشأن دخول الجيش السوداني والقوة المشتركة إلى مناطق بمحليتي جبل مون وسربا، ووصفتها بأنها «مزاعم عارية تماماً عن الصحة، ولا تستند إلى أي وقائع ميدانية، وإنما تأتي ضمن حملة إعلامية ممنهجة تستهدف إثارة البلبلة وزعزعة الثقة وبثّ الذعر بين المواطنين». 

وبينما تبدو الحكومة الموجودة في الجنينة الآن، غير آبهةٍ بما يدور في أركان من الولاية، فقد نقلت المنصات الإعلامية للسلطة المدنية بغرب دارفور في يوم 5 يوليو الجاري حضور رئيس الإدارة المدنية، التجاني آدم كرشوم، لمراسم ختام فعاليات «ديربي السلام» وهي منافسة في سباق الخيول كانت تشهدها مدينة الجنينة في الأيام الماضية.

تعليقاً على التصريحات المتناقضة، يقول معلم معاشي مقيم حالياً بالجنينة لـ «أتَـر»، إنّ كل طرف في القتال يسعى لإبراز أنه يسيطر فعلياً. يقول شارحاً: «عندما تعلن وسائل الإعلام التابعة للإدارة المدنية في الجنينة «التي عيّنتها قوات الدعم السريع» اهتمامَها بإبراز حدث مثل «سباق الخيل»، فإنّ هذه ليست تغطية لنشاط رياضي فحسب، إنما هي محاولة سياسية لإنتاج الشرعية، وإرسال إشارات إلى الداخل والخارج بأن الأوضاع تحت السيطرة الكاملة، وأن الحياة اليومية تسير بنمطها الطبيعي، بينما تهدف تحذيرات الوالي (المكلّف من بورتسودان) للمدنيين بالابتعاد عن مواقع الدعم السريع إلى تحويل الجنينة في أذهان سكّانها من «مدينة آمنة تُقام فيها الاحتفالات» إلى «منطقة عمليات عسكرية وشيكة». ويقول المعلم إن خطاب حكومة بورتسودان يهدف إلى خلق حالة من الترقب والقلق، ما يمنع سلطة الطرف الآخر من جني ثمار الاستقرار الظاهري، ويؤكّد للناس أن المعركة لم تنتهِ بعد. 

وبين هذه وتلك، تبرز المفارقة الأكثر عمقاً وإيلاماً، الواقعة على عاتق المدنيين داخل المدينة؛ فهم يعيشون في الفجوة الفاصلة بين عالمين، عالم يطالبهم بالاندماج في مظاهر «الترفيه» لإثبات نجاح نموذج حكم معين، وعالم آخر ينذرهم بالموت والدمار الوشيك تحت ركام المواقع العسكرية.

Scroll to Top