«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
ما هي إذن «لوثة الحبّ» التي قال المرحوم كارل ماركس «تغيِّرْ اتجاه الزول»؟ ما هو هذا السِّحر الذي تُجَنْدِل به الرأسماليةُ إرادةَ قوى العمل، تحيط حتى بخلايا «العقل العموميّ» على عمومّيته، فتَرْتَهِنُ حتى رعشةَ الإيمان وبهرةَ العلوم وصبوةَ الغرام، بل ربّما حتى «إرادةَ الفناء»، تلك التي تبرق مع كلِّ حقيقةٍ، لمصلحة الأرباح؟ قد تدركُ القارئةُ بعضَ عناصر هذه اللوثة في «وثنيّة السلعة» التي قال بها الدكتور ماركس، و«وثنية الصورة» التي قال بها الدكتور مبيمبي، و«وثنية النَّفْس» التي قال بها صحافيّ النيويورك تايمز. ولا تفعل هذه العناصرُ فعلَها متفرّقةً، وإنما في اجتماعها الذي تتفوَّق به على المفرد منها، فهي كباطن الكرة البلّورية؛ كمالُها من كمال استدارة سطحها وصفاء ملمسه، ووَقْعُها في المجال القائم بين رؤيةِ الشَّيءِ نفسَه في نفسِه ورؤيتِه نفسَه في شيءٍ آخرَ يكون له كالمرآة، أو كما قال الإمام الأكبر مُحيي الدين بن عربي. فما هي هذه المرآة في الرأسمالية المتأخّرة؟
وَجَد الدكتور مبيمبي الصّياغةَ المناسبةَ للتناقض الهائل بين التوسُّع الهائل في العلوم في العصر الديجيتالي والضِّيق الشديد في التصوّرات الأيديولوجية عن هذا العالم؛ ويتوسَّط بين هذين ارتهانُ العلوم للأرباح بالدرجة الأولى وطَلاقُها من فكرة «الحقيقة»، أمُّونة، تلك، في غرب الضياباب، التي تدهوَرَت عند أنبياء ما بعد الحداثة وعند فلاسفة الدعم السريع؛ سيَّان، إلى «سردياتٍ»، كلٌّ بما لديهم فرحون، عمسيبيّة لأي زول! فالديجيتالية عند دكتور مبيمبي لا تحيط بالمحسوسات حصراً، بل الأهمّ أنها تحيط بالصّور وواقع الحال بكلّ «فاعلية» للإنسان، الحساب والفهم والإدراك والترميز، وفوق كلّ ذلك: الشعور والعاطفة. والعِبْرة التي خرج بها الدكتور مبيمبي أنَّ هذه التحوّلات أطلقت العنانَ للقصص الصغيرة، «السرديّات» الصغيرة لمن طلبَتْ صياغةً من فلسفة الدعم السريع، القصص التي هي قصّتي، قصة عن الفرد، قصة الذات عن الذات، وليست حتى «قصّتنا» التي يتصل بها فؤادٌ وآخر، عند بازَرْعَة، ولو في «البُرهة القليلة». وقال الدكتور مبيمبي في صياغة باهرة «انكمَش التاريخ وانحسر في المجال الذاتي، ما ساهم في انقلاب المجال العموميّ إلى مجالٍ للتعبير العام عما هو ذاتيّ وفردي». وفي عصر «النرجسيّة» الجماعيّة هذا انقلب «الجمهورُ»، أهلُ المجال العمومي، سكّانُ «الدّارة» الذين يعلنُ وسطهم البطلُ الحبَّ، إلى شاشاتٍ؛ شاشات مُتعدّدة الأنواع والأحجام.
صارت الصّورةُ في هذا الانقلاب لغةَ الأنا المفضّلة؛ صورة البدن للنفس بالدرجة الأولى، ثمّ انعكاسها في الشّاشات التي هي المجال العام. وصورة البدن المخدوم هي مصدر اللوثة وموقع المتعة في آن، سمين أم ضعيف، أخدر أم أصفر، مبَشْتَن أم مهندم، كامل ولا بتجامل! وقرينتُها كذلك صورة البدن المظلوم، صورة البدن الضحيّة، كسيرة ومعذّبة، مؤرّقة وقلقة، محطّمة وملتاثة. بل أجاز الدكتور مبيمبي الإعلانَ أنَّ الذات المحاطة بالصّور انقلبت هي أيضاً إلى صورة؛ صورة الذات للذات، أو قل صورة الذات للشاشة: سامسونج جالاكسي إس 25 ألترا «رؤية حديثة للغاية لتصميم يتّسم بالجرأة بفضل إطاره المصنوع من التيتانيوم الأنيق والقويّ وقلم Pen S المدمج الذي يشتمل عليه»، سمك 8.2 ملم، وزن 218 جرام.
ويا أنت يا ذا، «أضف حيوية على صورك باستخدام الفلاتر المخصّصة الخاصة بك. ستتولى تقنية Galaxy AI تحليل صورتك المفضلة وإنشاء فلتر لتصوير المشهد. يمكنك استخدامه على الفور أو تخصيصه بشكل أكبر ليناسب حالتك المزاجية من خلال إدخال تعديلات على التشبع والسطوع والمزيد». وإن لم يقنعك هذا الحشد كلّه، «الآن تم تعزيز خاصية ProVisual Engine من الجيل التالي التابعة لنا عبر معالجنا فائق الإمكانات، وهو ما يسمح لك بالتقاط الصور وعرضها وتعديلها للحصول على أفضل تجربة نقدمها حتى الآن للتصوير والتعديل بالكاميرا». وهي كاميرا فائقة الاتساع 50 ميقابكسل، وفوق ذلك «يمكنك الآن التصوير بتقنية HDR المحسَّنة بنظام 10 بت للحصول على تجربة تصوير ڤيديو أكثر روعة. كذلك توفر تقنية AP المتقدمة لدينا إزالة أكثر دقة لتشويش الصورة، وهو ما يعني أنك لن تقلق بشأن التشويش في اللقطات الليلية مرة أخرى. يكشف محركنا المدرك للكائنات الضوء في البيئة ويتعرف بدقة على الكائنات. التقط درجة ألوان البشرة وملمسها كما تراها عينك تماماً. ضع كل تركيزك على الطابع المدهش للأشياء العادية والتقط صورة عدسة ماكرو ذات تفاصيل دقيقة باستخدام الكاميرا فائقة الاتساع الجديدة من إنتاجنا بدقة 50 ميجابكسل. تظهر الصور عالية الوضوح ومفعمة بالحيوية من أي زاوية بدءاً من اللقطات المأخوذة بالعدسة فائقة الاتساع، وحتى كاميرا التصوير عن بعد. وتتولى بعد ذلك خاصيتنا المحسنة بتقنية AI، وهي خاصية ProVisual Engine مهمة تعزيز اللون والتفاصيل لتحقيق المستوى الأعلى من الوضوح والنفاذ. انظر إلى آفاق أبعد مما كنت تعتقد أنه يقع ضمن حيز الممكنات عبر الانسياب السلس من التقريب بمعدل ضعف واحد وحتى 100 ضعف باستخدام خاصية Space Zoom المعززة بتقنية AI. التقط صوراً تضاهي في جودتها أعمال المصورين المحترفين باستخدام تقنية RAW Expert. وبعد التقاط صورك يتم حفظ ملفات RAW في Gallery. وبذلك تكون جاهزة للاستخدام عبر مجموعة مرنة من ميزات التعديل».
لكن، «ما شوَّهُوك بفِصَادة على الخدود السادة، طبيعي خلقة ربّك ما داير أي زيادة». أليس هذا التطفيف المنظّم هو الفصادة، لكن لا تجري على الخدّ الأسيل، وإنما بموس سَنينة في باطن مضطرب، جَرِح جوّاني، اضطراب يتضاعف بتباعُد الشقّة بين ما هو واقعة وما هو صورة للواقعة، مرّت بمثل تقنية HDR المحسّنة بنظام 10 بت وتقنية AP المتقدمة وخاصية ProVisual Engine وخاصية Space Zoom وحفظتها العناية في الغاليري؟ فما الأصل وما الصورة؟ وربما أصاب العقلُ العموميُّ كبدَ الحقيقة، إذا جاز التعبير، حين قال «الشّاشة الغشّاشة»، بالذات، وقد اتخذت الصّورة المعنيّة بنظام 10 بت بُعداً نُسكياً، كأنها القربانُ حلَّ محلَّ المتقرِّب. ومِن غَشَّة الصورة أنها تُسطِّح علاقاتٍ كثيفةَ الطبقات متعدِّدةِ الأبعاد إلى بُعدٍ واحد أملس ظاهر، أحَدٌ أحَد، بُعد يعطّل كلَّ ما عداه، بحيث صارت الصورة هي مدار الموثوقية الوحيد، إذا جاز التعبير، والدليل الوحيد الذي لا يقوم دليلٌ ضدَّه، أخَذَت بالألباب وأدْمَت عضلةَ الفهم (أشيل مبيمبي، الوحشية، دار جامعة ديوك، درهام ولندن، 2024، 45-47).
يقع الشغفُ النرجسيُّ موقعَ القلب من أرواحيّة الصورة الجديدة هذه، فالذات التي انقلبَت صورةً، لها أن تُصوِّر نفسَها كيفما صَوَّر لها هواها، كان ذلك شكلاً أم محتوى، حلو وشين، بطل مناضل ومثقّف منازل، أديب كسّيب وعاطل باطل، ضحية مظلومة تقع وتقوم، وما الآخر خلا سطح يستقبل هذه الصّورة ويعكسها لصاحبها المصوِّر. وتُلامِسُ الإنسانةُ، مكتملةُ الشّغف النرجسيّ بهذه المقدرات، في معابر الصور الديجيتالية هذه، أفقاً كان حصراً للإرادة التي هي فوق كلِّ إرادة، وتغترّ! قال تعالى: «يا أيّها الإنسانُ ما غرَّك بربِّك الكريم. الذي خَلَقك فسوَّاك فعَدَلَك. في أيّ صورةٍ ما شاء ركَّبَك» (قرآن كريم؛ الانفطار: 6-8). قد تجد القارئةُ عوناً على هذا المعنى بقراءةٍ مضادّةٍ لخصم مبكّر للصورة قبل انقلابها وثناً ديجيتالياً.
سأل سائلٌ الشيخَ عبد العزيز بن باز (1912-1999)، الذي أجاز لملوك السعودية الاستعانةَ بالولايات المتحدة وحلفائها لخوض الحرب ضدّ العراق في حرب الخليج الثانية (1990-1991)، سأله سائل: «ما قولكم في التصوير الذي عمَّت به البلوى وانهمك فيه الناس؟ تفضَّلوا بالجواب الشافي عما يحلّ منه ويحرم، أثابكم الله تعالى». وكان الشيخ بن باز قد أجاب في شأن الحرب على العراق: «وأمّا ما وَقَع من الحكومة السعودية مِن طلب الاستعانة من دول شتى للدفاع وحماية أقطار المسلمين لأنّ عدوهم لا يُؤمَن هجومه عليهم، كما هجم على دولة الكويت؛ فهذا لا بأس به، وقد صدر من هيئة كبار العلماء وأنا واحد منهم، بيانٌ بذلك أذيع في الإذاعة ونُشر في الصحف، وهذا لا شكّ في جوازه، إذ لا بأس أن يستعين المسلمون بغيرهم للدفاع عن بلاد المسلمين وحمايتهم وصدّ العدوان عنهم، وليس هذا من نصر الكفار على المسلمين الذي ذكره العلماء في باب حكم المرتد، فذاك أن ينصر المسلمُ الكافرَ على إخوانه المسلمين، فهذا هو الذي لا يجوز، أما أن يستعين المسلم بكافر ليدفع شرّ كافر آخر أو مسلم مُعتَد، أو يخشى عدوانه فهذا لا بأس به» (عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، الجزء الثامن عشر، إعداد وتنسيق: موقع ابن باز، 2021، ص 189-190).
أجاب الشيخ بن باز في شأن الصورة: «فقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي (ص) في الصِّحاح والمسانيد دالةً على تحريم تصوير كلّ ذي روح، آدمياً كان أم غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور ولعن المصوِّرين، وبيان أنهم أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة». فما الذي استقبحه الفقهاء في الصورة؟ جاء في فتوى بن باز عن أبي هريرة في الصحيحين، قال رسول الله (ص) قال تعالى: «ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذرّة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة». ونقل بن باز كذلك من مسند الطيالسي عن أسامة قال دخلتُ على رسول الله (ص) في الكعبة ورأى صوراً، فدعا بدلو من ماء فأتيتُه به فجعل يمحوها ويقول: «قاتل الله قوماً يصوِّرون ما لا يخلقون». كما نقل عن الخطابي: «إنما عَظُمت عقوبة المصوِّر لأن الصور كانت تُعبَد من دون الله؛ ولأنّ النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل». وأضاف بن باز فوق ذلك: «ولا فرق في هذا بين الصور المجسَّدة وغيرها من المنقوشة في ستر أو قرطاس أو نحوهما، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كلّ ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم، بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظمين أشدّ؛ لأنّ الفتنة بهم أعظم، ونَصْب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشِّرك وعبادة أرباب الصور من دون الله، كما وقع ذلك لقوم نوح». وأجاز بن باز، بتردُّد، لعب البنات الصغار باللعب المصوَّرة، ونقَل من الصحيحين عن عائشة قالت: كنت ألعبُ بالبنات عند النبي (ص)، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله (ص) إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي يلعبن معي». ثم عاد عن هذا الاستثناء بقوله: «فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصوّرة؛ لأنّ في حِلِّها شكّاً لاحتمال أن يكون إقرار النبي (ص) لعائشة على اتخاذ اللعب المصوّرة قبل الأمر بطمس الصور، فيكون ذلك منسوخاً بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قُطِع رأسه أو كان ممتهناً كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي ومال إليه ابن بطال» (عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، الجزء الرابع، دار القاسم، الرياض، 1420، ص 210-222). فما هي قرينة التحريم التي قدّمها بن باز على استثناء عائشة، بل فضَّل فيها التحوّط بترك الحلال خوفاً من الحرام، ولم يتحوَّط حين أفتى بجواز الاستعانة بالولايات المتحدة وحلفائها في حرب الخليج، بل أفتى لا بأس. أهي «صُورْتَك الخايف عليها، ونحن ما خايف علينا»؟.



