أتر

أم درمان ثقافية: كِيف أسْلَاها واتْناسَى

لقد صار مركز شباب أم درمان وطناً للقصيدة والموسيقى واللوحة والغناء بضروبه المختلفة، ومرآةً للروح، ومستودعاً للذكريات، وبيتاً قديمَ العهد، يفتح ذراعيه كلما عاد إليه روّاده، ليستقبلهم بوفاء مُتبادل لم ينقطع يوماً. تجلّت هذه العلاقة الحميمة في رغبة مرتاديه وإلحاحهم على إعادة نشاطه وعمرانه بعد أن استعاد الجيش ولاية الخرطوم من سيطرة الدعم السريع.

قبل 15 أبريل 2023، كان روّاد المركز يُعدّون لتنظيم فعالية ضخمة، وشُكّلت لها لجنة كبيرة، ورُصِدت ميزانية ضخمة، وشرعوا في العمل على قدم وساق. وفي شهر رمضان الذي نشبت فيه الحرب، كان المركز يعجّ بالنشاط والحيوية: بروفات مسرحية، واجتماعات مستمرّة للموسيقيين، وتجهيزات مكثفة لما بعد عيد الفطر. وقد خُطِّطَ لإطلاق كرنڤال يستمرّ شهراً كاملاً، يضمّ أمسيات ثقافية وفنيّة في مراكز أم درمان النظيرة، ليمتدُّ النشاط إلى ولاياتٍ أخرى.

ما قبل الحرب وتجربة النزوح

يتذكّر الشاعر هاشم الجبلابي، أحد رواد المركز منذ التسعينيات، يوم الرابع عشر من أبريل: «كنتُ حينها في المركز. خرجتُ في التاسعة مساءً عازماً على العودة إلى المنزل لأرتاح استعداداً لجولة عمل في الصباح الباكر. كنتُ حينها في حالة من القلق والتوتر، يتملّكني هاجس غريب وشعور بالضيق، وكأن شيئاً ما سيحدث. وفي طريقي إلى المنزل، كان ينتابني إحباط متزايد كلما اقتربت من وجهتي».

ومثلما كانت بوادر الحرب واضحةً لكثير من أهل السودان، كان هاشم يحسّ بها في الجوّ المشحون قبل اندلاع الحرب في مشهد مدينته أم درمان التي نشأ في حيشانها وأزقتها. كان واضحاً بالنسبة له ما يمكن أن يحدث لكنه، كما يقول لمراسل «أتَـر» لا يعلم متى ستندلع. وبحكم عمله السابق في الجيش، كان يدرك طبيعة الأمور؛ فقد بدأ نفوذ الدعم السريع يتصاعد على نحو وصفه بـ «المستفزّ».

يقول هاشم: «أتذكر نقاشاً دار بيني وصديق لي قضى أكثر من 28 عاماً في الجيش، وكان حينها في قلب الأحداث؛ واتفقنا على أنّ الصدام حتمي، فقد كانت المؤشّرات جميعها تؤكّد ذلك، إذ لا يمكن لجيشين أن يتعايشا في وقتٍ واحد تحت منظومة حكم واحدة. كنت أسكن في شارع الشنقيطي بالثورة الحارة 14، وقد وقعتْ الأحداث في المناطق المجاورة لنا، سمعنا أصوات الانفجارات وتحليق الطيران بوضوح. حين استيقظنا على هذا الواقع، شعرتُ بصدمة كبيرة، كانت خليطاً من الدهشة وشعور غريب لا يُوصَف. بقيتُ في أم درمان حتى شهر يوليو 2023. أصبحت الحياة صعبة للغاية، وبدأ القلق على أهلي؛ كيف سيتدبرون أمورهم في ظِّل هذه الظروف؟ لديّ إخوان أصغر مني، وأخوات متزوجات، ووالدتي، فاتفقت معهم على أن أغادر الخرطوم إلى ولاية أخرى بحثاً عن عمل لأكون سنداً لهم، فتوجّهت إلى مدينة شندي وأقمت فيها أربعة أشهر».

خلال فترة إقامته في شندي، تراءت لهاشم مظاهر ما سيؤول إليه شأن الحرب من خطابات تحشيد وكراهية، ومعاناة النازحين من ولاية الخرطوم إلى الولايات الأخرى، وكيف استقبلهم السكّان المحليون. يقول: «لاحظتُ أن حالة الرفض وعدم الترحيب كانت هي السائدة، بينما كان القبول محدوداً جداً. تفاقمت المسألة لاحقاً، وبدأت تظهر تساؤلات وتذمّر من السكان المحليين، وتصاعدت الشكوى من أن النازحين يضيّقون عليهم سبل العيش، وهو واقع حادث في جميع الولايات دون استثناء». ويضيف: «أنا مشيت هناك، حسيت بالحاجة دي، وإتضايقت منها بصراحة كده، وما قدرت أقعد، رغم إنها منطقتنا».

موقع القبور داخل ميدان مركز شباب أم درمان بعد نقلها

تصوير: مراسل أتر

شاي التومة: الرّوح مشحتفة في المَكان

يُخالج المرءَ عند عودته إلى أي مكانٍ ألِفَهُ شعورٌ حلوٌ، وانبعاثٌ لطيف. بعد خروج قوات الدعم السريع من الخرطوم عاد الجبلابي إلى أم درمان، فزار أول ما زار المركز برفقة أحد أصدقائه، ليجد أفراداً من الجيش بالمركز يتخذون منه مقراً. يقول: «سألناهم عن الأوضاع، وموعد انسحابهم منه. أخبرونا بأنهم ينتظرون التعليمات، وبأنهم لا يملكون إجابة مُحدَّدة. لاحقاً، عدت إليهم وأخبرتهم برغبتنا في العودة لممارسة نشاطنا وتنظيف المكان، فردَّ أحدهم بأن المنطقة عسكرية ولا يمكن التنبؤ بموعد إخلائها؛ فقد يستغرق الأمر سنة أو سنتين».

واستثمر هاشم حينها قراراً رسمياً بشأن إخلاء المواقع المدنية من المظاهر العسكرية، ليتوجّه إلى مكتب الاستخبارات في منطقة «الشهداء»، وتقع عليه مسؤولية المنطقة، وأبلغهم برغبة رواد المركز في العودة والمساهمة في مظاهر التعافي التي ينادون بها، مؤكّداً لهم أن وجودهم يهدف إلى حماية المكان إلى حين انسحاب القوات. يقول هاشم: «قوبل طلبي بالموافقة. وقلت لهم إنني أصوّر لأوثّق مشروع عودة المركز للناس، وكان لا بدّ أن يروا المكان بأنفسهم ليصدّقوا هذه الخطوة. كنت أبدأ الحديث بأسلوب معين، وأرفع المقطع المصوّر، ليبدأ الناس بالسؤال والاستفسار: المركز رجع؟ المنتديات رجعت؟».

وجد الرواد المركز وقد نهبت منه عدد من الآلات الموسيقية الخاصة به، وفضلاً عن انقطاع المياه أو الكهرباء، وجدوا قبوراً في مناطق متفرقة منه يبدو أنها لجنود لقوا حتفهم أثناء الاشتباكات في المدينة.

تواصل هاشم مع «التومة»، وهي سيدة تعمل في بيع الشاي على سور المركز، يعدّها رواد المركز أختاً وأماً لهم، ويصفها هاشم بأنها «أيقونة مركز شباب أم درمان»، وكانت حينها نازحة بولاية البحر الأحمر. أقنعها هاشم بضرورة العودة، وبثّ الروح في المركز. «بالفعل، وجدنا لها منزلاً في حي الموردة في أحد البيوت الخالية؛ فوجود السكان يساعد في الحفاظ على المنازل من التخريب والسرقة»، يضيف.

تجلس التومة تحت ظِّل شجرة بالمركز، تسمع أصوات الناس وقصصهم وشِعرهم وبكاءهم في الأغاني الحزينة، تُصبّرهم و«تشيل همّهم»، تُربِّت على الأكتاف، وتطيّب الخواطر، وتراعي المشاعر جيلاً بعد جيل. «ربما لو كانت التومة أقل عطاءً؛ لما عاد الناسُ وما عُدنا»، يقول جبلابي.

تصوير: مراسل أتر

يلّاك للمركز

انتظم في المركز عشرات الأشخاص من الشعراء والفنانين وأصدقاء المركز، ومع انضمام أي شخص جديد، كان هاشم يُجري معه حواراً قصيراً معه يتراوح بين 6 و10 دقائق، ثم ينشره على صفحة رواد المركز على فيسبوك؛ ما شجّع الناس على المجيء والمشاركة، حتى مع وجود أفراد الجيش. يقول: «عندما ازدادت أعداد العائدين، بدأنا بتنظيم منتديات وقراءات شعرية، ثم أضفنا منتدى غنائياً بآلة العود، وكان النشاط في بداياته يُقام في الخامسة مساءً. وأقمنا يوماً غنائياً جميلاً، ووثّقتُه ونشرتُه، ما خلق زخماً وتفاعلاً إيجابياً وبعث الطمأنينة في نفوس الناس».

في هذه الأثناء كان منتدى فلاح بأم درمان، والذي لم يتوقف نشاطه طوال فترة الاشتباكات؛ قد تطوّر ليصبح أشبه بـ «صالون متجوّل» ينتقل إلى المناطق التي بدأ الناس بالعودة إليها، ليقدّم غناءً شعبياً لطيفاً.

في تلك الفترة لم يتحصّل رواد المركز على أي دعم لإقامة أنشطتهم، وبعد إخلاء عناصر القوات المسلحة للمكان بدأوا في جمع التبرعات. لم يكن المركز حينها مهيأً لأي نشاط، فلا كهرباء ولا مياه. وفي ظلّ غياب دَور وزارة الشباب والرياضة تجاه المركز، بادر الأعضاء بجمع بعض المال لشراء الأدوات اللازمة لصيانة الكهرباء والمياه، وبالجهود الذاتية تمكّنوا من إصلاح المرافق، ومن ثم بدأوا تنفيذ أنشطتهم. عندها فقط التفتت الوزارة إلى المكان، كما يشير جبلابي في حديثه لـ «أتَـر».

«كان المركزُ المكانَ الوحيد الذي يشهد نشاطاً وحركة دؤوبة، وكثفنا جهودنا فيه على نحو ملحوظ. أتذكّر أنه بمجرد دخولنا وتوفير الكهرباء ومستلزماتنا، أحدثنا فرقاً كبيراً». وكان أول منتدى استعاد نشاطه هو منتدى «صدر المحافل»، وكان ذلك بعد إخلاء الجيش ساحات المركز ومكاتبه. ومن ثم أعدنا منتدى «حسن الزبير» الشعري، وكُنّا نُنظِّم الفعاليات، وكانت تلك المنتديات تُبَثّ مباشرةً على صفحات المركز، وكثفنا نشاطنا لدرجة أن المارّ بالمنطقة كان يندهش من سماع أصوات الغناء والحديث، ليكتشف أن المكان يعج بالحياة»؛ يقول جبلابي ومن ثم يضيف: «يبدو أن البرهان خلال جولته وتحرّكاته داخل المدينة لاحظ هذا النشاط؛ ففي إحدى المرات صادف منتدى «ركن الباشكاتب»، ودخل وجلس وطلب من الحضور مواصلة نشاطهم، وبعد أن استمع إلى بعض الأغاني، سأل عمن يمكنه اطلاعه على حقيقة الأوضاع في المركز، ورفض التعامل مع الإداريين حينها».

تقدّم رئيس اللجنة المنظمة للحفل، وشرح له النواقص والاحتياجات في المركز، وأجرى معه جولة ميدانية أطلعه خلالها على الوضع الراهن، بما في ذلك وجود بعض القبور وبقايا الآثار الحربية، داخل ميدان الكرة وحوله. يقول هاشم: «في اليوم التالي فوجئنا بحضور مدير مكتب البرهان ومندوب عن منظومة الصناعات الدفاعية، وسارعا باتخاذ إجراءات عاجلة؛ إذ باشر الطبّ العدلي التعامل مع القبور، وأجرى المهندسون مسحاً شاملاً للمركز بأجهزتهم، مؤكدين خلوّه من أي مخلفات أخرى أو أخطار».

كما أعدّ مندوب منظومة الصناعات الدفاعية تقريراً مفصّلاً باحتياجات المركز، وبدأت عمليات الصيانة والتطوير على الفور. ونتيجة لذلك جرى جلب خزانين للمياه ومولد كهربائي، وتعاقدوا مع شركة لتأهيل شبكة الكهرباء، ولا تزال أعمال الصيانة مستمرة.

Scroll to Top