بدأت ملامح أزمة الوقود تتشكل بولاية الجزيرة، حيث عادت صفوف السيارات الطويلة، منذ نهاية يونيو الماضي، أمام محطات التزود بالوقود في مدينة ود مدني عاصمة الولاية، بجانب مدن الحصاحيصا والكاملين والحوش، بعد أن خفَّتْ حِدَّة أزمة الوقود منذ منتصف مايو الماضي.
ويتخوَّف مزارعون من تأثير الأزمة البالغ على سير التحضير للموسم الزراعي الصيفي، الذي تتأرجح التحضيرات له من منطقة إلى أخرى، في ظل ارتفاع أسعار الوقود، خاصة الجازولين، الذي زادت أسعاره على نحو بالغ هذا الموسم. وارتفع سعر الجالون من 20 ألف جنيه للجالون في أبريل الماضي، إلى نحو 80 ألفاً في السوق الموازي، مع توقعات باستمرار ارتفاعه مع تطاول أمد الموجة الجديدة من ندرة الوقود التي أكملت أسبوعها الثاني.
وتوقفت حركة آليات تطهير الترع والمواجر، وآليات شق (أبوعشرينات)، بسبب الأزمة في الوقود، وقال مصدر بإدارة مشروع الجزيرة لـ «أتر»، إنهم يستهدفون تطهير جل قنوات الري بالمشروع، لكن العقبة تتمثل في انعدام الجازولين لتشغيل الآليات. وقال مالك شركة حفريات لـ «أتر»، إن لديه 5 آليات من جملة 6 تعمل بمشروع الجزيرة، متوقفة عن العمل حالياً؛ لانعدام الوقود أو الارتفاع الكبير في سعره، بما يجعل التكلفة لا تتناسب وقيمة العقد الذي وقعه مع إدارة المشروع، والتي فشلت بدورها في توفير جازولين لشركته لتعمل، وكشف عن رغبته في ترك العمل، إذا استمر الوضع بما هو عليه. وارتفعت أسعار الوقود، وبوجه خاص وقود الجازولين في هذا الموسم على غير العادة، لاعتماد الآليات الزراعية عليه وحركة الترحيل التي تحوَّلت معظم السيارات العاملة فيها من البنزين للجازولين.
وارتفعت أسعار الوقود بأثر الصراع الدائر في الشرق الأوسط، لثلاثة أضعافها هذا الموسم، مقارنة بالموسم الماضي. وكان برميل الجازولين في السعر الرسمي في مثل هذا التوقيت من العام الماضي 830 ألف جنيه، بينما الآن، يتراوح بين مليونين و2.5 مليون جنيه للبرميل الواحد في السعر الموازي، بينما يمضي سعره في السوق الموازية إلى نحو 4 ملايين جنيه.
وقال عبد الرحمن محمد صالح سائق سيارة أجرة، يعمل بين الحصاحيصا وود مدني لـ «أتَر»: إنه يجد «صعوبة بالغة» في الحصول على الوقود منذ نهاية يونيو. وأضاف أنه شاهد صفوفاً طويلة أمام محطات الوقود على طول الطريق بين مدني والحصاحيصا، بجانب إغلاق كثير من محطات الوقود أبوابها؛ لعدم توفره. بينما قال صبحي الطيب الحاج، وهو سائق شاحنة تعمل في نقل المواد الغذائية بين الكاملين وعطبرة بنهر النيل، إن مدينة الكاملين تشهد أزمة في الوقود بخاصة الجازولين منذ نهاية يونيو، حيث أغلقت المحطات أبوابها لنفاد الكميات المُخزّنة فيها. ويقول صاحب محطة وقود إنه أرسل عربة (تانكر) لطلب وقود من الشركة التي يتعامل معها، منذ نهاية يونيو وإن الشركة أبلغته بانعدام الوقود، خاصة الجازولين.
وكانت الأزمة في أولها في البنزين، بيد أنها امتدت للجازولين ليصل إلى مرحلة الندرة مع ارتفاع الطلب عليه، بأثر توسع عمليات تحضير الأراضي للزراعة.
وكشفت جولة لـ «أتـر» عن ازدهار عمليات البيع في السوق الموازية؛ إذ يُباع جالون البنزين بواقع 80 ألف جنيه في السوق الموازية بالحصاحيصا و70 ألفاً بالكاملين، و60 ألفاً بمدينة ود مدني، بينما يُباع الجازولين بواقع 90 ألف جنيه للجالون في المناقل، و 70 ألفاً في الحصاحيصا، و60 ألفاً في الكاملين.
ولم يتحرك السعر الرسمي للوقود الذي يبلغ قرابة الـ40 ألف جنيه إثر هذه الأزمة. ودفعت ندرة الوقود أو انعدامه في المحطات، حيث يُباع بالسعر الرسمي، الناسَ إلى أن يلجأوا إلى السوق الموازي، والذي ترتفع فيه الأسعار على نحو بالغ، «وفي كل دقيقة هناك سعر» كما يقول أحد المتعاملين في السوق لـ «أتَـر».
ويتخوف مزارعون وأصحاب آليات زراعية من أن تُقوّض الأزمة الحالية جهودهم في إنجاح الموسم الزراعي الحالي. وقال المزارع بمكتب تورس، في قسم وادي شعير مصطفى إبراهيم لـ «أتَر»، إن أي تأخير في وصول الوقود للمحطات، سيخلق فجوة كبيرة في تحضير الأراضي الزراعية للموسم الصيفي، محذراً من أن استمرارها سيُؤدِّي إلى هزيمة الموسم قبل أن يبدأ؛ خاصة أن التحضير يعتمد على وقود الجازولين.
من جهتهم، قال ملاك آليات زراعية بوحدة المحيريبا الإدارية لـ «أتَر»، إنهم ذهبوا للمحطات للتزود بالجازولين ولم يجدوه، مُشيرين إلى تأثير ذلك على استمرار عمليات التحضير، وتوقعوا ارتفاع تكلفة تحضير الفدان الواحد من 200 إلى 350 ألف جنيه مع استمرار الندرة. وفي وحدة طابت الإدارية بمحلية الحصاحيصا، قال أصحاب مركبات لـ «أتَر»، إن أزمة كبيرة في الوقود تضرب المنطقة، ووصفوها بأنها تفوق سابقاتها في الحِدَّة، مُتوقِّعين تأثيرها البالغ على حركة التجارة والناس، التي قالوا إنها شُلَّتْ تماماً بسبب الأزمة الحالية.
وفي مكتب الفوار بقسم وادي شعير، أبلغ مزارعون «أتَر»، بزيادة في أسعار تحضير الأراضي، إذ ارتفع سعر الفدان الواحد من (الديسك هرو) إلى 175 ألف جنيه بعد أن كان في حدود 140 ألف جنيه في مايو الماضي، بينما ارتفع سعر الفتحية الأولى إلى 75 ألف جنيه بعد أن كانت بـ 60 ألف في مايو المنصرم.
ومع ارتفاع أسعار الوقود وما يترتب عليه من زيادة في أسعار تحضير الأرض لجأ المزارعون لبدائل أخرى، للحاق بالموسم الزراعي، وتحديداً زراعة محصول الذرة الذي يُعد الغذاء الأساسي للسكان في مشروع الجزيرة، وظهرت -تبعاً لذلك- محاولات كثيرة لزراعة الأراضي الزراعية دون تحضير، في ما يُسمَّى بالزراعة الصفرية. كما أن الملمح الأبرز في مشروع الجزيرة حالياً هو الاتجاه لزراعة الأراضي التي زُرعت في الموسم الشتوي الماضي بالبقوليات مثل العدسية والكبكبي، وبالذرة وفول الصويا هذا الموسم، إذ لم يمض على آخر مرةٍ حُضِّرت فيها هذه الأراضي زمنٌ طويل، ولأن هذه المحاصيل لا تستهلك مياهاً كثيرة وتُخصِّب التربة.
بينما قرر عدد كبير من المزارعين مثل علي أحمد علي، المزارع بقسم الهدى، أن لا يزرعوا المحاصيل التي تحتاج إلى تحضيرٍ كثيف مثل القطن والفول السوداني. وقال علي لـ «أتَر»، إنه يكتفي بزراعة 3 أفدنة ذرة في أرض كانت مزروعة في الموسم الماضي بالكبكبي، وهو يأمل في انصلاح الحال وتوفر الوقود ليحضر جيداً للموسم الشتوي القادم.
ومع الأزمة الكبيرة في مياه الري، زاد الطلب على الجازولين، لتشغيل طلمبات سحب المياه. ويقول معاوية علي خالد، المزارع بالقسم الشمالي لـ «أتَر»، إنه ظل يبحث عن 5 جوالين من الجازولين لري حواشته، لمدة 4 أيام، قبل أن يعثر عليها، مضطراً لشراء الجالون الواحد بواقع 85 ألف جنيه، ليلحق بالموسم، ويختم قوله بـ «الزراعة مواقيت».