أتر

مع غياب التمويل وارتفاع التكاليف: القليل البكفي ولا الكتير البِفوت

في 20 مايو 2025، أعلنت القوات المسلّحة السودانية كامل سيطرتها على ولاية الخرطوم بعد ما يزيد عن سنتين من سيطرة قوات الدعم السريع على معظم أجزائها. وفي ظِّل تواصل عودة النازحين إلى العاصمة السودانية، بحثاً عن استعادة حياتهم ومصادر دخلهم في مدينة لم تعد إلى طبيعتها بعد، وبينما يواجه كثير من الناس تحديات إعادة البناء في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة؛ أصبحت المشاريع الصغيرة خياراً رئيساً للعديد من النساء لتوفير دخل يساعدهنّ وأسرهن على الاستمرار. كيف تحاول هذه المشاريع الصمود في بيئة اقتصادية صعبة، رغم غياب الدعم الكافي وارتفاع تكاليف التشغيل؟

شغف مُثمر

غادرت فاطمة ولاية الخرطوم خشية غوائل الحرب إلى مدينة كوستي مع بداية اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، بيدَ أنّها عادت إلى أم درمان في عام 2024 قبل أن يسيطر الجيش السوداني على كامل ولاية الخرطوم، نظراً للحصار الذي أحكمته الدعم السريع حينها على ولاية النيل الأبيض من جهتي الجزيرة وشمال كردفان. عادت فاطمة إلى حي الثورة بمدينة أم درمان على أمل أن تُمهِّد بدايةً جديدة لمشروعها الصغير الذي توقّف بسبب الحرب. استأنفت عملها في بيع المعجنات والحلويات، وهو مشروع كانت قد بدأته قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب. تقول فاطمة في حديثها لـ «أتَـر»، إنّ شغفها بالطبخ كان السبب الرئيس في تمسُّكها بالمشروع قبل أن يكون البحث عن عائد مادي رغم حاجتها إليه، مُضيفةً أنّ الإقبال على منتجاتها كان جيداً، وأنها استطاعت كسب ثقة الزبائن بفضل الجودة، إلا أن الأرباح لم تكن كبيرة بسبب الارتفاع المستمر في أسعار الدقيق والزيت والغاز، وهي مواد أساسية يعتمد عليها المشروع. وتُضيف أنها اختارت عدم رفع أسعار منتجاتها على نحو بالغ حتى لا تخسر زبائنها، مُعتبرةً أنّ الحفاظ على ثقة العملاء أهم من تحقيق ربح سريع. وأوضحت أنها تعتمد على صفحتها في فيسبوك لتسويق مُنتجاتها، إضافةً إلى توصيات الزبائن الذين أصبحوا مصدراً مهماً في وصول منتجاتها إلى عملاء جدد. وفي ظلّ الغلاء الطاحن الذي يواجه سُكان العاصمة والولايات أكّدت فاطمة أنها لم تتلقَّ أي دعم من جهة حكومية أو منظمة، وأنّ أسرتها تكفلت بتوفير المعدات والمواد اللازمة للبدء بعملها؛ مُضيفةً أن من أصعب التحديات التي تواجه المشروع ارتفاع الأسعار بجانب أزمات توفر الغاز في بعض الفترات، وارتفاع مواد التغليف التي تُباع بأسعار باهظة مع صعوبة استيرادها من الخارج على الرغم من تكلفتها القليلة. ورغم الارتفاع الحاد في أسعار المواد الخام، خاصة خلال الأشهر الأخيرة، لم تراودها فكرة التوقف والعزوف عن العمل، مدفوعةً بحبها الطبخ وإيمانها بأن الاستمرار هو السبيل الوحيد للحفاظ على مشروعها وتطويره. قالت فاطمة لـ «أتَـر»، إنّ التحديات التي تواجه النساء صاحبات المشاريع الصغيرة كارتفاع التكاليف وضعف التمويل، لم تزدها إلا إصراراً على الاستمرار وتطوير مشروعها، مؤمنة بأن النجاح يبدأ بالصبر والعمل الجاد مهما كانت الظروف.

يوضح الرسم البياني الارتفاع المستمر في أسعار الدقيق والسكر وزيت الطبخ منذ فبراير 2023 إلى يونيو 2026 نتيجة تدهور سعر الصرف وارتفاع أسعار الوقود مع تسارع الزيادة منذ بداية عام 2026.

يكشف حديث فاطمة عن حجم الارتفاع الكبير في تكاليف المواد والاحتياجات الأساسية، بما في ذلك سعر أسطوانة الغاز، وهي من الاحتياجات الأساسية في عملها، فقد ارتفع سعرها من نحو 5 آلاف جنيه قبل الحرب إلى أكثر من 100 ألف جنيه حالياً، بزيادة تقارب 95 ألف جنيه. وارتفع سعر كيلو السكر من 750 جنيه إلى 6000 جنيه، وكيلو الدقيق من نحو 800 جنيه إلى 3700 جنيه. تبيّن هذه الزيادات الحادة حجم التدهور في أسعار السلع الأساسية والضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجه أصحاب المشاريع الصغيرة والسُكان بنحوٍ عام.

رحلة التكيّف بعد العودة

من أم درمان إلى الخرطوم بحري، في حي المزاد، تروي هيام عبد الله لـ «أتَـر»، وهي ربّة منزل وصاحبة مشروع لصناعة البخور والعطور النسائية السودانية التقليدية رحلتها في استئناف عملها بعد العودة من رحلة النزوح في ولاية الجزيرة عقب إعلان الجيش استعادة السيطرة على ولاية الخرطوم في مايو عام 2025، لتبدأ مشروعها الحالي معتمدة على جهودها الذاتية. تقول هيام إنّ نشاطها قبل الحرب كان يتركز في صناعة المعجنات والفطائر، غيرَ أنّها اضطرت إلى إيقافه بعد العودة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الدقيق والزيت، إلى جانب تراجع الطلب رغم استئناف الحركة التجارية وعودة الأسواق إلى العمل، وتعزو ذلك إلى ضعف عودة جميع السكان إلى أحياء بحري، وتُضيف أنّ مشروع البخور والعطور يوفر لها دخلاً مقبولاً، خاصةً عند مشاركتها في البازارات التي تُقام في المدينة. وتستشهد ببازار أُقيم في مدرسة الحرية بحي المزاد، وضم عدداً من المشاريع النسائية، شملت الإكسسوارات والعطور التقليدية، والأواني المنزلية، والملابس، والمعجنات. وتصف هيام لـ «أتَـر»، الإقبال على البازار بأنه كان جيداً نسبياً، مؤكدةً أنّ الهدف لم يكن تجارياً فحسب، لكنه حمَل أيضاً رسالة تعكس عودة النشاط والحياة إلى المدينة. كما تشير إلى تزايد إقامة هذه البازارات في بعض أحياء بحري، مستشهدةً ببازار «أسرار» في حي حلة حمد الذي يشهد، بحسب وصفها، إقبالاً جيداً.

ترى هيام أن أكبر العقبات التي تواجه مشروعها، إلى جانب العديد من المشاريع التي تعتمد على البازارات لعرض المنتجات؛ تتمثل في غياب أماكن دائمة ومُخصَّصة لاحتضان مثل هذه الأنشطة. وأوضحت أن الاعتماد على البازارات وحدها يجعل استمرارية العمل مرتبطة بمواعيد إقامتها، في ظل غياب أسواق ثابتة يمكن لأصحاب المشاريع الصغيرة عرض منتجاتهم فيها. وأضافت أن استئجار محل تجاري ليس خياراً واقعياً لمعظم أصحاب هذه المشاريع، إذ قد تصل تكلفة الإيجار إلى نحو مليون جنيه سوداني أو أكثر شهرياً، وهو مبلغ يفوق بكثير قدرة المشاريع الصغيرة وعائدها. كما أشارت إلى أنّ تنظيم البازارات يواجه تحديات أخرى، من بينها طول الوقت الذي يستغرقه تجهيز مواقع الفعاليات، إلى جانب بطء الإجراءات الإدارية المُتعلِّقة بالحصول على التصاريح من السلطات المحلية، وهو ما يُؤثّر على انتظام إقامة هذه الفعاليات ويحد من فرص التسويق والبيع. تؤكد هيام أنها بدأت مشروعها بجهدها الذاتي، ولم تتلقَّ أي دعم من جهة حكومية أو خاصة، موضحةً أنّ بعض الجهات تقدم مساعدات عينية؛ مثل الدقيق والسلال الغذائية، إضافةً إلى دعم نقدي في بعض الحالات، بيدَ أنّ هذه المساعدات لا تشمل جميع الأسر، وإنما تُمنح وفق آليات استهداف محددة.

وتتقاطع شهادة هيام مع تقارير تناولت تحديات توزيع المساعدات الإنسانية في السودان، والتي رصدت شكاوى تتعلق بعدم وصول بعض المساعدات إلى مستحقيها، واتهامات بوجود ممارسات فساد أو محسوبية في بعض مناطق التوزيع؛ إلا أن هذه الاتهامات لا تنطبق بالضرورة على جميع المنظمات أو جميع برامج الدعم، إذ تختلف آليات التنفيذ والرقابة من جهة إلى أخرى.

وفي ختام حديثها لـ «أتَـر»، ناشدت هيام السلطات المحلية والجهات المعنية بتوفير مواقع دائمة ومخصّصة لعرض منتجات أصحاب المشاريع الصغيرة، بما يُسهم في استقرار أنشطتهم وزيادة فرص وصولهم إلى الزبائن. كما دعت إلى تقديم دعم حكومي حقيقي لصاحبات المشاريع الصغيرة، من خلال المساهمة في خفض تكلفة مستلزمات الإنتاج وتوفير تسهيلات تساعدهن على مواصلة العمل في ظّل الظروف الاقتصادية الصعبة.

يكشف الرسم البياني الارتفاع الحاد في سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، في ظل التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، الأمر الذي يوضح مدى تأثير هذا الارتفاع على أسعار السلع والمواد الاستهلاكية ما يشكل ضغطاً كبيراً على استمرارية هذه المشاريع.

استراتيجيات البقاء

بعد اندلاع الحرب، اضطرت سعيدة -وهي إحدى بائعات الشاي- العاملات في المجمع الغربي بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا إلى النزوح نحو مدينة عطبرة. ورغم أنها واصلت العمل هناك، لكنّ نشاطها كان محدوداً ولم يُحقِّق لها الدخل الذي كانت تأمله حسب حديثها لـ «أتَـر». ومع استئناف الدراسة وعودتها إلى موقع عملها في الأشهر الماضية، ومع أنها لم تتلقَّ أي مساعدة من جهة حكومية أو منظمة، وتعتمد بالكامل على أرباح المشروع في تمويل عملها واستمراره؛ بدأت سعيدة تلحظ تحسناً ملموساً في حركة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والإداريين، وهو ما أدى إلى ازدهار مبيعاتها اليومية التي وصفتها بأنها «مُرْضية»، رغم الارتفاع المستمر في أسعار المواد الأساسية، وعلى رأسها السكر والشاي. وأوضحت أنها تتبع استراتيجية بسيطة للحفاظ على زبائنها في ظّل الارتفاع المستمر لأسعار السلع، إذ تعتمد سعرين مختلفين للمشروبات؛ سعراً أقل للزبائن الدائمين، وسعراً آخر للزبائن الجُدد. وتقول لـ «أتَـر»: إنّ هذه الطريقة تساعدها على الاحتفاظ بزبائنها، خاصةً أن معظمهم من طلاب الجامعة، الذين قد تؤثر زيادة الأسعار على قدرتهم الشرائية في ظّل الظروف الاقتصادية الصعبة. وتُضيف أن تكاليف العمل لا تقتصر على أسعار السكر والشاي وغيرهما من مدخلات الإنتاج، إنما تبدأ منذ مغادرتها المنزل: «أقطع يومياً قرابة 20 كيلومتراً من منطقة الكدرو إلى المجمع الغربي بجامعة السودان، متحملةً تكلفة مواصلات تقارب 17 ألف جنيه ذهاباً وإياباً ما يؤثر على أرباحي، إلى جانب مشقة التنقل اليومي وطول ساعات الرحلة”. وأوضحت أنّ الموازنة بين الحفاظ على أسعار المشروبات المناسبة للزبائن، والتعامل مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد الخام من أصعب التحديات التي تواجهها.

حدٌّ أدنى من الاستقرار

في ظَّل فقدان الوظائف لعدد كبير من المواطنين بسبب الحرب، أصبحت المشاريع الصغيرة للنساء طوق نجاة، ومصدراً أساسياً لدخل عدد كبير من الأسر. ورغم محدودية العائد، فإنها تسهم في سد جزء من الفجوة الناتجة عن ارتفاع منصرفات الأسر وتدهور الوضع الاقتصادي. ولا توفر هذه المشاريع دخلاً كافياً بالضرورة، لكنها تمثل وسيلة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في ظّل ظروفٍ مُعقدة.

ورغم تراجع معدل التضخم منذ عام 2024، فإن إفادات النساء تكشف أن هذا التحسن لم ينعكس على واقعهن الاقتصادي. لقد استمرت أسعار السلع والمواد الخام في الارتفاع، مدفوعة بتدهور سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما أجبر صاحبات المشاريع على تغيير أنشطتهن، أو تثبيت الأسعار للحفاظ على الزبائن، أو الاعتماد على جهودهن الذاتية لضمان استمرارية مشاريعهن.

Scroll to Top