أتر

أفراح بلا سلاح: كيف تحولت أعراس نهر النيل إلى مآتم؟

كان الشاب الزاكي حسن الزاكي يجلس وسط أسرته وأصدقائه في مراسم عقد قرانه بمحلية الدامر في صباح العشرين من أغسطس 2021، بينما تعالت الزغاريد وارتسمت ملامح الفرح على وجوه الحاضرين تُبشِّر ببداية حياة جديدة. لكن لحظة الفرح لم تكتمل، وخلال مراسم عقد القران أطلق أحدُ أصدقاء العريس أعيرةً ناريةً؛ ابتهاجاً بالمناسبة، فأصابت إحدى الرصاصات العريس الزاكي حسن الزاكي إصابةً قاتلة؛ ليتحوَّل بيت العرس إلى مأتم والزغاريد إلى صرخات، ويعود العريس إلى منزله داخل كفن بدلاً من أن يُزَفَّ إلى زوجته.

هزَّت الحادثة ولاية نهر النيل بأكملها وأثارت غضباً اجتماعياً واسعاً حينذاك، ورغم عفو أسرة الزاكي عن صديقه الذي أطلق الرصاصة، تبع الحادثة تفاعل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم «أفراح بلا سلاح». انطلقت بعدها بسنة حملة حملت شعار «أفراح بلا سلاح» في الولاية في محاولة لإنهاء إحدى أخطر العادات المُرتبطة بالمناسبات الاجتماعية، وهي تتبع لمبادرة دُشِّنت منذ 2017 وكانت تعمل في عدة ولايات منذ ذلك الوقت، مثل النيل الأزرق وشمال كردفان، لكن مرور السنوات أثبت أن الشعار وحده لم يكن كافياً إذ واصلت الرصاصات الطائشة طريقها نحو أجساد الأبرياء.

ثلاث رصاصات وثلاث ضحايا

مضَتْ خمسُ سنوات على حادثة الزاكي المعروف بـ «عريس الدامر»، ولا تزال الرصاصات تبحث عن ضحايا، وعادت المأساة هذه المرة على نحوٍ هو الأشدَّ قسوة. في السادس من يونيو 2026 كان الطفل أبوبكر الحسن إبراهيم الحسن ذو الاثنتي عشرة سنةً يجلس داخل صيوان أحد الأعراس عندما أطلق أحد المعازيم، والذي كان يقف خارج الصيوان، ثلاث رصاصات في الهواء تعبيراً عن الفرح، لكن إحداها اخترقت ظهر الطفل أبوبكر وخرجت من صدره.

يقول والده الحسن إبراهيم الحسن، لـ «أتَر»، بصوت يُثقله الحزن، إن ابنه لم يمكث سوى لحظات حتى فارق الحياة، ويضيف أن بعض الحاضرين كانوا يُردِّدُون «ولدك لسه حي»، لكنه كان يدرك أن ابنه قد فارق الحياة وهو بين ذراعيه. يستعيد تلك اللحظة قائلاً إن ملابسه ابتلَّتْ بدماء ابنه، وإن الألم الذي يشعر به والدٌ فقَدَ فلذة كبده، لا يُمكن وصفه بالكلمات. ورغم إيمانه بقضاء الله وقدره يوجه الحسن رسالةً واضحةً إلى المجتمع والسلطات، مُطالباً بإيقاف إطلاق النار في المناسبات، وفرض عقوبات رادعة حتى لا تعيش أسرة أخرى المأساة التي عاشها مع أسرته.

لم يكن أبوبكر الضحية الوحيدة في تلك الليلة، إذ أصيب علاء الدين أحمد الحسين، 36 عاماً، وهو أحد أقارب الطفل بطلقة نارية اخترَقَتْ رئته وكسَرَتْ ضلعين وأحدثت إصاباتٍ داخل البطن، واستدعى ذلك إجراء عمليات جراحية مُعقَّدة قبل أن يتماثل للشفاء كما وضح لـ «أتَر»، كما أُصيب شخص ثالث بإصابة طفيفة في ساقه. ورغم ذلك أعلن علاء الدين عفوه عن مطلق النار منذ اللحظة الأولى، مؤكداً أن العفو من قيم المجتمع السوداني، لكنه يقول إن هناك فرقاً بين العفو الشخصي والحق العام، ويشدد على أن الدولة مُطالَبةٌ بوضع قوانين رادعة حتى لا تتحوَّل مثل هذه الحوادث إلى مشاهد تتكرَّر في كُلِّ مناسبة.

من الشعار إلى الإجراءات

يوضح نقيب المحامين بولاية نهر النيل السر الخضر، أن إطلاق النار في المناسبات لا يَخرج عن نطاق القانون، ويخضع لأحكام قانون الأسلحة والذخيرة والمُفرقعات لسنة 1986، إضافة إلى مواد القانون الجنائي لسنة 1991، التي قد تصل إلى تهم الإخلال بالسلام العام أو القتل الخطأ أو الأذى الجسيم بحسب نتيجة الحادثة. ويشير الخضر إلى أن «السلطات تُصدر قرارات تمنع استخدام السلاح في المناسبات، إلا أن هذه القرارات تستند إلى القوانين القائمة حينها ولا يوجد قانون مستقل يحمل اسم منع إطلاق النار في المناسبات».  ويضيف: “في خواتيم 2018 ناقش البرلمان تعديلاً على قانون الأسلحة والذخيرة وأجازه رئيس الجمهورية في 2019، وأضاف التعديل فقرة للقانون تجرم إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات الاجتماعية، ونُشر في الجريدة الرسمية في العدد 1887 الصادر في 15 فبراير 2019″.

بعد تكرر الحوادث فعَّلت ولاية نهر النيل هيئة «أفراح بلا سلاح» في عام 2026، وهي مبادرة اتحادية أُسِّسَتْ عام 2023 قبل الحرب، تحت إشراف وزارة الشباب والرياضة. ويقول رئيس الهيئة محمد مختار عجول، إن دور الهيئة يتركز في التوعية والتنسيق بين المجتمع والجهات التنفيذية وليس تنفيذ العقوبات، مُشيراً إلى أن الهيئة شكَّلت مكتباً تنفيذياً يضم تسعة أعضاء ولها ممثلون في جميع محليات الولاية وتعمل على نشر لافتات التوعية وتنظيم الحملات المجتمعية وتلقي البلاغات المتعلقة بإطلاق النار والتنسيق بشأنها مع الجهات المختصة، ويضيف أن حكومة الولاية بدأت في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحدِّ من الظاهرة. وكانت رئاسة شرطة ولاية نهر النيل، قد أصدرت في مايو الماضي قراراً بحظر إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات، وذلك ضمن خطتها لتأمين عيد الأضحى. ويقضي القرار بالقبض على العريس أو ولي أمره في حال عدم التبليغ عن مُطلق النار، في محاولة لوضع حد لهذه الظاهرة التي أزهقت أرواح الأبرياء.

الرجولة بين الكلاش والبوكس

يرى الأستاذ بجامعة وادي النيل الفاضل عمر الحسين، أن انتشار إطلاق النار في المناسبات لم يعد مجرد عادة اجتماعية، إنما أصبح وسيلة للتفاخر وإظهار المكانة الاجتماعية خاصة مع انتشار التعدين الأهلي في الولاية. ويقول إن البعض أصبح يقيس الرجولة بامتلاك (سيارة بوكس) وسلاح (كلاشنيكوف)؛ وهو مفهوم يراه خطيراً على المجتمع، ويضيف: «من يريد أن يحمل السلاح  فليحمله دفاعاً عن الوطن في ساحات المعارك، فالسودان أولى به. أما تحويل الأفراح إلى ساحات لإطلاق النار فلا يُنتِجُ سوى اليتم والترمٌّل والحزن»، ويشير إلى أن الأموال التي تُهدر في شراء الذخيرة كان يمكن أن تُقدَّم هديةً للعريس أو تُساعده في بداية حياته الجديدة، بدل أن تتحول إلى سبب لفقدان إنسان.

لكن رئيس هيئة «أفراح بلا سلاح»، يرى أن المجتمع بدأ يتفاعل على نحوٍ أكبر مع المُبادرة بعد أن شاهد بنفسه حجم المآسي التي خلَّفتها الرصاصات الطائشة، مؤكداً أن نجاح المبادرة لن يتحقَّق إلا بتكاتف المجتمع مع تطبيق القانون بحزم.

منذ أن سقط العريس الزاكي حسن الزاكي برصاصة أطلقها أحد أصدقائه خلال مراسم عقد قرانه في عام 2021، وحتى رحيل الطفل أبوبكر الحسن إبراهيم الحسن في عام 2026؛ لم تكن الرصاصة تُفرِّق بين عريس وطفل أو قريب ومَدعُو. خمسُ سنواتٍ حمَلَت الشعارات والقرارات والمبادرات لكنها حملت أيضاً أناساً نحو القبور. ويبقى السؤال الذي تطرحه كُلُّ أم فقدت ابنها وكُلُّ أبٍ عاد من الفرح حاملاً جثمان طفله! كم روحاً أخرى يحتاج إليها المجتمع حتى تتحول عبارة «أفراح بلا سلاح» من شعار يُرفع في المناسبات إلى ثقافة تحمي حياة الناس.

Scroll to Top