في ما سبق، كان محمد الماحي جبر الدار، يَزرع ما لا يقل عن 1000 فدان، بالمحاصيل الزراعية المختلفة، في مشاريع الزراعة المطرية في منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان، تُساعده في ذلك تمويلات بنكية كان يتلقَّاها من بنوك مختلفة، كانت تعمل في تمويل المزارعين بالولاية، إلى جانب رؤوس أموال ومستثمرين سودانيين، كانوا يدخلون شركاء مع أصحاب المشاريع الزراعية، لكن هذا الأمر بدأ يتغيّر، مع نشوب صراع الخامس عشر من أبريل، الذي بدل حياة الناس في محلية هبيلا.
وفي منحى آخر، يقول علي حسين الوكيل، مالك لمشروع زراعي بهبيلا، وهو مُستقرٌّ منذ زمن طويل بالخرطوم، إنه لم يكن يمارس النشاط الزراعي، لكنه يُؤجِّر مشروعه لمُزارعين من المنطقة، يدخلون في شراكات مع مُموِّلين، وكان يعتمد في حياته على قيمة إيجار أرضه، ويقول لـ «أتر»: «منها اشتريت منزلاً بالخرطوم، وكنت أدفع الرسوم الدراسية لأبنائي، وأتدبَّر منها شؤون حياتي، غير أنني فقدت هذه الميزة، فلا أحد يستطيع أن يزرع، والناس في بلدي هناك، لا يملكون تكاليف زراعة أراضيهم، وبالتالي هم لا يستطيعون إيجار أراضٍ أخرى، ورؤوس الأموال التي كانت تَرفع من قيمة الأراضي، هاجرت بعيداً من منطقتنا».
وبالعودة إلى جبر الدار، فإنه على الرغم من تحسُّن الوضع الأمني كما يشير، إلا أنه غير قادر الآن على زراعة أكثر من خمسة أفدنة من الذرة، ومثلها من الفول السوداني والدخن والسمسم، لتغطية استهلاك أُسرته، فالشركاء تركوا هذا النشاط، ويقول في حديثه لـ «أتر»: «في السابق إنْ تأخر التمويل كنت أبيع جزءاً من محاصيل العام الماضي، لأدخل به تمويلَ الموسم الجديد، لكننا في العام الماضي لم نزرع بسبب الظروف الأمنية، ورغم أنها تحسَّنت حالياً، لكن ليس لدينا ما نُموِّل به زراعتنا بالطريقة القديمة، ومع ذلك لن نترك الزراعة وسنظل نزرع حتى ينصلح الحال».
بنك العناقريب
ويقول جبر الدار، إنه مع غياب البنوك وانعدام التمويل بالطرق الرسمية، ومُغادرة رأس المال الوطني للمنطقة، ظهرت بدائل جديدة، اضطر المزارعون للجوء إليها، مثلَ ما يسمى محلياً بـ «بنك العناقريب»، وأصل التسمية يرجع للذين يجلسون أمام المتاجر على أسرَّة صغيرة «عناقريب»، فيأتي إليهم المزارع حاملاً الأوراق التي تثبت ملكيته لمساحة زراعية، بينما يوجد مُحامٍ يوثق المُداينة التي تتضمن رهن الأرض بينه وبين صاحب العنقريب إذا لم يسدد صاحب المزرعة. ويقول جبر الدار إن الثابت في مثل هذه المعاملات، هو أن الألف بضعفه لمدة 4 أشهر وهي فترة كافية لوصول المحاصيل إلى مرحلة الحصاد، والجوال بجوالين، لكنه يقول إن كثيراً من المزارعين يخافون من هذا النشاط، حتى لا يفقدوا أراضيهم، خاصة في ظل الظروف المُتقلّبة، أمنياً ومناخياً.
ومنذ نوفمبر من العام الماضي، استطاعت قوات الجيش السوداني، استعادة منطقة «هبيلا» من قوات الدعم السريع، وهي المحلية المشهورة بزراعة مساحات واسعة، في مشاريع الزراعة الآلية التابعة لمؤسسة جبال النوبة الزراعية. ويأمل المزارعون هذا العام أن يتمكنوا من الزراعة، بعد موسمين لم يستطيعوا الزراعة فيهما بسبب الانفلات الأمني وغياب التمويل، لكن مزارعين كثيرين غير جبر الدار، قالوا لـ «أتر»، إن الوضع لم يعد كما كان سابقاً.
ويقول جبريل مركزو كرتكيلا، المزارع بهبيلا لـ «أتر»، إنه حتى الآن لم يصلهم أي تمويل لزراعة أراضيهم، على الرغم من أن الأمطار بدأت في التساقط، إلا أن ضيق ذات اليد، يمنعهم من تحضيرها. ويقول كرتكيلا، إنه كان قبل الحرب كان يزرع 250 فداناً، بالشراكة مع ممولين، لكنهم الآن بسبب الحرب تركوا الاستثمار في مجال الزراعة في منطقته، وهو مثل بقية المزارعين هناك لا يستطيع هذا الموسم زراعة عُشْرِ المساحة السابقة، كما يقول.
وفي السابق كانت منطقة هبيلا، تزرع أكثر من مليون فدان، زراعة آلية، بجانب 100 ألف فدان، في مساحات صغيرة يزرعها سكان المنطقة في الساحات وبالقرب من منازلهم، بحسب مسؤول بمحلية هبيلا، تحدث لـ «أتر»، طالباً حجب اسمه، لعدم تخويله بالتحدث لوسائل الإعلام، كاشفاً أنه حتى الآن لا تتعدى التحضيرات للزراعة نسبة 20% بالمحلية.
وفي أبو كرشولا، بجنوب كردفان ومنذ اندلاع الحرب، توقفت المنظمات التي كانت تمد المزارعين بالبذور عبر وزارة الزراعة والثروة الحيوانية، وترافق ذلك مع توقف نشاط البنك الزراعي بالمنطقة، وفق ما أفاد بذلك مزارعون من هناك «أتَر» وهو ما جعلهم هذا العام يواجهون صعوبات جمة في تنفيذ عمليات الحرث، حيث ارتفعت تكلفة تحضير الفدان الواحد إلى أكثر من 400 ألف جنيه، وقفز سعر برميل الجازولين من 2.2 مليون جنيه في أبريل الماضي إلى 3.5 مليون جنيه، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع مع توسع عمليات الزراعة. ومع توجه كبار المزارعين نحو الاعتماد على الآليات الحديثة في الزراعة، يلجأ صغار المزارعين مجبرين على استخدام الأدوات التقليدية، في المزارع الصغيرة والضواحي. ومع غياب عمل البنك الزراعي الذي كان في السابق يُموّل المزارعين، ويعطيهم الآليات الزراعية بالأقساط، ويشتري منهم محاصيلهم في نهاية الموسم، فقد لجأ بعضهم للتعامل مع التجار في السوق، بشروط قاسية ومُجحفة.
وتقول المزارعة بأبو كرشولا زينب حمدان لـ «أتَر»: «لا خيار أمامنا سوى اللجوء للعمل عبر النفير»، وتضيف قائلة: «لا بديل لي غير الزراعة، وسأزرع اللوبيا والويكة والفول السوداني والذرة، وأبيع ما يفيض عن حاجتي، وأدخر منها قوت عامي». وتشير إلى أن الاستعداد للزراعة هذا العام ضعيف، والأمطار لم تسقط بالمعدل المعهود حتى الآن، لكن زينب ورفاقها من المزارعين يأملون في انصلاح الوضع وأن تهطل الأمطار كما كانت في السابق، وأن يكون إنتاج هذا العام وفيراً على عكس سلفه الذي كان إنتاجه أقل بسبب شح الأمطار.
جبال النوبة
وفي المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، بإقليم جبال النوبة، ليس الوضع الزراعي بأحسن حالاً من بقية أجزاء الإقليم. ويُقِرُّ بذلك سكرتير الزراعة بـ”السلطة المدنية للسودان الجديد”، المُكوَّنة من قبل الحركة، عبد العظيم علي يعقوب، في مقابلة مع «أتَر»، قائلاً إن هنالك مشكلات جمة تعترض طريق الموسم الزراعي الحالي.
وعلى الرغم من استعدادات المزارعين للزراعة التي تمثل الحرفة الأساسية بجانب الرعي للسكان هناك، وعليها تقوم ثقافتهم الأساسية؛ فإنها محفوفة بمخاطر يقول عنها مسؤول الزراعة بالإقليم، إنها موضوعية وخارج دائرة سيطرة الحكومة المحلية هناك، وتتمثل في تذبذب الأمطار وفيضانات الأودية الناتجة عن التغيُّر المناخي، في السنوات الأخيرة.
ويشير عبد العظيم إلى ظروف أخرى ذاتية، تتمثل في غياب ميزانية لدعم المزارعين من قبل حكومة الإقليم، ويقول إنه في ظل غياب الدعم، لعدم توفر الموارد فإن عملهم في إدارة الزراعة، يقتصر على تقديم الإرشاد الزراعي وتوجيه المزارعين فقط، وقال: «ليس لدينا ما نقدمه لهم». ويشتكي عبد العظيم من غياب المؤسسات الداعمة والمُموِّلة للمزارعين، ونوه إلى أن المزارعين يعتمدون بنحوٍ كليٍّ على جهودهم الذاتية في زراعة أجزاء قليلة من أراضيهم الزراعية.
ويقول إن توقف المنظمات عن الدعومات البسيطة التي كانت تقدمها وتتمثل في توفير التقاوي، وصيانة الوابورات بسبب السياسات الاقتصادية الأمريكية، ما أدى إلى تدهور حياة المزارعين، ويزيد من ذلك التوترات الأمنية بالإقليم.
وأقرّ بتردي الأوضاع الأمنية بالإقليم، على خلفية النزاعات القبلية، وتداعيات حرب الخامس عشر من أبريل، بجانب عمليات القصف الجوي التي تستهدف حتى المزارعين في مزارعهم، معتبراً إياها عوامل، تُسهم في تقليل المساحات الزراعية بما يؤثر على الأمن الغذائي للمواطنين.
إلا أن عبد العظيم يعود ليقول إن المزارعين سيزرعون أراضيهم تحت كل الظروف، وإنهم في حال تركوا الزراعة سيواجهون خطر الموت بالجوع والسلاح، في آنٍ واحد. لكنه يقول أيضاً إن الزراعة ستقتصر على مساحات صغيرة جداً، وجباريك خاصة بالأسر، ويصعب زراعة مساحات واسعة، في الوقت الحالي، لقلة الدعم وارتفاع مدخلات الإنتاج والوضع الأمني.
وفي دلامي بجنوب كردفان يقول المزارع، نورين عبد الباسط لـ «أتر»، إن هذا العام، بدأ موسم الأمطار فيه بنحو وصفه بالجيد على عكس العام السابق، لكنه يشبه سلفه، من نواحي ضعف الإعداد للزارعة، بسبب انعدام الوقود بالولاية، خاصةً الجازولين الذي يعد مدخلاً أساسياً من مدخلات الموسم الزراعي. ويقول عبد الباسط لـ «أتر»، إن سعر برميل الجازولين وصل في المنطقة إلى أكثر من 5 ملايين جنيه، مقارنة بمليونَين في العام الماضي. ومع استمرار إغلاق الطرق، لا يزال عبد الباسط ورفاقه من المزارعين، غير قادرين على بيع محاصيل العام الماضي، إذ تتدنى الأسعار على نحوٍ حاد، ما يجعل الاعتماد عليها لتمويل الموسم الجديد أمراً صعباً، وفي السابق كان التمويل يجري عبر البنوك أو الجمعيات الزراعية، وهو ما أدت الحرب إلى توقفه تماماً.
تمسك بالأرض والزراعة
وفي ولاية غرب كردفان، التي تقع تحت سيطرة قوات تحالف تأسيس، فقد كشف مزارعون في المُجلد وبابنوسة والفولة والنهود، لـ «أتَر»، عن معاناة كبيرة يشهدونها مع استمرار سيطرة الدعم السريع على مناطقهم. ويقول المزارع بالفولة الساري بلة، إن المزارعين بالمنطقة عزفوا عن زراعة أراضيهم بسبب ارتفاع تكاليف تحضير الأرض والمدخلات الزراعية. ويقول الساري إن الناس هناك، لم يصلوا إلى مرحلة التفكير في الزراعة، لأنهم لا يزالون يفكرون في الطريقة التي يقضون بها يومهم، ويلفت إلى أن المساحات التي تُزرع الآن هي مساحات صغيرة حول القرى، وهي مساحات يسهل الوصول إليها، ولكن المساحات الأكبر والتي تقع بعيداً من القرى لا يمكن الوصول إليها، إذ إن ذلك يُعد من أبواب الذهاب إلى المهالك، كما يقول الساري.
وفي غرب كردفان نفسها، يقول الناطق الرسمي باسم غرف طوارئ دار حمر والنهود، سليمان أبوحميدة، لـ «أتَر»، إن أسعار الوقود المرتفعة وانعدام الأمن وغياب أيِّ شكل من أشكال الدعم للمزارعين، تشكّل أسباباً رئيسة تجعل الموسم الزراعي بالولاية يبدو فاشلاً حتى قبل أن يبدأ. وأشار سليمان إلى لجوء المزارعين للحرث اليدوي، عن طريق الحيوانات، ومع أنه يقلل تكلفة الزراعة، إلا أنه يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، ولا يصلح لزراعة المساحات الكبيرة. ويقول أبو حميدة إن المزارعين لجأوا إلى هذا الخيار «مجبرين» لعدم توفر الوقود للآليات، للحد الذي جعل بعض المزارعين يستخدمون زيوت الطعام بعد معالجتها لتشغيل الوابورات، ما يؤدي لتعطلها.
وقال أبو حميد إن ابتكار البدائل مع عدم نجاعته إلا أنه يدل على ارتباط المزارعين بالأرض، وبالزراعة التي هي حرفة الحياة عندهم بجانب الرعي، وذلك على الرغم من الظروف الأمنية المتردية، ويضيف: «الناس هناك يزرعون بالمتاح ويصمدون في أراضيهم رغم واقع حالهم القاسي».
وفي ظل غياب الدعم المالي والعيني للمزارعين، يكشف أبو حميدة عن ظهور أشكال للتمويل كانت تاريخياً موجودة لكنها، تلاشت مع ظهور البنوك وشركات التمويل الأصغر التي توقفت بسبب الحرب، ويشير إلى ظهور أنماط تقليدية مثل «الشيل» وهي صيغة يمول فيها التاجرُ المزارعَ بضمانة المحصول أو الأرض.
وفي وقت يجب فيه أن يذهب المزارع لمزرعته، بطبيعة الحال، لينتج لنفسه والآخرين، فإن ذهابه الآن، بات كمن يسعى لحتفه بقدميه. وقد وثقت غرفة طوارئ دار حمر حادثةَ استهداف أحد أفراد الدعم السريع أُسرَةً مزارعة، بعد أن رفضت تسليم جوال تقاوي فول سوداني، للقائد بالدعم السريع، في 7 يونيو بمنطقة حاج سليمان بمحلية ود بندة بولاية غرب كردفان، ما أدى لمقتل رب الأسرة واثنين من أبنائه.
وقبل سيطرة الدعم السريع، على الولاية كانت تزرع في الموسم الزراعي الواحد قرابة الـ 9 ملايين فدان بالمحاصيل المختلفة وعلى رأسها الفول السوداني والذرة والسمسم والبطيخ والكركديه واللوبيا بأنواعها. يقول المزارع الساري، إنه بمشاهداته وما يسمعه من حكايات من أهله في مناطق مختلفة، فإن مزارعي الولاية لن يزرعوا هذا الموسم عُشْرَ ما كانوا يُزرعونه في السابق.
التجنيد بدلاً من الزراعة
وقال الهادي ود القارح المزارع بإحدى القرى التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان لـ «أتَر»، إن حكومة تأسيس، لا تدعم الموسم الزراعي، وإن القوات التابعة لها، تنهب جرارات المزارعين وتقاويهم، وتُجبر أبناء المزارعين الذين كانوا يساعدون أهلهم في زراعة أراضيهم، على الانخراط في مجموعاتها المقاتلة، وقال إن «سياسة تأسيس حالياً هي تنفير الناس من الزراعة، لعدام جدواها الاقتصادية، واختيار الانضمام بدلاً عنها إلى المجموعات الحربية، لأن المشاركة في الحرب حالياً تضمن أموالاً أكثر من الزراعة».
ود القارح الذي سيمر عليه هذا العام وهو لا يستطيع أن يزرع للموسم الثاني على التوالي، يقول لـ «أتَر»، إنه كان يمتلك تراكتورين بكامل ملحقاتهما الزراعية، وقد نُهِبا العام الماضي، وهو الآن نازح بمحلية المناقل بولاية الجزيرة، التي قال إنه وصل إليها بشق الأنفس.
ويسخر من أي حديث عن الموسم الزراعي، في ظل ما يقول إنه انعدام كامل للأمن، وغياب أبسطِ مقومات الحياة في ولايته، ويقول: «من الذي سيزرع ومجتمعات كاملة نزحت عن غرب كردفان وتركت أراضيها؟»، ويضيف: «كيف يزرع الناس، وهم يضطرون للنزوح، حفاظاً على أرواحهم، وتفادياً لإجبار أبنائهم على المشاركة في الحرب، ضمن قوات تحالف تأسيس»، التي قال إنها «بدلاً من أن تدعم الشباب ليزرعوا، تجبرهم على الانخراط في صفوفها وتزج بهم في العمليات العسكرية، بلا أدنى خبرة لهم في ذلك»، ويضيف قائلاً: «لدى جاري ثلاثة أبناء، أجبروا على المشاركة في القتال، وهو السبب الذي دعاني للفرار بأبنائي، تاركاً أرضي خلفي». ويجمل قائلاً: «الآن لا يوجد تمويل للمزارعين، ولا توجد ماكينات لحرث الأرض فقد نُهبت جميعها، ولا يوجد أدنى حد من الأمن، إذ إن ذهابك إلى الزراعة كفيل بفقدانك لحياتك، وهناك من زرع الموسم الماضي بصعوبة، لكنه لم يجد طريقة لتسويق محصوله لأن الطرق مغلقة والأسواق المحلية ممتلئة بالمعروض، واضطر الناس لترك محاصيلهم في منازلهم أو في الحقول، وفي النهاية نُهبت منهم بواسطة قوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معها».
ويُباع الجالون الواحد من الجازولين في غرب كردفان بما يتراوح بين 70 و75 ألف جنيه، بينما تنعدم بصورة كلية في أسواق الولاية الأسمدة والمبيدات والتقاوي المُحسنة، ما جعل المزارعين الذين يزرعون مساحات صغيرة حول القرى والبلدات، يضطرون إلى الاعتماد على التحضير اليدوي واستخدام تقاوي تقليدية، مخزنة من الأعوام الماضية. ويقول ود القارح: «لو أن مسؤولاً زارنا وقدم لنا دعماً، فليرفع يده».
الحرث بالخيول
وفي ولاية شمال كردفان، بمحلية أم روابة، التي شهدت سيطرة الدعم السريع لقرابة السنة، ثم استعادة الجيش لأراضيها، يشهد الوضع الزراعي تحسناً يسيراً، إذ إن الناس يزرعون، في المناطق التي انحسر عنها شبح العمليات العسكرية التي كانت سبباً في ترك المزارعين للزراعة في الموسمين الماضيين.
ويقول المزارع بالزراعة المطرية في أم روابة حسين منوفلي، إن هذا العام يشهد استعداداً كبيراً من قِبَلِ المزارعين لزراعة أراضيهم، على عكس المواسم السابقة التي كانت فيها المنطقة مسرحاً للعمليات الحربية. منوفلي الذي تحدث لـ «أتَر»، قال إن عمليات النزوح الكبيرة من ولايتي غرب وجنوب كردفان، نحو منطقته، جعلت الناس يقبلون على زراعة حتى المساحات التي كانت لا تُزرع في السابق، والتي يزرعها حالياً النازحون من الولايتين.
وفي وقت يشير فيه منوفلي، لتجهيز المزارعين لأراضيهم مبكراً، وإقبالهم على الزراعة، إلا أن شح الوقود، يهزم جهودهم لزراعة أكبر مساحة ممكنة، ويقول: «الندرة في الوقود وارتفاع أسعاره، جعلانا نرجع للحرث بالخيول وهي حيلة قديمة، ألجأتنا إليها ظروف الحاضر بعد أن فارقناها سنين عدداً». ويقول: «هي فكرة قديمة، هدفنا بها استمرار النشاط الزراعي، ودوران عجلة الإنتاج، وهي تغطي كثيراً من متطلبات هذه المرحلة، ولن ننتظر، سوف نفعل شيئاً من أجل أنفسنا والسودان كله».
ويقول منوفلي إن الأسمدة والمبيدات وافرة، بيد أنها باهظة الثمن، إذ يباع الجوال الواحد من سماد (الداب) بـ 390 ألف جنيه، وجوال اليوريا بـ 280 ألف جنيه. ويشير أيضاً إلى توفر العمالة الزراعية، لأن كثيراً من النازحين بالولاية انخرطوا في النشاط الزراعي، ويقول: «توجد بالولاية حالياً عمالة يمكنها أن تزرع آلاف الأميال»، مشيراً إلى الوفرة في آليات التحضير، لكن العقبة في الوقود.
ولا يخفي منوفلي، تفاؤله بنجاح هذا العام، مقارنة بالأعوام السابقة، ويقول: «الأمن مستتب، وما عداه يمكن حله». ويقول: «زرعنا في أشد الأعوام صعوبة، وحافظنا على غذائنا أيام الاشتباكات في المنطقة، وكنا نزرع حتى بالقرب من منازلنا، والآن مستعدون لخوض تجارب جديدة في الزراعة، في ظل الأمن»، نافياً بشدة أن يكون قد وصلهم أي نوع من الدعم، حكومياً اتحادياً أو ولائياً، وإنهم يجتهدون الآن لتمويل زراعتهم ذاتياً، مستفيدين من توفر الأمن فقط.
وقال مسؤول بقطاع الزراعة في محلية شيكان، بولاية شمال كردفان، طلب حجب اسمه، إن المحلية زرعت في العام الماضي أكثر من 820 ألف فدان، لكنها مع الظروف الأمنية الحالية، فإنها لن تتمكن من زراعة أكثر من 100 ألف فدان، لكون المزارعين لن يتمكنوا من الوصول لأغلب المساحات الزراعية بالمحلية، فهي إما تقع خارج سيطرة حكومة الولاية أو أنها مناطق عمليات نشطة.
وبالقرب من الأبيض، عاصمة الولاية، فإن مزارعين من المناطق الواقعة غرب الأبيض، هجروا منازلهم وتركوا الزراعة بسبب النشاط العسكري المتزايد هناك، ومنعت قوات الدعم السريع التي تسيطر على مناطقهم، المزارعين من الذهاب لأراضيهم. وقال أحمد سليمان المزارع بغرب الأبيض والنازح إليها حالياً: «مُنعنا من زراعة أراضينا، والذي دعانا للنزوح ليس الخوف من الموت بالسلاح، إنما الجوع والحصار، فكنا لا نستطيع الذهاب لمزارعنا، وكنا نزرع في محيط المنازل، وحتى هذا النشاط البسيط مُنعنا منه»، وأضاف قائلاً: «جُوِّعنا لنترك منازلنا ومزارعنا».



