في سوق المناقل، يقف موظف حكومي أمام بائع السلع الأساسية، يراجع ما تبقى من راتبه، ثم يعيد ترتيب احتياجات أسرته وفق ما تسمح به قدرته الشرائية المتآكلة، أسعار الخبز والزيت ارتفعت، وتعرفة المواصلات تضاعفت، والإيجار أصبح يقتطع نصيباً أكبر من الدخل، بينما تتضاءل قيمة الأجور أمام موجة أسعار تتسع كلّ يوم. هذا المشهد يختصر قصّة الاقتصاد السوداني.
على وقع هذه الهموم اليومية الجاثية على ظهر المواطن السوداني، جرى لقاء على تلفزيون السودان لوزير المالية والتخطيط الاقتصادي، الدكتور جبريل إبراهيم، في 5 يوليو الجاري، ليشرح اقتصاداً يعمل تحت ضغط الحرب، وتراجُع الإنتاج، وانكماش الإيرادات، وتعطُّل التجارة، وارتفاع تكلفة تمويل الجيش والخدمات. اتّسم تشخيص الوزير بقدر كبير من الواقعية، ووضع الأزمة داخل سياقها السياسي والعسكري والمالي. والمواطن الذي يستمع إلى هذا التشخيص يعرف سلفاً كثيراً من هذه الأسباب؛ وقد أخبره بها السوق وراتبه وفاتورة الكهرباء، وكان ينتظر من وزارة المالية إجابة أخرى تتَّصل بالفعل: ما الخطة التي تُوقف تراجع الجنيه؟ وما الأدوات التي تُخفّف الأسعار؟ وكيف تتحوّل موارد الذهب والصادرات والضرائب إلى خدمات واستقرار اقتصادي؟.
الفجوة بين التفسير والمسؤولية
عند بداية الحرب، في عام 2023، كان سعر الدولار نحو 600 جنيه سوداني، وارتفع تدريجياً حتى وصل حالياً إلى 5,200 جنيه، بزيادة بلغت 4,600 جنيه للدولار، أي نحو 766.7%، بينما فقد الجنيه قرابة 88.5% من قيمته أمام العملة الأمريكية. هذه الأرقام تضع السياسة المالية أمام نتيجة واضحة؛ وهي أن تبعات هذا الانهيار الواسع في قيمة الجنيه قد وقعت على الناس، وانتقلت كُلفته مُباشرةً إلى الغذاء والنقل والسكن والخدمات ومدخلات الإنتاج، بينما بقيت دخول المواطنين والأجور عاجزة عن ملاحقة الأسعار.
ربَط وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم هذا التدهور بتراجُع الإنتاج والصادرات، وتعطُّل التجارة، وانخفاض تدفّقات النقد الأجنبي، وارتفاع الطلب على الدولار، والمضاربة، واتساع الالتزامات العسكرية والأمنية والخدمية. يشرح هذا التشخيصُ البيئةَ التي تحرَّك فيها سعر الصرف، لكنه يُهمل جانباً أساسياً يتعلّق بدَور وزارة المالية نفسها في توسيع الاختلال، خاصة عبر التمويل بالعجز، وزيادة الكتلة النقدية، وضعف التنسيق مع بنك السودان، واستمرار الرسوم والجبايات التي رفعت تكاليف الإنتاج والتجارة.
وَصْفُ الأزمةِ بأنها «حرب اقتصادية شرسة» يفسِّر جزءاً من الضغوط، إلا أنّ تكرار هذا التفسير ينقل مركز النقاش من محاسبة السياسات إلى تعداد القيود. لقد فعلت الحرب بالاقتصاد ما فعلت، بينما بقيت مسؤولية الوزارة قائمة في تحديد طريقة تمويل العجز، وترتيب الأولويات، وحماية القطاعات المنتجة، وضبط الإنفاق، واستعادة حصائل الصادرات. صحيح أنّ تدهوراً بهذا الحجم يعكس صدمة الحرب، لكنه يعكس أيضاً ضعف الأدوات التي استُخدمت لاحتوائها.
قال الوزير إنّ تقديرات الحكومة كانت تشير إلى تجاوز سعر الصرف 10,000 جنيه سوداني للدولار بنهاية عام 2025. وقد تجاوز السعر 6,000 جنيه قبل أن ينخفض إلى نحو 5,200 جنيه. وأشار الوزير إلى أنهم قد نجحوا في تحقيق هذا الانخفاض بفعل الجهود الحكومية، نافياً وجود وديعة خارجية وراء هذا التراجع. وهو يقدّم هذا النجاح بوصفه تجنباً لانهيار أكبر، ويحوِّل السعر المتوقع إلى معيار للإنجاز، مع أن السعر الفعلي بقي أعلى بأكثر من ثمانية أضعاف مقارنة ببداية الحرب.
إنّ الانخفاض من أكثر من 6,000 جنيه إلى 5,200 جنيه يمثل تصحيحاً محدوداً داخل مسار انهياري طويل، ولا يُقدّم وحده دليلاً على استقرار العملة أو نجاح السياسات الاقتصادية. يَحتاج النجاح الاقتصادي إلى اتجاه مستدام، وارتفاع في تدفقات النقد الأجنبي، وتراجُع في التضخم، وتحسّن في قدرة المصارف على تمويل التجارة، وانخفاض في الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي. وفي غياب هذه المؤشرات، يبدو ذلك الانخفاض في السعر أقرب إلى حركة مؤقتة في سوق مضطرب.
كما أن نفي وجود وديعة خارجية يضع الإجراءات المحلية عاملاً أساسياً وراء التحسّن، وإن لم تنشر وزارة المالية بَعد بياناتٍ تفصيلية عن هذه الإجراءات، قالت السيدة محافظ بنك السودان المركزي: إنّ حجم الدرهم الإماراتي الذي ضُخّ داخل القنوات الرسمية قد بلغ 400 مليون درهم. لكن من دون الأرقام والبيانات الخاصة بكمّيات الذهب المُشتراة والمُصدّرة، وقيمة حصائل الصادرات، وحجم التدخُّل في السوق، ومصادر تمويل الواردات، وأثر التمويل بالعجز على الكتلة النقدية، يبقى حديث النجاح ادّعاءً سياسياً يصعب اختباره اقتصادياً، بينما تظلّ النتيجة الظاهرة أمام المواطن هي جنيه فقد معظم قيمته وأسعار تجاوزت قدرة الدخل على الاحتمال.
| الفترة | تاريخ الرصد | سعر الدولار بالجنيه السوداني | التغيّر عن الفترة السابقة | نسبة التغيّر |
|---|---|---|---|---|
| النصف الأول 2022 | 2022-03-08 | 570 | ||
| النصف الثاني 2022 | 2022-12-31 | 580 | 10 | % 1.8 |
| النصف الأول 2023 | 2023-04-15 | 600 | 20 | % 3.4 |
| النصف الثاني 2023 | 2023-12-31 | 1,100 | 500 | % 83.3 |
| النصف الأول 2024 | 2024-07-10 | 2,100 | 1,000 | % 90.9 |
| النصف الثاني 2024 | 2024-12-31 | 2,480 | 380 | % 18.1 |
| النصف الأول 2025 | 2025-06-11 | 2,760 | 280 | % 11.3 |
| النصف الثاني 2025 | 2025-11-27 | 3,595 | 835 | % 30.3 |
| النصف الأول 2026 | 2026-06-25 | 5,200 | 1,605 | % 44.6 |
جدول يوضح ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السوداني
متحدّثاً لـ «أتَـر»؛ يقرأ محلّل الأسواق المالية العالمية، هاني أبو عاقلة، هذه السلسلة بوصفها «أزمة ثقة وسيولة ونقد أجنبي في وقت واحد، إذ تتوسّع المضاربة وتعجز القنوات الرسمية عن تلبية الطلب، بينما يتوقع المتعاملون مزيداً من التراجع». ويرى أبو عاقلة أنّ المعالجة المستدامة تبدأ بزيادة العرض الرسمي من العملات الأجنبية، وتسريع التحويلات، ورفع كفاءة المصارف، وتوفير أدوات دفع موثوقة للمستوردين، منبهاً إلى أنّ «خطاب الوزير قد ذكر الأهداف العامة، وغابت عنه تفاصيل التنسيق مع بنك السودان في إدارة السيولة والائتمان، فالحكومة ما زالت تموّل منصرفاتها بطباعة المزيد من العملة، ما يعني أنّ وزارة المالية مسؤولة عن قدر كبير من فقدان العملة قيمتها، لأنها تموِّل المجهود الحربي بالعجز، وهو البند الأكبر في الميزانية حسب ترتيب أولويات الوزير».
أراد الوزير أن يقول للمواطن، إنّ قدرة الحكومة على تغيير الواقع محدودة تحت الحرب. هذه صراحة محمودة، إلا أنّ الاكتفاء بشرح القيود يبعث برسالة قاسية مضمونها أنّ الدولة تملك تفسيراً لمعاناة الناس، لكنها تفتقر إلى عمل واضح لتخفيفها. تبدأ وظيفة وزارة المالية بتصميم بدائل عملية، بينما قدَّم اللقاء أسباب الأزمة أكثر مما قدّم أدوات التدخّل.
ما يحتاج إليه الاقتصاد
وضَع د. جبريل إبراهيم الذهب في قلب معالجة أزمة سعر الصرف، عبر شراء أكبر كمية ممكنة وإدخالها في القنوات الرسمية وتوجيه حصائل التصدير لتمويل الواردات الأساسية. تنطلق هذه الفكرة من حقيقةٍ عمليةٍ داخل اقتصاد الحرب: الذهب مورد قابل للتسييل السريع، وإنتاجه يمنح الدولة فرصة الحصول على النقد الأجنبي عندما تتراجع صادرات أخرى. ومن شأن تحويل الذهب من نشاط موزَّع بين التهريب والسوق الموازي إلى مورد رسمي أن يُخفّف الضغط على الدولار ويدعم تمويل السلع الأساسية.
تبدأ المشكلة عند آلية الشراء، إذ إنّ المُنتِجَ والتاجر يُقارنان بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وبين سرعة السداد وحرية استخدام العائد واستقرار القواعد. إنّ أيّ فجوة في هذه العناصر تدفع الذهب نحو قنوات تحقّق سعراً أعلى أو تسويةً أسرع، لأنّ نجاح سياسة الذهب يحتاج إلى سعر شراء منافس، وتمويل متاح للمشترين الرسميين، وضمانات للسداد، ومَصافٍ مُعتمدة ورقابة على الحدود، واتفاقات تصدير واضحة، وشفافية في استخدام الحصائل. لقد أوضح الوزير وظيفة الذهب في السياسة الاقتصادية، بينما بقيت طريقة تحويله إلى احتياطي أو تدفق مستقر للنقد الأجنبي بلا شرح كافٍ.
إنّ رَبْط الذهب باستقرار الصرف يضع النظام المصرفي أمام اختبار تنفيذي: تحتاج المصارف إلى سيولة بالعملة المحلية لشراء الإنتاج، وتحتاج إلى حسابات خارجية قادرة على استقبال الحصائل، وتحتاج إلى ثقة المصدّرين في استرداد أموالهم، وأيّ تأخير في السداد، أو تقييد للعائد، يُعيد السوق الموازي إلى الواجهة. كذلك يحتاج توجيه حصائل الذهب نحو الواردات الأساسية إلى معايير معلنة لاختيار السلع والشركات، لأنّ غياب الشفافية يفتح باب التركّز والامتيازات ويؤثر في المنافسة.
ولا يَخلو الاعتماد الكبير على الذهب من المخاطرة. في حديث لـ «أتَـر»، يصف عميد كلية الاقتصاد بجامعة الرباط الوطني، الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، هذا الاعتماد بأنه «إدارة لمورد أوّلي شديدِ الحساسية للأسعار والتهريب، بينما يحتاج الاقتصاد إلى قاعدة إنتاج متنوّعة، دورة (ذهب مقابل واردات) تخفّف أزمة اليوم وتؤجّل التحوّل الإنتاجي». وينبّه إلى أنّ دعوة الوزير إلى التصنيع والتعبئة وبناء علامات سودانية تحتاج إلى كهرباء وتمويل ونقل وحوافز مستقرة حتى تنتقل «من الخِطَاب إلى المصانع».
لمن يوجّه الوزير اعتراضه؟
انتقد الوزير قرار حظر 46 سلعة، وطرَح بديلاً يقوم على فَرْض ضرائب ورسوم إضافية، انطلاقاً من أنّ المنع يوسّع التهريب ويحرم الخزانة من الإيرادات. يستند هذا النقد إلى منطق اقتصادي واضح: يخلق الحظر ندرة مصطنعة، ويرفع السعر المحلي؛ ويمنح المهرّبين هامش ربح مرتفعاً، وبذا ينقل التجارة من الجمارك إلى المسارات غير الرسمية. بينما قد تساهم الرسوم المرتفعة في تقليل الطلب وتوفر إيراداً للدولة، وتُبقي السلعة داخل النظام التجاري الخاضع للرقابة.
تفتح قوة هذه الحجة الاقتصادية سؤالاً سياسياً مباشراً: لمن يوجّه وزير المالية هذا النقد؟ لقد صدر قرار حظر السلع عن حكومة يعمل في ظلّها، وهو نفسه أكّد أن قرارات مجلس الوزراء جماعية، وأن جميع الأعضاء يلتزمون بها. إذا كان الحظر يضرّ الإيرادات ويفتح قنوات التهريب، أليس من مسؤولية وزير المالية والتخطيط الاقتصادي تقديم اعتراضه داخل المجلس، وتسجيل البديل المالي، والدفع نحو تعديل القرار، ثمّ شرح ما حدث للرأي العام؟ إنّ عرض الاعتراض بعد صدور القرار يضع المواطن أمام خلاف داخل أروقة مجلس الوزراء من دون نتيجة تنفيذية موحّدة، والاكتفاء بالاعتراض يترك السوق على حاله. المطلوب أن يوضح الوزير حجم الإيرادات التي خسرتها الدولة بسبب الحظر، وأثر القرار على الأسعار، والسلع التي تحوّلت إلى التهريب، والتعديل الذي اقترحته الوزارة، والجهة التي عطّلت المراجعة. الحكومة الجماعية تحتاج إلى مسؤولية جماعية، كما تحتاج إلى أثر واضح للاختلاف الداخلي، وبقاء القرار قائماً مع استمرار الوزير في نقده يحوّل الخلاف إلى شهادة على ضعف التنسيق، ويجعل المواطن يسأل عن الجهة التي تملك القرار الاقتصادي فعلياً.
ينظر الدكتور إبراهيم عبد الرحمن إلى الحظر من زاوية السوق والسيولة، قائلاً إنه ينشئ تجارة نقدية خارج المصارف، وطلباً أكبر على العملات في السوق الموازية، ويُهدر الرسوم الجمركية والضريبية: «بذلك ينتقل العبء سريعاً إلى الأُسَر عبر الندرة وارتفاع الأسعار». ويرى أنّ القضية يجب أنْ تُربط بكفاءة الدولة «فالسياسة التجارية تحتاج إلى هدف واضح وأداة تتناسب معه، بينما يعكس الحظر الواسع إدارة إدارية للاقتصاد أكثر من إدارة قائمة على الحوافز والبيانات».
من يملك الحل؟
أوضح وزير المالية أنّ تقييم المجلس الأعلى للأجور في عام 2021 أظهر أن راتب الموظف كان يغطي احتياجات ثلاثة أيام فقط، قبل أن تَرفع الوزارة قوته الشرائية إلى مستوى يكفي قرابة اثني عشر يوماً. جاءت موجة التضخّم وتراجُع قيمة الجنيه لتلتهم جزءاً كبيراً من تلك الزيادة، فعاد الراتب إلى فقدان قدرته على تغطية الاحتياجات الأساسية.
يحمل هذا التصريح اعترافاً بأنّ قيمة الأجر تُقاس بحجم السلع والخدمات التي يستطيع شراءها، وأن الزيادة الاسمية تفقد أثرها عندما تتحرّك الأسعار وسعر الصرف بوتيرة أسرع. وحتى المستوى الذي قدّمه الوزير، بوصفه تحسّناً، ظلّ عاجزاً عن تغطية احتياجات الشهر، إذ بقي الموظف أمام فجوة معيشية تمتد إلى نحو ثمانية عشر يوماً. وبدا حديث الوزير أقرب إلى إبلاغ المواطنين بحجم الأزمة منه إلى تقديم معالجة لها، وكأنه يقول لهم: هذه هي المشكلة التي تواجه أجوركم، ولا أملك حلاً يحميها من التضخم وتراجع قيمة الجنيه.
تكشف حسابات الدراسة التقديرية التي أجرتها لجنة المعلمين، ونشرت خلاصتها في 29 يونيو الماضي، حجمَ التآكل الذي أصاب الأجور من زاويتين: تَراجُع قيمتها أمام العملات الأجنبية، واتساع الفجوة بينها وتكلفة المعيشة. وتُظهر الدراسة أن تكلفة المعيشة الشهرية لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد في ولاية الخرطوم بلغت 3,435,000 جنيه، وتشمل الإيجار والغذاء والمواصلات والكهرباء وغاز الطهي والتعليم والعلاج والكسوة، دون النفقات الطارئة أو الكمالية. ووفقاً للدراسة، يغطي راتب معلم في الدرجة الثالثة، بعد أكثر من عشرين عاماً في الخدمة، نحو 4.2% فقط من احتياجات أسرته الشهرية، بينما يغطي أعلى راتب في السلم نحو 6.6% من إجمالي تكلفة المعيشة، ويغطي راتب مدخل الخدمة نحو 2.4% فقط. وحتى الحدّ الأدنى للأجور الذي اقترحته اللجنة عند 313,500 جنيه لا يغطي سوى نحو 9.1% من تكلفة المعيشة المقدرة.
يقول المعلّم خالد المحبوب (من الولاية الشمالية)، لــ «أتَـر»: إنّ استمرار هذه الفجوة سيدفع كثيراً من المعلمين إلى هجْر مهنة التعليم والبحث عن أعمال أخرى توفر دخلاً أعلى، ما يُهدّد استقرار العملية التعليمية ويزيد نقص الكوادر داخل المدارس. ويؤكّد أن مهمة المعلّمين والنقابات تتمثل في كشف حجم الأزمة والدفاع عن حقوق العاملين، قائلاً: «ليس من مهامّنا إيجاد الحلول للحكومة، وليس من مهامّنا البحث عن تبريرات لعجزها عن حماية الأجور».
دعم الكهرباء والإنفاق الحربي
كشف وزير المالية أنّ الدولة تدفع نحو 50 مليار جنيه شهرياً لدعم الكهرباء. يعكس الرقم عبئاً كبيراً على الخزانة، ويكشف في الوقت ذاته أهمية الكهرباء للإنتاج والخدمات والحياة اليومية، لكنه يظلّ تجريداً من دون بيان تكلفة التوليد، ونسبة الفاقد، وحجم التحصيل، وتوزيع الدعم بين الأسر والمصانع والمؤسسات الحكومية، ومصدر تمويل الخمسين ملياراً.
تصف الاقتصادية في البنك الدولي، الدكتورة زحل النور دعم الكهرباء بأنه «أداةُ حمايةٍ اجتماعية وإنتاجية، وتحتاج إلى استهداف أكثر كفاءة». وتربط زحل الإصلاح بالتحصيل والفاقد والصيانة والاستثمار، قائلة: «تقديم رقم الإنفاق وحده يحوِّل الدعم إلى عبء معلن، مع غياب قياس العائد الاقتصادي».
وقد صرّح وزير المالية في لقائه بأنّ الإنفاق على الحرب يجب أن يكون سخيّاً. يعبّر هذا التصريح عن ترتيب واضح للأولويات، يحتلّ فيه «حسم الحرب» موقعَ الشرط السابق لعودة الإنتاج والدولة. وهو منطق مفهوم داخل نزاع يهدّد المؤسسات والأقاليم والموارد، لكنّ السياسة المالية تحتاج إلى قواعد تُحكِمُ هذا الإنفاق: سقوف، رقابة، مراجعة، شفافية في المشتريات، وتقدير للكلفة البديلة على الصحة والتعليم والكهرباء والأجور. إنّ السخاء المالي من دون إطار محاسبي، يوسّع العجز ويضغط على العملة والأسعار، ويجعل تمويل الحرب نفسه مصدراً إضافياً لإضعاف الاقتصاد الذي يفترض أن ينفِق عليه.
أسئلة مفتوحة
يشرح حديث الدكتور جبريل إبراهيم عن التدخّلات الخارجية، وقوله: «إن العلاقات الدولية بورصة»، جانباً من البيئة المحيطة بالحكومة. لكن الإفراط في الاتكاء على هذا التفسير يقلّص مساحة المحاسبة الداخلية؛ فسعر الصرف يتأثّر أيضاً بالجباية وإدارة الذهب والاستيراد وثقة المتعاملين وكفاءة المصارف والتمويل بالعجز.
الأسئلة التي تركها اللقاء مفتوحةً تتصل مباشرة بمسؤولية وزارة المالية بوصفه قائداً للقطاع الاقتصادي: كيف ستزيد الوزارة الإيرادات دون خنق النشاط الاقتصادي؟ كيف ستراجع الرسوم والضرائب التي تنتقل إلى الأسعار؟ كيف ستستعيد حصائل الذهب والصادرات؟ كيف ستنسق مع بنك السودان؟ كيف ستعالج مسألة حظر السلع؟ كيف ستربط الأجور بتكلفة المعيشة؟ كيف ستدعم الكهرباء بكفاءة؟ وكيف ستضمن أنّ الإنفاق الحربي يفتح طريق التعافي عوضاً عن توسيع الاختلالات المالية؟ وكيف سيتم شراء ذهب لبناء احتياطات؟ وكيف ستدعم الزراعة؟ ومن سيعوض الموظفين؟ وكيف سيجري إيجاد حلول لخدمات العائدين من الخارج؟ وفي شأن الدبلوماسية الاقتصادية: ما الموارد والموانئ والمشروعات والفرص التي ستتحول إلى شراكات تمويل وإعمار مع حماية الأصول السيادية؟ وأخيراً؛ هل انتهتِ الحلول، أم انتهت قدرة الدولة على تحويل التشخيص إلى سياسة؟.


