«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
تكَعْبَل الشيخ بن باز أيّما كَعْبَلة في عُقدة الشكل والمحتوى، فضاق ذَرْعاً بالصّور المعلّقة على حيطان الدار المُسْلِمَة، حرَّم صورةَ فوتوغراف الزفاف تلك، زينة وعاجباني، وصورةَ عيد الطفلتين، كلّ منهما بضفيرتين وابتسامة عريضة، وصورةَ حبّوبة يوم عادت من حجّها تزفّها التقوى، مبروراً مبروراً، وهلمّجرا. هذا، وقد فات عليه أنّ الصّورة التي ربما أخْزَت العبادَ وغَرَّتهم وأغْرَت بهم هي تمثالُ القوة، تصويرُ الإرادة البشرية قريناً للإرادة الجليلة بل وتتفوّق، الفتنةُ الفرعونية التي يتصوَّر بها مثلُ الملك دونالد ترمب نفسَه في محلّ العزيز القدير، يُنشئ ويُهلك، يُحيي ويُميت، يمحو حضارةً ويُنشئ أخرى؛ وهو عجوزٌ متهالكٌ يُدْمَى معصمُه من ضربة منضدة، ويُميتُه النومُ على كرسيّ حُكمه، وتنحلُّ رُكَبُه أمام الغواني، وتتفتح شهوات بطنه بمذاق مكدونالد: دَبُل ماك والبطاطس المحمرّة، كتشب زيادة عليك الله، كولا كبيرة باردة. لم يَقْبَل الشيخ بن باز، وقد أحْكَمَ رأيَه، حتى لعبَ السيدة عائشة صَبيّةً ببنات «اللعاب» هي وصاحباتها في الدار النبوية، فجنّد الإدانةَ للغرور الفرعوني، وصَوَّر جبروتَه للتنمُّر بجبر الشريعة على عامّة الناس في حياتهم اليومية. ولم يجد مندوحةً، بهذا التخليط، أن يَقْبَل سكنى الجبروت الأمريكي في أرض الحرمين؛ خَشِيَ على المسلمين من صور أطفالهم ولم يَخْشَ عليهم من سينما السيادة الأمريكية، آمون رع على برٍّ وبحرٍ وسماء، فبأيّ آلاء ربكما تكذبان؟
لا قرينةَ أنّ الشيخ بن باز اطَّلَع على «المانفستو الشيوعي» وقد حالَ فقدانُ البصر منذ طفولته بينَه والقراءةَ بغير مُعِين. كذلك لم يطَّلع عليه الإمام المهدي (1844-1885) وقد صدر أوّل أمره في الألمانية عام 1848 في لندن البعيدة، وصدرت أول طبعة عربية له عن مكتب المطبوعات الشعبية في بيروت عام 1943، من تعريب خالد بكداش (1912-1995)، سكرتير الحزب الشيوعي السوري منذ العام 1936 حتى وفاته، وقد ورثت عنه زوجتُه، وصال فرحة بكداش، سكرتاريةَ الحزب حتى وفاتها هي أيضاً في 2013، ثم ورثها عنها ابنهما الدكتور عمّار بكداش حتى وفاته في 2025، وكلّ من عليها فان.
عاش الإمام المهدي في عالَمٍ غير عالَم المرحوم الدكتور كارل ماركس (1818-1883) لكنْ في زمانه. وجمع بينهما التاريخ، معرَّفاً بالألف واللام، التاريخ الكبير. وللقارئةِ أن تتأمَّل في هذا التوازي ظاهرِ الأمر، وهل هو حقاً تَوَازٍ؟ فالرأسمالية التي تولَّى المرحوم كارل ماركس كشْفَ سِرِّها في مركزها الصناعي ما انحبَسَت عن عالَم الإمام المهدي بل اخترقته بحراب طويلة حربية وتجارية، انقلبت بها المِلْكيّة الجماعيّة للأرض في مثل جزيرة لبَب، التي شهدت مولدَ الإمام، إلى ملكيةٍ خاصةٍ وكبّلت بها دولةُ التركية السابقة التّربالَ بالضريبة التي تحوَّلت ديوناً تُولِّد ديوناً أعظمَ؛ باختراق النقد، في هيئة «الريال المجيدي»، التكويناتِ ما قبل الرأسمالية، حتى قال أهلُكَ من وحي هذه الحسرة: «عشرة رجال في تُرْبة ولا ريال في طُلْبة». وتشخيصُ المرحوم الدكتور كارل ماركس أنَّ ما تفعله الرأسمالية في الهامش الذي سكنه الإمام هو «التراكم البدائي»، الشَّفْشَفة الأولى، إذا جاز التعبير، التي ينشأ منها رأسُ المال أوَّل أمْرِه، كالتي تَحَوَّل بها أهلُ الإمام، من تَرَابْلَة مُنتجين إلى صيادين للبشر في بحر الغزال، تحت سلطان «كُبَّانيات» الخرطوم وسفاراتها ومغامريها ممَّن كَرِهَ الإمام، أو كشَفْشَفة الأوروبيّين الذهبَ والفضّة من أمريكا البعيدة في كتاب المرحوم الإزيرق:
«إنَّ اكتشاف مناجم الذهب والفضّة في أمريكا، واقتلاع سكّانها الأصليين من مَواطنهم واستعبادهم ودفنهم أحياء في المناجم، وبدايات غزو الهند الشرقية ونهبها، وتحويل أفريقيا إلى ساحة محميّة لصيد ذوي البشرة السوداء، إنّ كلّ ذلك يميِّز فجر عهد الإنتاج الرأسمالي. وتؤلِّف هذه العملياتُ الرغيدة العناصرَ الرئيسة للتراكم الأوّلي. ثمّ جاءت في أعقابها الحربُ التجارية التي خاضَتْها الأمم الأوروبية متخذةً من الكرة الأرضية ساحة لها. فقد اندلعت بانفصال هولندا عن إسبانيا، واتخذت أبعاداً هائلةً في حرب إنكلترا ضد اليعاقبة، ولا تزال مستمرةً في حروب «الأفيون» ضد الصين، وهلمّجرا» (رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلّد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 924).
صدرت الطبعة الأولى من المجلّد الأول لكتاب الدكتور كارل ماركس «رأس المال» في الألمانية في العام 1867 عن دار نشر أوتو مايسنر في هامبرغ، وصدر تعريبٌ موثوقٌ لأول مرة في العام 1947 من شغل الدكتور راشد البرواي (جامعة فؤاد الأول، القاهرة) عن مكتبة النهضة المصرية، فلا سبيلَ أياً كان أن يقرأ الإمام المهدي، الباحث عن العِلْم، كتابَ الشيخ الإزيرق، حتى لو كان أكمل رحلتَه إلى مصر في حوالي العام 1863/1864، وهو في العشرين، قاصداً الأزهر، فإنَّ «لو» تفتح عمل الشيطان! لكنْ ربّما تعرَّف الإمام على أحوال أهله تحت نير شُحّ النقد وقَسْر الضريبة: المزدوج الذي يفرض بقانونه الحديدي «المِلكيةَ الخاصة»، فمن احتاجَ إلى النقد لا بدّ أن يبيع، وقَبْلها لا بدّ أن يمتلك حتى يستطيع أن يبيع، وإن لم يَبلغ المِلكيّة الخاصة بضُراعه باعْ ضُراعه عملاً، حتى يدفع نقداً، وإلا ابتلعته الأرضُ كما البت البلعَتْها الوَاطَه، أو كما شرحت الأحجية:
عمِّي أخو أبوي يا جلّابة
كَتَلْ محمد أخوي يا جلّابة
في شان قندول يا جلّابة
والقندول يا جلّابة
أكلُه الزّرزور يا جلّابة
وطارْ وَقَعْ في سبع بحور يا جلّابة
(البروفيسور عبد الله الطيب (جمع وتحرير)، «الأحاجي السودانية»، دار نشر جامعة الخرطوم، الخرطوم، 2008، ص 115).
على كلّ حال، ربما تعرَّف الإمام المهدي على بعض مصاعب أهله تحت الظروف الجديدة التي فرضتها التركية السابقة في بيان الشيخ الإزيرق: «لقد أُنجِزَت عملية التراكم الأوّلي، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في أوروبا الغربية، موطن الاقتصاد السياسي. فالنظام الرأسمالي، هنا، إمّا أنه أخضَعَ كامل الإنتاج الوطني إخضاعاً مباشراً، أو أنه، حيثما تكون العلاقات أقلّ تطوّراً، يسيطر، بصورة مباشرة في الأقل، على تلك الفئات من المجتمع التي لا تزال قائمةً معه جنباً إلى جنب، رغم أنها تنتمي إلى نمط الإنتاج الشائخ، وتسير إلى الزوال. (…) أما الوضع في المستعمرات فعلى خلاف ذلك. فهنالك، يصطدم النظام الرأسمالي، في كلّ مكان، بمقاومة المنتِج، الذي يَستخدِم، بوصفه مالكاً لشروط عمله بالذات، هذا العملَ لإغناء نفسه عوضاً عن إغناء الرأسمالي. والتناقض بين هذين النظامين الاقتصاديين المتضادّين تضادّاً كلياً، يتجلّى هنا، عملياً، في الصراع المحتدم بينهما. فحيثما يحظى الرأسمالي بدعم سُلطة بلده الأمّ، فإنه يسعى إلى أن يزيح من طريقه، عنوةً، نمطَ الإنتاج والتملّك القائم على العمل المستقلّ للمنتج» (رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 940-941).
يتّبع المؤرِّخون، مِن أهلِكَ شيعةِ العِلْمِ الواحدِ قبل انفطاره علوماً وتخصُّصاتٍ، وسيلتين لرصد تكوين الفرد في سِيْرةٍ: إما النَّسَب، فلان بن علان، أو السِّلسلة، فلان تلميذ فلان. وأحسن رصد للتكوين ما يجمع بين الاثنين، هذا يكمل ذاك، كما في شغل مؤرِّخ الإمام المهدي وكاتب سيرته إسماعيل عبد القادر الكردفاني، صاحب «سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي» (تحقيق الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1982). والإمام المهدي، عندَ الكردفاني وقَبْلَه، شريفٌ مؤزّر: «هو سيدنا محمد المهدي بن عبد الله بن فحل بن عبد الله بن محمد بن حاج شريف بن علي بن أحمد بن علي بن حسب النبي بن صبر بن نصر بن عبد الكريم بن حسين بن عون الله بن نجم الدين بن عثمان بن موسى بن أحمد بن أبي العباس بن يونس بن عثمان بن يعقوب بن عبد القادر بن الحسن العسكري بن علون بن عبد الباقي بن يعقوب بن سيدنا الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه» (ص 74-75). ولا يَقْبَل نَسَب الإمام شكاً ولا طعناً، فهو ليس واقعة في الأرحام، وإنما اختيار من التاريخ، أي ثقافة وليس بيولوجيا. وقد ضيَّق معاصرون واسعاً، كما ضيَّق بن باز، يومَ انقلَبَ عندَهم مثلُ هذا النسب الرفيع «نخساً» في الحمض النووي، فهرب متباعدان في الشكل متساويان في المحتوى مثل عبد الرحمن عمسيب والباقر العفيف من يقينِ الثقافةِ إلى شكوك الفحص المعمليّ، يا إلهي كم نسبة هذه العروبة اللعينة في دمي؟
كفى الإمامَ، من هذا الإباء بالثقافة، مدحُ حسين الزهراء؛ الأزهريّ الذي اختار جيش التحرير منذ أبَا، لكنْ لم يجد حظاً في الوظيفة العامة أوّل قيام دولة المهدية حتى وَلَّاه الخليفة عبد الله كسلا ثمّ القضاء:
بَرِحَ الخَفَا ما الحَقُّ فيه خفاءُ وتوَالتِ الآياتُ والأنباءُ
بالآيةِ الكبرى التي بظُهورها كَمُلَ الرِّضا وانجابَتِ الأسْوَاءُ
عُلماءَ أُمّةِ أحمدٍ ناشَدْتُكم رُدُّوا جوَابيَ إنّكم عُلماءُ
أرْضَى وتَرْضَوُن الضّلالَ بُعَيْدَ ما ظَهَرَ الهُدَى وانجابَ عنه قَذَاءُ
ويَخِيبُ ظنِّي فيكمُ وعشيرتي أنتُمْ ويَقمَع جَمْعَنا الغُرَباءُ
(عبد المجيد عابدين، «تاريخ الثقافة العربية في السودان»، دار الثقافة، القاهرة، 1967، ص 220).
فما آيةُ المهدي الكبرى هذه؟ صاغَ المرحوم محمد سعيد القدّال هذا السؤال صياغةً أكاديميةً حسنة، وبذَله للقارئة في سيرته للإمام «الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله 1844-1885» (دار الجيل، بيروت، 1992)، وتقرأ في فصله الثاني خيطاً من إجابة: «لم يأخذ محمد أحمد فكرةَ المهدي المنتظَر من بطون الكتب. ولا عثر عليها في مؤلّفات ابن عربي. فالفكرة مستقرّة هناك منذ قرون، ولكنْ أفرزَتها ظروف المجتمع في ظلّ الحكم الأجنبي ونموّ النشاط التجاري. فهي نتاجٌ لجهدِ مجتمَع كان يسعى بين أروقة التراث باحثاً عن أيديولوجيةٍ تلمّ شتاتَه وتوحِّد كيانَه. وكانت فكرة المهدي تمثِّل الخروجَ من واقع الظلم في إطار عريض وتحت مظلّة وارفة» (ص 34). أوَحقاً لم يقرأ المانفستو؟ ولو بالجَابْس؟



