انتشرَتْ مُنتصف يونيو الماضي، على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر حشوداً مُسلَّحة من قبيلتي الرشايدة والبشاريين في شرق السودان. وظهر رجال يَحملون أسلحة متنوعة على متن عربات قتالية «تاتشر»، وهم يدعون للمواجهة في سوق «الرتج». وفي الوقت ذاته، نُشر بيانٌ باسم أمانة شباب البشاريين، يُؤكِّد أحقية القبيلة في الأرض، ويُحذِّر من استفزازهم من قِبَلِ من وصفوهم بـ«المجموعات المُتفلِّتة».
تزامناً مع موجة التصعيد هذه، تدخَّلت وفودٌ من الإدارات الأهلية، فالتقى كلٌّ من ناظر الأمرأر علي محمود هساي، وناظر الجعليين صلاح إبراهيم بوفد من القبيلتين، وأسفرت هذه اللقاءات عن اتفاق «قَلَد» بين الطرفين؛ كما دعا وكيل ناظر الرشايدة حامد بركي في 20 يونيو الماضي، إلى خفض التصعيد لمدة سبعة أيام، وعودة جميع أفراد قبيلة الرشايدة القادمين من ولايات مختلفة إلى مناطقهم، مُناشداً إياهم ضبطَ النفس وعدم الانجرار وراء الفتنة، والجلوس إلى طاولة الحوار. وأكّد أن قبيلتي الرشايدة والبشاريين هما الأقرب لبعضهما، مشيراً إلى أنهم طلبوا الجلوس مع ناظر البشاريين، وأنهم يتوقّعون رداً بعد اجتماع لقبيلة البشاريين. كما دعا شباب القبيلة إلى الانتظار لحين الفراغ من الاجتماعات.
وبحسب مقابلات أجرتها «أتَـر» في تقرير سابق، مع أصحاب آبار ومُعدِّنين، فإن الجهة التي تُصدر تصاديق الآبار والأسواق هي الإدارة الأهلية التي تزعم ملكيَّتَها لتلك الأرض، رغم أن قوانين الأراضي في السودان (1970 – 1984- 1994) تُشير إلى ملكية الدولة لأراضي التروس العليا، وهي أراضي الوديان خارج الملك الحرّ والأراضي التي يحكمها عُرف القُصَاد.
وفي 17 يونيو الماضي عقَدَتْ لجنة أمن ولاية البحر الأحمر اجتماعاً طارئاً بمكتب والي الولاية، ناقشت فيه الأحداث والتفلتات والمخالفات التي شهدتها منطقة الرَّتج بمحلية حلايب. وخرجت اللّجنة الأمنية بقرارات وجّهت بموجبها القوات الأمنية بالتوجُّه إلى المنطقة لحسم التفلتات، وإزالة المُخالفات، والقبض على المُخالفين، واتّخاذ الإجراءات القانونية في مواجهتهم.
وأعلن والي ولاية البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود، الثلاثاء 16 يوليو الجاري، عن اكتمال الترتيبات لعقد صُلح مجتمعي شامل بين مكونات «سوق الرَّتج»، مؤكداً أنّ حكومة الولاية نفَّذَتْ التوجيهات الصادرة عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي لتأمين المنطقة وفرض هيبة الدولة.
![]()
تقع منطقة الرَّتج في ولاية البحر الأحمر، في أقصى شمال شرق السودان. وتشتهر بالتعدين وهي سوق تجارية نشطة يرتادها المُعدِّنون في المناطق الحدودية الشمالية الشرقية من السودان. وتبعد مسافة 300 كيلومتر من مدينة بورتسودان بالجهة الشمالية الغربية للمدينة، وبالقرب من الحدود السودانية المصرية.
وهاجرت قبيلة الرَّشايدة بشرق السودان منذ منتصف القرن التاسع عشر من شبه الجزيرة العربية، لتستقرَّ في المنطقة ما بين طوكر والحدود الإرترية، وذهب بعضهم غرباً إلى بربر وعطبرة وآخرون إلى كسلا. بينما يرتكز نشاطهم الاقتصادي على رعي الإبل، ولاحقاً عملوا بأنشطة مختلفة كالتَّعدين وتصدير الإبل وغير ذلك.
وتشترك قبيلة البشاريين مع الرشايدة في تربية الإبل، في المناطق التاريخية للبشاريين بين حلايب والجزء الشمالي والشمالي الغربي في ولاية البحر الأحمر، حيث كان أفراد القبيلتين يرعون إبلهم في المنطقة بين حلايب وحتى طوكر جنوباً.
وترجع تفاصيل الأحداث إلى نزاعٍ حول ملكية «سوق الرَّتج»، إذ فرضت الإدارة الأهلية للبشاريين رسوماً محلية غير رسمية على المعدّنين والتجار في مناطق سوق الرَّتج وما حولها بحسب مصادر تحدثت لـ«أتَـر».
وبحسب مقابلات أجرتها «أتَـر» في تقرير سابق، مع أصحاب آبار ومُعدِّنين، فإن الجهة التي تُصدر تصاديق الآبار والأسواق هي الإدارة الأهلية التي تزعم ملكيَّتَها لتلك الأرض، رغم أن قوانين الأراضي في السودان (1970 – 1984- 1994) تُشير إلى ملكية الدولة لأراضي التروس العليا، وهي أراضي الوديان خارج الملك الحرّ والأراضي التي يحكمها عُرف القُصَاد.
يقول محمد إبراهيم، وهو مُعدّن يعمل في المنطقة الواقعة بين شمال وادي حلفا وأسوان، واصفاً الحركة في سوق الرَّتج لـ«أتَر»، إن حركة تجارية كبيرة قد عمَّت السوق؛ إذ يحتوي على مختلف أنواع البضائع، من ملابس ومتاجر للمواد الغذائية بالجملة، إضافة إلى المطاعم والمقاهي، فضلاً عن طواحين الذهب التي يقصدها إبراهيم وبقية المعدنين لطحن أحجار الذهب. ويشير إلى أنّ العاملين في السوق ينتمون إلى مناطق سودانية متنوعة، ويغلب عليهم أبناء قبيلة الرشايدة، لافتاً إلى كثافة حركة التهريب هناك لقرب المنطقة من الحدود المصرية، حيث لاحظ وجود مخازن ضخمة للبضائع.
خريطة توضح مناطق القبائل
المصدر: كتاب تاريخ البجا بشرق السودان
ويضيف: «تتكرر معاناة دفع الجبايات على الشاحنات التي تنقل جوالات الأحجار. فقبل انتقالي للعمل في أسوان، كنت أعمل في التعدين بشمال الوادي، وكان سوق «الأنصاري» شمال ولاية البحر الأحمر، هو أقرب الأسواق التي تضم طواحين. هناك، يُفاجئنا رجال يصفون أنفسهم بأنهم ممثلون للإدارة الأهلية للبشاريين، ويُطالبون بنصيبهم من الأموال رغم دفعنا للجبايات الرسمية للحكومة. وتختلف قيمة هذه المبالغ حسب الأشخاص؛ ففي آخر مرة أجبرونا على دفع 500 ألف جنيه، ولم نتمكَّن من العبور إلا بعد تواصلنا مع صاحب البئر لسداد المبلغ». ويُضيف: «إذا لم تدفع لهم، ستعطّل نفسك وغيرك، وحتى الحكومة لن تحميك منهم». ويتابع: «قررتُ تغيير موقع عملي والتوجه إلى أسوان، واضطررنا للمرور عبر سوق الرَّتج ومكثنا فيه ثلاث ساعات. وأثناء الرحلة، أخبرنا سائق البوكسي، وهو من الرشايدة، أنهم يتعرَّضون باستمرار لمُضايقات من أفراد ينسبون أنفسهم للإدارة الأهلية، إذ يفرضون على السائقين الذين ينقلون البضائع والمسافرين بين أسوان وسوق الرَّتج رسوماً باهظة تصل إلى ملايين الجنيهات»، مُضيفاً أنَّهم في طريق رحلتهم اعترضهم رجال مسلحون في منطقة قريبة من السُّوق، واضطّر السائق للوصول معهم لدفع تسوية مالية، وأخبرهم بأن هؤلاء يتبعون لقبيلة البشاريين، وأنّ هذه الطريقة في التعامل ستسبب مشكلة كبيرة في يوم من الأيام.
ويقول أحمد الهادي، وهو معدن في شمال السودان، لـ«أتر»: «أعمل في منطقة تسمى وادي الرَّاك بالقرب من سوق الأنصاري، ونطحن الحجر المُستخرج من الآبار في ذلك السوق، وفي طريق رحلتنا دائماً ما يعترضنا رجال من البشاريين، حيث يطالبوننا بدفع الأموال مقابل المرور، وقد حددوا لنا نسبة ثابتة تبلغ 15% من قيمة عائد الذَّهب». ويضيف: «في المناطق التي نعدِّن فيها نحتاج إلى الوقود، ويأتينا من أسوان، فهي أقرب مدينة إلينا، حيث إننا نعدّن بمنطقة حدودية مع مصر. والذين يتاجرون بالوقود بتلك المناطق هم الرشايدة، وهم أدرى الناس هنالك بالطرق والمسارات الآمنة، فهم يتفادون الأجهزة الأمنية السودانية والمصرية، وفي أيام التصعيد الذي حدث بين قبيلتي الرّشايدة والبشاريين أخبرني السائق الرشيدي الذي نتعامل معه بأن الجبايات التي تُفرض عليهم أصبحت لا تطاق، وهي قديمة وكانت في حدود المعقول، بحسب قوله، لكنها زادت زيادة بالغة؛ وحتى وقت قريب كانوا يدفعون مبالغ تتراوح ما بين 150 و200 ألف جنيه، لكن طولِبوا بمبالغ تصل إلى مليون ومليون ونصف المليون جنيه».
في 23 يونيو الماضي، زار رئيس مجلس السّيادة عبد الفتاح البرهان منطقتي الرُّتج ومشوشنايا، حيث التقى على التَّوالي بوفود من الرَّشايدة والبشاريين، وتحدَّث عن قضية التهريب في سوق الرتج، وكذلك احتكار حق تحصيل الجبايات للأجهزة الحكومية، ومنع مظاهر التَّسليح مع إنزال عقوبة السَّجن لمن يخالف ذلك، وتبع ذلك انتشارٌ للجيش بالسُّوق والمناطق حوله. وفي الأوَّل من يوليو الماضي أصدر والي ولاية البحر الأحمر ما سُميَّ بأمر طوارئ، وينص على استمرار عمل السوق تحت إشراف السُّلطات المحلية والإدارية، وإزالة جميع المخالفات والظواهر السَّالبة المُخِلَّة بالأمن. وأضاف البيان أن على الأجهزة النظامية رفع تقارير دورية بالحالة الأمنية بالمنطقة. واختتم البيان بأن كلَّ من يُعارض تلك الأحكام سيتعرَّض للعقوبة بموجب قانون الطوارئ والسلامة العامة لسنة 1997.



