أتر

دفتر أحوال السودان (131): من الدمازين والقضارف

الدمازين: انتشار حمى الضنك والملاريا بين النازحين

مراسل أتَر

أبلغت مصادر محلية بمدينة الدمازين في إقليم النيل الأزرق، عن انتشار كبير لمرضَي حمى الضنك والملاريا وسط المواطنين، بخاصة النازحين، الذين يعانون من أوضاع صحية حرجة، خاصة مع دخول فصل الأمطار. وقال نازحون ومواطنون لـ«أتَر»، إن معدل الإصابات يتزايَدُ يومياً، في وقت تكاد تنعدم فيه الأدوية لعلاج الأمراض، وإن وجدت فبأسعار عالية، لا يملكها الناس هناك، خاصة النازحين منهم.  

وقال فائز قسم السيد، النازح من محلية قيسان إلى معسكر الكرامة 3 بالدمازين، لمراسل «أتَر»، إن الأمراض المُرتبطة بالأمطار بدأت تظهر على نحو وصفه بـ«المقلق»، ووصف البيئة الصحية بمراكز الإيواء بأنها «منهارة» قائلاً: «الخيام اهترأت حتى أصبحت لا تصدُّ عنا الرياح والأمطار. لا توجد أي جهود صحية لمحاصرة الأوبئة التي تنتشر بين النازحين»، وزاد: «البعوض الناقل للملاريا يطعن أجسادنا ليلاً، ونواقل الضنك تأخذ نصيبها منا نهاراً». وكشف عن ارتفاع كبير في أسعار الدواء، وقال: «في بدايات وصولنا، كان يأتينا الدواء مجاناً، وأحياناً بأسعار مخفّضة، وتوقف ذلك الآن، ليصل سعر علاج الملاريا، إلى أكثر من 50 ألف جنيه، بينما الضنك يفوق علاجه 120 ألف جنيه». ويتكون البرتوكول العلاجي للملاريا من ثلاث حقن إضافة إلى الحبوب، وتكلف الحقن الثلاث 25 ألف جنيه بالسعر الرسمي، لكنها تباع بـ 35 ألفاً، ويبلغ سعر الحبوب 10 آلاف جنيه والبندول 5 آلاف. أما حمى الضنك فيحتاج مريضها إلى نحو 10 دربات بندول يتراوح سعر الواحد منها بين 7 و9 آلاف جنيه، إضافة إلى أدوية أخرى مثل البندول وخافضات الحرارة.  

وبدأت بعض المبادرات المحلية في توزيع عدد من الأدوية والناموسيات، في محاولة للاستجابة للمُتطلبات العالية لمجابهة الأوبئة، بيد أن عضواً بإحدى المُبادرات التي تنشط حالياً في تقديم الدعم للنازحين، قال لمراسل «أتَر»، مفضلاً حجب اسمه لدواعٍ أمنية: «نجمع التبرعات القليلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ونستهدف التجار والموظفين، ونستقطب منهم الدعم لمبادراتنا، ومع ذلك تأمرنا السلطات بأن نسلم ما جمعناه لتشتري هي مواد الإغاثة وتوزعها عبر مفوضية العون الإنساني». وتشترط عليهم السلطات أن لا يظهروا وراء عملهم، لكنه يقول أيضاً، إنهم يقبلون بذلك نظراً إلى أن مساهماتهم على قلتها قد تساعد الناس في تخفيف الأعباء الواقعة على كاهلهم.

وفي أبريل الماضي، أوقفت السلطات الأمنية في إقليم النيل الأزرق، عمل غرف الطوارئ، التي كانت تنشط في تغطية الاحتياجات العاجلة والاستجابة للتحديات التي تواجه السكان والنازحين، ما أدى إلى فراغ كبير في مجال تغطية العمل الإنساني. وقال عضو في غرفة طوارئ الدمازين، إن السكان والنازحين يعيشون أوضاعاً مأساوية، كاشفاً عن إحصائية أجرتها الغرفة سراً وبطريقة غير مباشرة، نظراً لمنعها عن العمل الطوعي، توصلت إلى احتياج 350 أسرة بمعسكرين من معسكرات النازحين، لتدخل طبي عاجل، لافتاً إلى أن القسم الصحي بالغرفة توصَّلَ إلى أن نسبة الإصابة بالملاريا وسط نازحي المعسكرين تبلغ أكثر من 63%، بينما بلغت نسبة الإصابة بحمى الضنك 47%، وقال: «خاطبنا منظمات دولية ومؤسسات إعلامية، لبدء حملة للاستجابة للمتطلبات، وليس لدينا ما نفعله أكثر من ذلك، فنحن مكبلون بقيود كثيرة». وأضاف في حسرة: «من السيئ أن تنظر للمشكلات تمسك بمجتمعك، ولا تستطيع تقديم شيء لهم، وكان بإمكانك لولا الظروف المفروضة عليك تقديم شيء ولو كان بسيطاً».

وتضم مدينة الدمازين عشرة مخيمات سميت مخيمات الكرامة، تأوي نحو 150 ألف نازح فروا من وطأة القتال في مدن الكرمك وقيسان ومحافظة التضامن، إثر تصاعد المواجهات المسلحة في محافظات الكرمك وقيسان.

ويقول الأمين العام لمبادرة المجتمع المدني بالنيل الأزرق علي هجو علي لـ«أتَر»، إن المعلومات التي تصل لمبادرتهم «مخيفة»، كاشفاً عن أرقامٍ تصل إليهم من مصادر طبية، تشير إلى أن معدل التردد اليومي لوبائي الضنك والملاريا، يفوق 30 حالة في اليوم الواحد ببعض المراكز الصحية بمخيمات النازحين، وبمعدل حالة إلى حالتي وفاة في اليوم الواحد. ويقول هجو الذي انتقد غياب السلطات الصحية المنوط بها التدخل لحماية المواطنين من الأمراض: «حمى الضنك تفتك بالمواطنين في النيل الأزرق خاصة أحياء مدينة الدمازين بينما وزارة الصحة والسلطات في غيابٍ مخزٍ».

وطالب هجو السلطات الصحية بالتحرك الفوري لتنفيذ حملات شاملة لمكافحة نواقل الأمراض وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية ودعم المرافق الصحية، والإعلان بشفافية عن حجم الإصابات وخطط الاستجابة الفورية، كما ناشد المنظمات الوطنية والدولية العاملة في القطاع الصحي التدخل العاجل لإنقاذ المواطنين والحد من تفاقم الأزمة، قبل تحوُّلِ الوضعِ إلى كارثة صحية وإنسانية واسعة النطاق.

وعلى الرغم من تسيير رحلات لنازحين من الدمازين إلى الكرمك، التي سيطرت عليها القوات المسلحة في 8 يوليو الجاري، لا تزال أعداد كبيرة من النازحين، ترد إلى الدمازين وود الماحي، فراراً من العمليات العسكرية التي تجري بمحافظة قيسان، وهو ما يخلق مزيداً من الضغط على الخدمات الشحيحة بمخيمات النازحين.  

ويقول هارون جمعة، النازح من محلية قيسان، لـ«أتَر»: «وصلنا إلى الدمازين في الأسبوع قبل الماضي، منهكين من طول الرحلة، ولضعف مقاومتنا فقد أصيب كثير منا بالملاريا والضنك».  

وفي معسكر الكرامة 3، أفاد مصدر طبي «أتَر»، بتفشٍ واسع للضنك والملاريا، وقال: «يرد إلينا في اليوم الواحد ما بين 20 و25 حالة إصابة بالضنك والملاريا»، كما كشف عن أزمة في المحاليل الوريدية قائلاً: «تلقينا وعوداً بتوفيرها من وزارة الصحة الإقليمية، لكن المرض لا ينتظر».

القضارف: الموسم الزراعي بين غلاء المدخلات وشح الأمطار

مراسل أتَر

في الثامن من شهر يوليو الجاري؛ ترأس نائب والي القضارف عبد العظيم جاموس، لجنة إنجاح الموسم الزراعي بالولاية. وكانت أجندة الاجتماع تُعنى بالاطمئنان على انسياب الوقود، والتمويل الزارعي ومكافحة الآفات الزراعية. وضم الاجتماع كذلك مدير عام وزارة الانتاج بالولاية. تجدد اجتماع اللجنة يوم الأربعاء الماضي بحضور عدد من المسؤولين بالولاية؛ لمتابعة مؤشرات الموسم الزراعي. وأكدت وزارة الإنتاج على انسياب الوقود وتمويل المزارعين، وتأمين نجاح الموسم الزراعي.

لكن رغم ذلك يقول مزمل الشيخ في حديثه لـ«أتر»، وهو مزارع من محلية القلابات الشرقية: «المزارع تايه بين غلاء المدخلات وشح المطار». وكان مزمل قد بدأ يزرع 450 فداناً؛ ويواصل قائلاً: «في بداية التحضير للموسم عانينا من ارتفاع أسعار الإسبيرات؛ وفي الموسم السابق كنت أشتري كرتونة زيت الغيار بمبلغ 250 ألف جنيه، وفي بداية هذا الموسم أصبحت بـ700 ألف جنيه. كذلك ارتفع سعر الوقود ليصل سعر برميل الجازولين إلى مليونَي جنيه، وأحتاج إلى ثلاثة براميل جاز على الأقل حتى انقضاء الموسم الزراعي». ويضيف: «كذلك ارتفع الأجر الذي أدفعه لسائق التراكتور الزراعي إلى مليون جنيه في الشهر بعد أن كان 600 ألف جنيه الموسم السابق. هنالك زيادة عامة وبالغة في تكاليف الإنتاج».

لكن أسعار المحاصيل، كما يؤكد مزمل، لا تُغطِّي المنصرفات، ففي الموسم السَّابق كان سعر أردب السمسم 500 ألف جنيه عند الحصاد، وحالياً يباع بمليون جنيه، وسعر أدرب الذرة عند الحصاد 125 ألف جنيه، وفي بداية هذا الموسم زاد السعر ليصل إلى 300 ألف جنيه.

ويضيف مزمل، أن بداية الموسم تشهد شحاً في الأمطار، ويستدل بأن توقيت زراعة عدد من المحاصيل كالسمسم يحل في منتصف شهر يوليو، لكنَّه وعدداً من المزارعين تخلّفوا عن الزراعة في هذا التوقيت لأن الأرض ما زالت جافة. ويختتم مزمل حديثه لـ«أتَر» بأن «الموسم الزَّراعي مهدَّد من بدايته إذا لم تتدخل الحكومة».

ويعلّل سامي حامد وهو سائق تراكتور في القضارف؛ ارتفاع أجرة السائق بارتفاع تكاليف المعيشة، ويضيف: «هنالك عدد من أصحاب التراكتورات لم يستطيعوا تشغيل آلياتهم هذا العام، فارتفاع تكلفة الصيانة حدَّ من عدد الآليات على نحوٍ ملحوظ، وارتفاع تكاليف المعيشة والزراعة جعل السائقين يطالبون بأجر مُجْزٍ، فبجانب عملي سائقاً لديَّ مساحات زراعية».

وتشتكي أم الحسين كذلك من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهي مزارعة من محلية وسط القضارف، وتقول: «ارتفع سعر حراثة الأرض الزراعية؛ ففي الموسم السابق كان إيجار التراكتور لحرث مساحة ساعة (5 أفدنة) يبلغ 100 ألف جنيه، وهذا الموسم زادت لتصل إلى 200 ألف جنيه. كذلك زادت أسعار التقاوي فبلغ سعر كيلة الفول السوداني المقشور 110 آلاف جنيه، وتكفي الكيلة لزراعة فدانين فقط». وتضيف أم الحسين أنها اشترت مبيد حشائش للفول بمبلغ 85 ألف جنيه للتر الواحد، وكان يباع بـ50 ألف جنيه في الموسم السابق، وتحتاج إلى 4 لترات لزراعة 5 أفدنة. ولكل تلك الأسباب ترى أم الحسين أن من الأفضل لها أن تقلّل من مساحة الأراضي عن ما كانت تزرعه سابقاً.

ويُعزو أحمد عثمان، وهو صاحب متجر لبيع الأسمدة والمبيدات، ارتفاع أسعار المبيدات لتقلُّب سعر الصرف. ويضيف: «الزّيادات بلغت 30 إلى 40%، لأن المبيدات جميعها مُستورَدة لذا تأثرت بتقلُّب سعر الصرف في الآونة الأخيرة، وتتأثر كذلك بزيادة تكلفة الترحيل»، ما جعل عدداً من زبائنه المعتادين يحجمون عن الشراء. ويعتقد أحمد أن الأسعار قابلة للزيادة، إذ أحجمت عدد من الشركات المورّدة التي يتعامل معها عن البيع في انتظار استقرار أسعار الصرف.

وفي بداية كل موسم زراعي تتراكم التحديات على المزارعين في القضارف، وتتكرر وعود المسؤولين طوال الموسم دون أثر واضح. وبخروج عدد من ولايات السودان المتأثرة بالحرب من الموسم المطري الحالي؛ يحمل التربال في القضارف على عاتقه تأمين قوت أهل السودان. 

Scroll to Top