أتر

الدبّة: من مركز تجاري مزدهر إلى بؤرة للرعب

في الرابع عشر من يوليو الجاري، اندلعت اشتباكات مسلحة في مدينة الدبة في الولاية الشمالية، قالت لجنة أمن الولاية الشمالية في بيان لها، إنها بين مجموعتين تعملان «في تجارة المخدرات بمزرعة النخيل غرب سوق الدبة»، مُشيرة إلى أنّ المنطقة التي شهدت الأحداث ذات كثافة سكانية مرتفعة؛ «مما أدى إلى إصابات وسط المواطنين».

ولم تُسَمّ لجنة الأمن في بيانها أياً من المجموعتين، لكنّ مصادر محلية أشارت إلى أنّ القوات المشتركة؛ وهي الفصيل العسكري الذي يقاتل إلى جانب الجيش، كانت أحد أطراف الاشتباك المسلّح.

في اليوم التالي، وبالتزامن مع حالة الفوضى الأمنية، تعرضت محطة كهرباء المدينة إلى هجوم بمُسيّرات انتحارية، واتهمت لجنة أمن المحلية قوات الدعم السريع بتنفيذه؛ لكنّ مصدراً عسكرياً تحدَّث لـ «أتَـر»، طالباً حجب اسمه، لم يستبعد أن تكون هنالك جهة مشاركة في الأحداث لها يد في استهداف محطة الكهرباء، نظراً لقِصَر المدة الزمنية بين الحدثين وحالة الفوضى الأمنية التي عمّت المدينة، وأنّ غرضها إحداث مزيد من الفوضى وتشتيت جهد الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وتحدّث  لـ «أتَـر» مصدر آخر وثيق الصلة بما حدث بالدبة في الأيام السابقة، مرجّحاً أن تتكرّر الاشتباكات على نحو أعنف مما سبق، وأشار المصدر الذي فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إلى أنّ السلطات حاولت تبرير الحدث عبر بيان لجنة أمن الولاية بأنه اشتباك عابر بين مجموعتين خارجتين عن القانون، مشيراً إلى أن أطراف الاشتباك ليست عصابات عابرة استخدمت سلاحها في غفلة من أجهزة إنفاذ القانون إنما هي جهات شبه عسكرية لها مقرات وقادة داخل المدينة.

وعقب الأحداث، أصدر العميد شرطة يوسف جمعة كركساوي، مدير شرطة محلية الدبة، ومقرِّر لجنة الأمن، عدداً من القرارات تضمّنت منع حمل السلاح داخل مدينة الدبة ومصادرته فوراً، والبحث والتقصّي الفوري عن المتسببين في الأحداث، ومنع ستّات الشاي من العمل بعد الساعة الثالثة مساءً، ونَشْر عدد مقدَّر من القوات النظامية لحفظ الأمن ومراقبة المتفلتين. وتبعاً لتلك القرارات نفّذت اللجنة الأمنية حملة إزالة شاملة ابتداءً من موقع الاشتباك ومروراً بالمناطق المشتبه بها.

ازدهار الدبة

تحوّلت مدينة الدبة بالولاية الشمالية في الفترة بين عامي 2023 و2025 إلى واحدة من أكثر المدن السودانية  أهميةً في حركة التجارة في السودان، ففي الوقت الذي تعطَّلت فيه الأسواق الكُبرى واستعاض التجّار بـالطُّرق غير المرصوفة والوعرة عن الطرق القومية المرصوفة، برزت بموقعها الجغرافي المُهمّ على منحنى النيل، الذي يربطها بشبكة الطرق التاريخية التي تمتد نحو دارفور وكردفان غرباً والنيل الأبيض جنوباً.

وخلال مدة وجيزة شهدت المدينة طفرة اقتصادية هائلة، إذ تدفّقت إليها السلع الغذائية والمواد التموينية من مختلف ولايات السودان، إضافة إلى الواردات القادمة عبر الحدود من مصر وليبيا، لتصبح السوق الرئيس الذي يعتمد عليه التجّار من بقية الولايات.

بدأ نمو الدبة مع انتقال عدد مقدَّر من التجار إليها، فتوسّعت الأسواق على نحو لافت، لتشمل أسواق الأحذية والملبوسات وأسواق المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية. كذلك ازدهرت حركة النقل البرّي، فصارت الشاحنات تنطلق من الدبة محمّلة بالبضائع إلى دارفور وكردفان ومناطق مختلفة رغم مخاطر الحرب.

ومع إغلاق الطُّرق القومية في كردفان والجزيرة، انتقلت أسواق الماشية إلى الدبة التي تحوّلت إلى مركز لتجميعها وتصديرها، كذلك نمَت بها تجارة الصمغ العربي والمنتجات الزراعية، مما منحها مكانة اقتصادية فريدة، ورسَخَتْ صورتها باعتبارها الشريان التجاري الأهم في شمال السودان.

يقول محمد عبد الله، وهو تاجر ماشية عمل لسنتين في سوق الدبّة لـ «أتَـر»: «بعد خروج أسواق الماشية في الخرطوم وكردفان عن العمل بسبب الحرب، كان سوق الدبة، رغم خطورة الطُّرق وقتها، يمثل أهم الأسواق الحيوية التي تُنقل إليها الماشية من كردفان ودارفور، قبل أن تبدأ إجراءات تصديرها إلى الخارج».

بينما وصَف سليمان يوسف، تاجر بسوق ليبيا بأم درمان، أسواق الدبة بأنها المعجزة التي حدثت في بداية الحرب، وقال لـ «أتَـر»: «لم يكن أحد يتوقّع أن تُنقَل جميع الأسواق إلى الدبة، فهذه المدينة التي لم تكن تتسع لنصف الأنشطة التجارية التي انتقلت إليها، وجدت نفسها أمام تحدٍّ كبير، وفي وقت وجيز كادت المحلات التجارية أن تبتلع المدينة بأسرها».

ويضيف سليمان: «لم يكن انتقال النشاط التجاري إلى الدبة بسبب سَعة أسواقها ولا توفر الخدمات فيها، ولم تكن بها كثافة سكّانية عالية لتغذية الأسواق، لكنها تقع في ملتقى الطُّرق بين الشرق والغرب، لذلك أصبحت أسواقها أشبه بمحطات (الترانزيت)، تهبط بها السلع والمواد وتنتقل حالاً إلى مناطق أخرى داخل السودان وخارجه».

اضمحلال المعجزة

بَيد أن ازدهار الدبة لم يَدُم طويلاً، فمع استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم والجزيرة عاد النشاط التجاري تدريجياً إلى الأسواق السابقة، وانحسر الزخم عنها وانخفضت حركة البضائع، وتراجعت القوة الشرائية، لتدخُل المدينة مرحلة جديدة اتسمت بالركود الاقتصادي وتقلُّص النشاط التجاري.

ودفع تهديد قائد ثاني الدعم السريع باجتياح الولاية الشمالية، بالتزامن مع أسراب المُسيَّرات التي اجتاحت المدينة في أبريل 2025، كثيراً من التجّار إلى نقل أنشطتهم آنذاك إلى خارج الولاية.

ويصف تاجر الماشية محمد عبد الله، قرار الدعم السريع بإيقاف نقل الثروة الحيوانية خارج دارفور بـ «الضربة القاضية لسوق الدبة، الذي تضعضع قبل أن يتلاشى كلياً في منتصف العام الماضي، خاصة بعد إعادة فتح أسواق الماشية في الخرطوم والجزيرة».

ومنذ مطلع العام الحالي، تقلّصت الأنشطة التجارية في الدبة التي تعرّضت للقصف بالمُسيّرات عشرات المرات كانت آخرها في 15 يوليو الجاري، ما جعل المدينة تغرق في فوضى التجارة غير المشروعة للسلاح والمخدرات وتهريب البشر.

ويقول أحد التجار العاملين في سوق الدبة لـ «أتَـر»: «إن الأحداث الأمنية تسببت في ركود النشاط التجاري، كما أن هناك كثيراً من التجار غادروا المدينة نحو المناطق الآمنة». ويضيف التاجر الذي طلب حجب اسمه أن «جميع أسواق الدبة التي كانت تضجّ بالحياة قبل عام واحد، تراجعت كثيراً وأصبحت الحركة التجارية فيها تقتصر على مَقاهٍ ومحلات سماسرة يعملون في تهريب البشر إلى دول الجوار».

وبحسب عدد من الإدارات الأهلية تحدّثوا لـ «أتَـر» من مدينة الدبة، فإن الأوضاع بدأت تتغير كثيراً خلال الفترة الأخيرة، عقب تضاؤل الناشط التجاري والانتشار العسكري وظهور مجموعة مسلحة تدّعي الانتماء لأحد الأطراف المتحالفة مع الجيش.

وقال أحد الزعماء الأهليين، مفضّلاً حجب اسمه، إن أسواق المدينة التي نشأت في الحرب تراجعت كثيراً؛ وعليه انخفضت أسعار إيجارات المنازل والمحلات التجارية التي كانت مرتفعة في السابق.

بؤرة مخدرات ومظاهر عسكرية

وكشف مصدر محلي وثيق الصلة بالاشتباكات العسكرية الأخيرة في مدينة الدبة، عن أبعاد خطيرة تتعلق بنشاط تجارة المخدرات والممنوعات، مؤكداً أنّ هذه التجارة غير القانونية باتت تُدار أمام أعين الجهات التنفيذية والعسكرية التي ظلت تقف عاجزة عن مكافحتها. وتدل «فعاليات الحملة التوعوية لمكافحة المخدرات» التي نشطت أخيراً برعاية إدارة الإعلام بالمحلية، على مدى تفشّي المخدرات.

ويخبر المصدر أن عمليات تجارة المخدرات ما زالت مستمرة في المدينة التي تحوَّلَتْ إلى مركز توزيع ترد إليه المخدرات بأنواعها مثل البنقو والمخدرات المصنّعة عبر الطُّرق البرية، وتشارك فيها عدة جهات بما فيها عناصر من الدعم السريع نفسها، وأضاف أنّ المصلحة المالية العائدة من تجارة المخدرات كسرت الحاجز بين أطراف الحرب التي يُعتقد أنها على النقيض.

وتحولت المدينة، بحسب وقائع مشهودة وإفادات حصلت عليها «أتَـر»، إلى مركز لتجارة المخدرات والأسلحة والمنهوبات، وترافق هذا كله مع  هجمات متكررة من قِبل الدعم السريع بالمُسيّرات على محطات إنتاج المياه وتوليد وتوزيع الكهرباء فازدادت معاناة السكّان، وبدأت القليل من رؤوس الأموال التي ما زالت تعمل بالمدينة مغادرتها هرباً من الانفلات الأمني ومخاطر القصف المتكرّر وارتفاع الجبايات وضعف الحركة التجارية.

واللافت أن قوات عسكرية مختلفة التشكيلات انتقلت إليها، مما تسبَّب في انتشار السلاح وتهديد سلامة المدنيين. يقول أحد سكان المدينة، وطلب حجب اسمه، في حديثه لـ «أتَـر»: «كانت هنالك نقاط تفتيش (ارتكازات) محدودة داخل مدينة الدبة، لكن مع استمرار الحرب صارت التشكيلات العسكرية أكثر، وازداد عدد الأفراد الذين يحملون السلاح في كل مكان، وتبعاً لذلك وقعت عديد من الحوادث التي لا يمكن أن تُنسب جميعها إلى القوات العسكرية، رغم أنها من فعل أفراد مسلحين. ومع ازدياد الجرائم انكمشت حركة الناس وبدأت رؤوس الأموال في المغادرة».

ويقول آخر من سكان المدينة لـ «أتَـر»، «إن هناك مخاطر كثيرة وحالة فوضى أمنية غير مسبوقة بسبب كثافة الوجود العسكري في المدينة، التي كادت أن تتحول لثكنة عسكرية حتى تلاشى الفارق بين العسكري النظامي والأشخاص الذين يرتدون الزي العسكري لاستخدامه في أغراض شخصية».

ويتابع: «هذا التدهور الأمني حوَّل المدينة من مركز تجاري نابض إلى بؤرة للخوف والرعب، وأصبح السكان يعيشون قلقاً مستمراً؛ بسبب المظاهر العسكرية متوقّعين الأسوأ أمام عجز السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية عن السيطرة على الأوضاع وإعادة الأمن والاستقرار».

ويقول صالح الطيب، الذي قضى عامين في الدبة قبل انتقاله إلى سوق ليبيا بأم درمان، لـ «أتَـر»: «كانت لدى الدبة فرصة واسعة للمحافظة على الوهج الذي حصلت عليه أثناء الحرب، لكنّ تحويلها إلى ارتكاز عسكري توسَّع بسرعة فائقة، جعلها تعيش حالة انفلات أمني بسبب تعدّد الجيوش وفشل لجنة الأمن في الولاية في السيطرة عليها».

Scroll to Top