أتر

المالحة: أزمة غذائية فوق احتمال الناس

في منتصف مارس من العام الماضي، استيقظ سكّان مدينة المالحة في شمال دارفور، على وقع أصوات الرصاص، مع بدء الانسحاب الكامل لقوات الجيش والقوات المشتركة من المدينة، التي دخلتها قوات الدعم السريع، عقب إرهاصات كانت تُنبئ بقرب إحكام الدعم السريع سيطرتها على محلية المالحة بأسرها. ومنذ ذلك التاريخ، تبدّلت حياة الناس هناك، وبدأت رحلة من المعاناة ما زالت مُستمرة. ووفقاً لشهادات عدد من أبناء وبنات المدينة المُشتَّتين داخل السودان وخارجه، تحدّثوا لـ «أتَـر»، فإنّ أكثر من 90% من سكّان مدينة المالحة، حاضرة المحلّية، نزحوا منها إلى مناطق بشمال السودان، قبل أن يلجأ بعضٌ منهم إلى دول أخرى.

قال موسى عليان، وهو من أبناء المدينة ويقيم حالياً بدولة ليبيا، إنّ الأوضاع التي عاشوها في الأسابيع الأولى لسيطرة الدعم السريع على المدينة، جعلتهم يفرّون خوفاً على أنفسهم وبقية أسرهم، وأضاف في حديثه لـ «أتَـر»: «منذ البداية أدركنا أنّ تكلفة البقاء أعلى، وما كان بمُرادنا أن نُغادر مسقط رأسنا، لكن الخوف مما سيأتي، وكانت نُذره تلوح في الآفاق، جعلنا نفرُّ لننجو»، وكشف عن أنهم يتواصلون مع أقارب لهم بأرجاء من المحلية، يخبرونهم بأهوال قاسية، قال عليان إنها تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال.

تقع محلية المالحة في مناطق جبال الميدوب، وتبعد من مدينة الفاشر بحوالي 220 كيلومتراً، ونحو 355 كيلومتراً من مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية. وتَحِدُّها من الشمال الجارة ليبيا، ومن الشرق ولاية شمال كردفان، ومن الشمال الشرقي الولاية الشمالية، ومن الغرب محليتا كُتم ووادي هوَر، ومن الجنوب محلية ملّيط، ومن الجنوب الشرقي محلية الكومة. وتتكون من سبع وحدات إدارية هي: «المالحة، الحلف، ماريقا، أم بياضة، الحارة العطرون، أبو قران، عين بسارو».

يتشكّل قوام السكّان في المالحة من الميدوب الذين يقوم نشاطهم الاقتصادي على النظام الرعوي وأساسه تربية الإبل والماشية، وقد اهتزّ هذا النظام بشدة بفعل موجات الجفاف التي ضربت المنطقة في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم. كذلك يقوم نشاط الميدوب الاقتصادي على التجارة الحدودية مع دول مصر وليبيا وتشاد، إضافة إلى الزراعة التقليدية. وتزخر المحلية بالموارد الطبيعية في حقل العطرون وواحات النخيل ومناطق التنقيب عن الذهب في تقرو وراهب وأم الحراير.

لعنة الجغرافيا

يقول شمس الدين مُرْكز آدم، وهو أحد الناجين من هجوم قوات الدعم السريع على قريته «أم التيمان» في 17 مايو 2025، وقد نزح إلى مدينة الدبة في الولاية الشمالية، موضحاً أنّ قرب محلية المالحة من محلية الطينة، التي تتمركز بها قوات الجيش والقوات المشتركة، بات يشكل لعنة قائمة. ويضيف قائلاً: «منذ سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر، باتت تمرّ سيارات ودراجات بخارية على متنها عناصر من الدعم السريع متجهة نحو المناطق التي تخضع لسيطرة قوات الجيش». ويشير آدم إلى أنّ القوات، في طريقها نحو الطينة وكرنوي، تُهاجم القرى والأودية التي لجأ إليها النازحون.

ويقول عثمان إبراهيم، من سكّان محلية المالحة، لـ «أتَـر»، إن الطريق المُمتد من المالحة إلى حلف والحلف الثاني ودريشقا ومن ثم إلى مليط، أصبح مسرحاً مفتوحاً لقوات الدعم السريع تتحرّك عبرها وتُمارس مختلف أشكال الانتهاكات بحق السكّان، كما أن الطريق بات مفتوحاً لعصابات وعناصر مرتزقة قادمة من عدة دول عبر ليبيا الجارة. يقول إبراهيم: «تتسلَّل هذه العناصر حالياً وتتحرّك داخل الحدود السودانية، مُستفيدةً من حالة الهشاشة الأمنية والفوضى المنتشرة في المنطقة»، ويضيف: «هذه العصابات والجماعات تحت حماية قوات الدعم السريع، وهي تعترض الطرق ما أدى إلى توقف الرحلات التجارية، وتستهدف السكّان الذين يخرجون بحثاً عن العلاج في المالحة التي يوجد بها مستشفى مرجعي، وهو على تردّي أوضاعه يظلّ الخيار الوحيد المتاح، إن تمكّنتَ من الوصول إليه».

ويقول إبراهيم إنّ كثيراً من المرضى الذين يقصدون المالحة لا يصلون إليها، بعد أن تحوّلت الرحلة إلى خطر حقيقي يُهدِّد النساء والأطفال والشيوخ، ومن يصلون إليها لا يعودون إنما يغادرونها بحثاً عن العلاج في الدبة بالولاية الشمالية، لكن إبراهيم يجزم بأنّ كل من يقصد أيّاً من الوجهتين لا يصل إليها. ويضيف قائلاً: «حوادث القتل والتصفية والنهب لم تعد خافية على أحد، وأصوات الضحايا ما زالت حاضرة في ذاكرة الناس، والأخطر أن بعض هؤلاء المجرمين معروفون لدى الأهالي ويتحرّكون في وضح النهار بلا خوف».

ويشير إبراهيم إلى وجود نقطة ارتكاز تابعة لقوات الدعم السريع في منطقة دريشقا، شرقي المالحة وإلى الغرب من مليط، تجري فيها أغلب الانتهاكات التي تُرتكب في حقّ المدنيين، وقال: «هذه النقطة تتحمَّل المسؤولية المباشرة عما يحدث، بل إنّ هناك تنسيقاً واضحاً ومُحكَماً بينها وعصابات مُتعدِّدة تنشط في المنطقة حالياً».

ويقول إبراهيم، مُحمّلاً قوات الدعم السريع كامل المسؤولية عن الانفلات الأمني، إنّ «المنطقة تقع تحت سيطرتهم الكاملة وتحرّكات العصابات معروفة، والقتل والنهب يتكرّر يومياً، ما يُؤكّد وجود تواطؤ وصمت مقصود ورعاية غير مباشرة لهذه الجرائم»، بحسب قوله. ويضيف إبراهيم أن هذه ليست حوادث فردية معزولة إنما حالة انفلات خطيرة يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء، خاصة النساء وكبار السنّ والمرضى الذين أصبح طريق العلاج بالنسبة لهم طريقَ موتٍ وخوف. ويقطع بوجود نمط مُنظّم ومُتكرِّر لهذه الجرائم.

ارتفاع في أسعار السلع

وفي منطقة ماريقا، بمحلية المالحة، رسَمت غرفة طوارئ المنطقة، صورة قاتمة للأوضاع هناك، وكشفت عن تزايد بالغ في أسعار السلع الأساسية بسوق البلدة، وعجز السكّان عن الشراء لأنهم فقدوا أعمالهم ومقدرتهم المالية. وطبقاً لبيان صادر عن الغرفة في العاشر من يوليو الجاري، فقد بلغ سعر جوال الدقيق (25 كيلوجراماً) 190 ألف جنيه سوداني، بينما بلغ سعر جوال البصل 175 ألف جنيه، ورطل زيت الطعام 16 ألف جنيه، والكيلوجرام من العدس 12 ألف جنيه، وقطعة الصابون 3 آلاف جنيه، وكيلو السكر 12 ألف جنيه، وملوة الدخن 10 آلاف جنيه، وملوة الذرة 8 آلاف جنيه، ورطل الويكة 6 آلاف جنيه، وكيلو الأرز 12 ألف جنيه، وعلبة الصلصة الصغيرة 6 آلاف جنيه.

ونظراً إلى الشحّ في السيولة النقدية، فإنّ عمليات البيع والشراء تجري عبر التطبيقات البنكية، وفقاً للغرفة، وهو ما أدّى إلى نشوء سعرين للسلعة الواحدة. وكشفت الغرفة عن ارتفاع بالغ في أسعار المواد التموينية، في محلية المالحة بمختلف وحداتها الإدارية ومجالس قراها، على نحو وصفته بأنه «مُخيف». وأشارت إلى أن هذه الزيادة تزيد من معاناة الأسرة النازحة والمستضيفة، التي تجتهد في سبيل الحصول على أبسط مقومات الحياة.

وقالت غرفة طوارئ المالحة، إنّ منطقة «دار ضيفة»، تعاني ارتفاعاً حاداً وانعداماً تاماً للسلع الغذائية الأساسية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية وزيادة معاناة الأسر في ظلّ ظروف إنسانية واقتصادية صعبة. وبحسب متابعات «أتَـر»، بلغ سعر جوال السكّر 480 ألف جنيه سوداني، نقداً، و520 ألف جنيه عبر تطبيق بنكك، بينما بلغ سعر جوال الدقيق (25 كيلوجراماً) 190 ألف جنيه نقداً، و220 ألف جنيه بنكك، وجوال البصل 500 ألف جنيه نقداً و550 ألف جنيه بنكك، وجالون الزيت (9 أرطال) 210 آلاف جنيه نقداً، و240 ألف جنيه بنكك، وسعر طحن الملوة الواحدة من الحبوب 3 آلاف جنيه نقداً و5 آلاف جنيه بنكك.

جراح المُسيَّرات وحريق الأسواق

مرّ يونيو الماضي ثقيلاً على محلية المالحة، وفاقم من معاناة سكّانها. وكشف مرصد المالحة لحقوق الإنسان ما قال إنها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني تُرتكب في المحلية «منذ 20 مارس 2025، من قِبل طرفي النزاع في السودان»، واصفاً إياها بأنها «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ نتيجة للهجوم واسع النطاق والمنهجي ضد المدنيين». ووفقاً للمرصد، سقط ضحايا مدنيون في يومي 18 و19 يونيو «إثر استهداف عربة مدنية تُقلّ ركاباً بطائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني بين سوقي (الاثنين) و(الثلاثاء) وهم في طريقهم إلى منجم للتنقيب عن الذهب في بلدة «تقرو» في محلية المالحة، ما أدى إلى مقتل 9 أشخاص وإصابة شخصين آخرين بجروح»، وفقاً لإحصائية المرصد.

وليس بعيداً زماناً أو مكاناً، قال المرصد في بيانه ذاته «وتلا ذلك استهداف سوق منطقة أم بياضة بطائرة مُسيّرة أخرى تابعة للجيش السوداني أيضاً. وتقع منطقة أم بياضة شرق رئاسة المحلية على بُعد 70 كيلومتراً، وقد أسفر الاستهداف عن احتراق السوق بالكامل». وقع هذا الاستهداف في 19 يونيو، حسب إفادة أحد السكّان مراسل «أتَـر».

ومن الأسواق ما لم يُحرَق بمُسيّرات طرفي القتال، لكنه احترق لأسباب أخرى، تساعد فيها طبيعة الأسواق المشيدة من المواد المحلية. فقد كشفت مصادر محلية عن تعرّض السوق المحلي بمنطقة عشر جنوبي مدينة المالحة لحريق هائل في الأول من يوليو الجاري قضى عليه وخلّف خسائر كبيرة في البضائع والممتلكات. وقال يس كمال الدين، عضو غرفة طوارئ عشر لـ «أتَـر»، إن كارثة احتراق السوق أتت في ظلّ ظروف معيشية قاسية يعيشها المجتمع المحلي، وشحّ في المواد الغذائية.

وقال جبريل مرادة، التاجر بالسوق لـ «أتَـر»، إنّ الخسائر تراكمت على التجّار، لكن أثرها البالغ سيقع على السكان، إذ إن السوق يحتوي على مخزون كبير من السلع والبضائع، ويتعذّر تعويضها في الظروف الحالية لأنّ الطرق مُغلقة، والبضائع تتعرَّض للنهب والمصادرة، والسيارات تُستهدف بالمُسيّرات؛ وقال: «كان وجود السوق والبضائع فيه مصدر طمأنينة للناس هنا، لكنّه تحوَّل إلى مصدر قلق».

وليس بعيداً أيضاً، فقد كشفت غرفة طوارئ أدرور عن حريق هائل في السوق الشعبي مطلع يونيو الماضي، وهو السوق الوحيد العامل بالمنطقة. وقالت الغرفة إن الحريق أسفر عن وقوع خسائر مادية فادحة في الممتلكات والبضائع، وسط حالة من الحزن والأسى بين سكان المنطقة.

وقد قضت النيران على أجزاء واسعة من السوق، وكان من أبرز الخسائر احتراق مطحنتين بالكامل، وتُعدّان الشريان الأساسي الذي يعتمد عليه سكان المنطقة في طحن محصول الذرة لتأمين غذائهم اليومي. كما طالت ألسنة اللهب بضائع ومحلات عدد من الأسر النازحة، التي لجأت إلى المنطقة قريباً وكانت تعتمد على التجارة البسيطة داخل السوق مصدرَ دخلٍ وحيداً لتأمين قوت يومها في ظل الظروف الراهنة.

ناقوس الخطر

ووفقاً لمعلومات ميدانية تلقّاها المرصد السوداني لحقوق الإنسان ومنظمة بزا للتنمية والخدمات الإنسانية وبناء السلام، من عدد من مناطق محلية المالحة بشمال دارفور ووحداتها الإدارية، فإن مؤشرات قوية ظهرت على دخول المنطقة في أزمة غذائية. وصفت المذكرة، الصادرة عن المؤسستين في 11 يوليو الجاري، نقلاً عن مصادر محلية، مدى تقلّب وهشاشة الأوضاع الأمنية والغذائية والصحية في المالحة ومدى «إنهاك آليات التضامن المحلية، بما في ذلك غرف الطوارئ والمُنظّمات غير الحكومية والمحلية، ومُبادرات المساعدة المتبادلة الشعبية».

ورصدت المذكرة كيف تدهورت «خطوط الإمداد الهشة» مع تدهور الأوضاع الأمنية بدءاً من مارس 2025 «عندما شنّت قوات الدعم السريع هجوماً عسكرياً واسع النطاق على القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة التي تمركزت في المنطقة».

ودعت مذكرة المرصد السوداني لحقوق الإنسان ومنظمة بزا إلى استجابة عاجلة: «إنّ الاستمرار في تجاهل سلاسل الإمداد المقطوعة إلى منطقة المالحة بمثابة تواطؤ صامت على مجاعة من صنع البشر تتراكم مؤشراتها بسرعة؛ لكن يمكن مواجهتها بالتحرك الحازم. لم يعد هناك وقت للمناورات السياسية أو الإجراءات البيروقراطية، فقد تجاوز الوضع خط الخطر».

Scroll to Top