أتر

حين استعادت الوجوه ابتسامتها: في معرض عطبرة للبيع المخفّض

تدشيناً لسلسلة معارض البيع المخفَّض التي انتظمت بولاية نهر النيل في يوليو الجاري، أقيم المعرض الأول في مدينة عطبرة بنادي المعلمين بدءاً من 6 يوليو على أن يستمر لمدة 15 يوماً، ثم تلاه معرض في مدينة الدامر في 13 يوليو، وأقيم معرض ثالث في مدينة بربر يوم 14 يوليو، ويستمر لمدة أسبوعين في المحليتين.

لم تكن السلع المعروضة أو الأسعار المكتوبة على الطاولات هي أكثر ما لفت انتباه مراسلة «أتَـر» في معرض عطبرة، إنما وجوه المواطنين وهي تتنقّل بين الأركان؛ وجوه أنهكها الغلاء وأثقلتها حسابات الحياة اليومية، لكنها استعادت شيئاً من الفرح وهي تجد فرصة لشراء احتياجاتها بأسعار أقل من أسعار السوق.

هذا ما لاحظه أيضاً محمد علي ناصر، وهو من روّاد المعرض، إذ قال متحدّثاً لـ «أتَـر»: «إنّ نجاح المعرض لا يحتاج إلى أرقام وإحصائيات لإثباته، فالإجابة تظهر في ملامح الناس». يقول محمد إنّ الفرق بين أسعار السوق والمعرض كان واضحاً، وضرَب مثالاً بسعر كيلو (لبن البودرة) الذي يصل في السوق إلى 40 ألف جنيه بينما يُباع داخل المعرض بـ 26 ألف جنيه، وهو فرق كبير بالنسبة للأسر التي أصبحت تحسب احتياجاتها اليومية بدقة. وفضلاً عن كونه مكاناً للشراء، يرى محمد في المعرض مساحةً لتخفيف ضغط الحياة. لكنّه يكشف، في الوقت ذاته، جانباً من المعاناة التي يعيشها الناس، إذ أوضح أنه اضطرّ إلى الاستدانة حتى يوفر احتياجات أسرته، دون أن يعرف كيف ستكون ظروف عمله لاحقاً. ويرى أنّ 15 يوماً لا تكفي، وأنّ المواطن يحتاج إلى مبادرات مستمرة تخفّف عنه أعباء المعيشة ولا تقتصر فقط على الغذاء، بل تمتد إلى العلاج والخدمات الأساسية التي أصبحت تشكل عبئاً كبيراً على الأسر.

ومن خلف الفرحة البادية على وجوههم، يطرح سكّان المدينة سؤالاً: ماذا بعد انتهاء المعرض؟.

ترى إلهام حسن، وهي تسكن بمدينة عطبرة، أنّ المعرض نجح في تخفيف جزء من الأعباء، لكنها تسأل: «إذا كان بالإمكان تخفيض الأسعار داخل المعرض فلماذا لا يُضبَط السوق بعامّة؟». وتقول في حديثها لـ «أتَـر»: «سيعود الناس بعد انتهاء الأيام المحددة لمواجهة الأسعار نفسها، لذلك فإنّ الحل لا يكمن فقط في إقامة معارض مؤقتة وإنما في تنظيم السوق على نحوٍ يضمن استقرار الأسعار».

أما محاسن الزين الصادق، وهي من رواد المعرض، فترى فيه فرصة للتنفّس وسط الضيق المعيشي، إذ لم تكن تبحث عن شراء كميات كبيرة من السلع وإنما عن توفير احتياجات أسرتها اليومية، وتقول لـ «أتَـر» إنّ المعرض قد وفر للسكّان فرصة مهمة، متمنيةً أن يستمر حتى لا تعود الأسر مرة أخرى لمواجهة الغلاء وحدها.

والمنتجون أيضاً

لم يكن روّاد المعرض وحدهم من وجدوا فيه فرصة طيبة، فبين الطاولات كانت هناك أسر منتجة تحاول الحفاظ على مصدر رزقها في ظلّ ارتفاع تكاليف الإنتاج.

زينب أحمد، ربّة إحدى الأسر المنتجة المشاركة في المعرض، حيث جاءت بمنتجاتها من البهارات المطحونة الجاهزة. تقول زينب إنّ المعرض وفّر لهم مكاناً لعرض منتجاتهم دون التكاليف التي كانت تثقل كاهلهم عند المشاركة في (البازارات المؤقتة).

لم يعد الهدف من المشاركة بالنسبة لزينب تحقيق أرباح كبيرة، وإنما الاستمرار في العمل والحفاظ على رأس المال. وتشير إلى أن أسعار المواد الخام ارتفعت بشدة، وضربت مثالاً بارتفاع سعر الهبّهان مقارنة بالسابق. وتوضح أنها درست أسعار السوق قبل المشاركة حتى تضمن ألا تخسر رأس مالها، واكتفت بهامش ربح بسيط، مشيرةً إلى أن توفير المحلية للمكان والكهرباء والطاولة ساعد الأسر المنتجة على تقليل التكلفة وتقديم أسعار مناسبة للمواطن.

في أحد أركان المعرض توجد الطفلة هبة الله أيمن، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تقف خلف طاولة، تبيع منتجات الصابون السائل المصنّع منزلياً. وفدت أسرة هبة الله من ولاية الخرطوم إلى عطبرة بعد الحرب، وجاءت مشاركتها ضمن محاولات الأسرة توفير مصدر دخل جديد. لم تكن هبة تخطط للوقوف وحدها، لكنّ والدها اضطر للذهاب إلى عزاء فوجدت نفسها تدير عملية البيع، وعندما سألتها مراسلة «أتَـر» عن قدرتها على التعامل مع الزبائن رغم صغر سنّها قالت إنّ «الظروف تحكم الناس» وإنها تريد مساعدة والدها وأهل بيتها. كانت هبة الله أصغر بائعة في المعرض لكنها عكست قصة أسرة تحاول الصمود أمام ظروف اقتصادية فرضت عليها أن يبدأ جميع أفرادها بالمساعدة.

تصوير: مراسل أتر

سرّ انخفاض الأسعار

خلف انخفاض الأسعار داخل المعرض، كانت هناك معادلة اقتصادية تعتمد على تقليل حلقات البيع والوصول المباشر من المنتِج إلى المواطن.

في حديثها لـ «أتَـر» توضح فاطمة أحمد، مندوبة مبيعات شركة المزارع لمنتجات الألبان، أنّهم يبيعون داخل المعرض بسعر الشركة، وضربت مثالاً بأنّ كيلوجراماً من الزبادي يُباع داخل المعرض بـ 7.500 جنيه سوداني، بينما يتراوح سعره في السوق بين 10 آلاف جنيه و12 ألفاً. وتفسّر ذلك بأنّ السلعة تصل من الشركة إلى المستهلك مباشرةً دون المرور بسلسلة الوسطاء، إضافة إلى أنه ليست هناك تكاليف إضافية مثل الإيجارات والترحيل، وهي عوامل تنعكس عادة على السعر النهائي. وترى فاطمة أنّ التجربة حقّقت فائدةً للطرفين، فالمواطن يحصل على سعر أقلّ والشركة تستطيع الوصول مباشرة إلى المستهلك.

كانت اللحوم من بين أكثر السلع التي جذبت اهتمام السكّان؛ باعتبارها من المنتجات التي أصبحت بعيدة عن موائد كثير من الأسر بسبب ارتفاع أسعارها.

حمزة أزهري أبو طالب، جزّار مشارك في المعرض، يقول لـ «أتَـر» إنّ مشاركته لم تكن بهدف تحقيق أرباح كبيرة، إنما جاءت من إحساسه بالمسؤولية تجاه المجتمع. يوضح حمزة أنّ البيع داخل المعرض يحقّق هامش ربح محدود، وأن الهدف الأساسي هو تخفيف العبء عن الناس، مشيراً إلى أن المعرض يمثل فرصة لبناء الثقة مع الزبائن، وأنّ رضا الزبائن يمثل مكسباً مهماً للتاجر.

وتقلّ أسعار اللحوم داخل المعرض عما هي عليه في السوق، إذ يبلغ سعر كيلو العجالي 46 ألف جنيه سوداني في السوق بينما يُباع داخل المعرض بـ 28 ألف جنيه، أما كيلو الضأن فيباع بـ 64 ألف جنيه في السوق وبـ 54 ألف جنيه في المعرض. ويرى حمزة أن المعرض وفر فرصة للتعامل المباشر بين الجزّار والمستهلك، بعيداً عن كثير من التكاليف التي ترفع الأسعار.

من المبادرة إلى مشروع مستمر

توضح هناء محمد عبد الرحمن، عضو اللجنة المنظمة، والموظفة في وزارة المالية بولاية نهر النيل، في حديثها لـ «أتَـر» أنّ المعرض يستمر لمدة خمسة عشر يوماً، بمشاركة الشركات والتجّار والجمعيات التعاونية والغرفة التجارية والأسر المنتجة. وتقول هناء إنّ بعض الشركات شاركت ضمن مسؤوليتها المجتمعية، فباعت بسعر المنتج وتحمّلت تكلفة الترحيل، بينما استفادت الأسر المنتجة من توفير المكان والخدمات. وتؤكّد أن الفكرة الأساسية للمعرض تقوم على تقليل حلقات الوساطة بحيث يصل المنتَج إلى المستهلك مباشرة، وهو ما يسمح بتقديم أسعار أقل مع تحقيق هامش ربح بسيط للمشاركين.

لكنّ السؤال الأكبر ظلّ قائماً: هل ينتهي أثر المعرض بانتهاء أيامه الخمسة عشر؟

يرى أزهري أبو طالب، رئيس لجنة شؤون الخدمات بالغرفة التجارية بولاية نهر النيل، أنّ التجربة لا ينبغي أن تكون مؤقتة، وكشف عن نقاشات واسعة أجراها مع حكومة الولاية حول مستقبل المعرض، ويقول إنه طرح على حكومة ولاية نهر النيل مقترحات لتحويل المعرض إلى مبادرة مستمرة تقوم على شراكة بين الحكومة والقطاع التجاري، من خلال التزام الولاية بتوفير المكان المناسب وتسهيل عمليات الترحيل وتوفير الكهرباء والخدمات الأساسية حتى لا تتحوّل هذه التكاليف إلى أعباء تضاف إلى سعر السلعة. ويؤكّد أبو طالب أن حكومة الولاية وافقت على هذه المقترحات خاصة بعد النجاح الذي حققه المعرض في عطبرة، والإقبال الكبير من السكّان والفائدة التي لمسها المجتمع.

ويرى أبو طالب أنّ استمرار التجربة يمكن أن يخلق ضغطاً إيجابياً على السوق؛ لأنّ انخفاض تكلفة وصول السلعة إلى المواطن يعني قدرة أكبر على البيع بأسعار مناسبة، لكنه يشدّد على أنّ الحل يكمن في استمرار المعارض لمعالجة أسباب ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أعباء الجبايات وتكاليف الترحيل والمشكلات التي تواجه حركة نقل السلع والمواشي من مناطق الإنتاج، ويضرب أبو طالب مثالاً بتجارة اللحوم، موضحاً أن تخفيف هذه الأعباء وتأمين طرق النقل وتقليل رسوم الجبايات يمكن أن يمنح التجار فرصةً للاستمرار في تقديم أسعار أقلّ.

ويؤكد أبو طالب أن التجربة ستتوسع لتشمل بقية محليات الولاية بعد أن بدأت في عطبرة، ووصلت إلى الدامر وبربر وبدأت الترتيبات لنقل التجربة إلى شندي والمتمّة والبحيرة وأبو حمد حتى تنعَم الولاية بأكملها بالسلع الأساسية المخفضة.

وعندما طرحت عليه مراسلة «أتَـر»، سؤال الناس، بصفته يعمل في الغرفة التجارية: «ما دام في مستطاع الغرفة التجارية وغيرها من الجهات المختصة إقامة مثل هذا المعرض، لماذا لا تستطيع ضبط السوق؟» كان ردّ أزهري أن عدم تنفيذ القانون هو السبب الأول في عدم انضباط السوق.

كان معرض تخفيف أعباء المعيشة في عطبرة أكثر من مجرد سوق مؤقّتة بأسعار أقلّ، إنما صورة مصغّرة لحكاية أكبر يعيشها المواطن الذي يبحث عن سلعة يستطيع شراءها، والأسرة المنتجة التي تحاول الحفاظ على مصدر رزقها، والتاجر الذي يحاول أن يوازن بين الربح وخدمة المجتمع. وربما يكون أكبر نجاح حققه المعرض أنه، بقدر منحه الناس فرصة للشراء، قد فتح نقاشاً أوسع حول سؤال الديمومة: كيف يمكن أن تصبح القدرة على العيش الكريم حقاً دائماً لا فرصة مؤقّتة مرتبطة بمثل هذه المعارض؟.

Scroll to Top