أحدثت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 تحولات عميقة في المشهد الاقتصادي بولاية غرب دارفور، كان أبرزها صعود الفرنك التشادي ليصبح عملة متداولة على نطاق واسع إلى جانب الجنيه السوداني، في ظل الانهيار المتواصل للعملة المحلية، وتراجع السيولة النقدية، وازدياد الاعتماد على التجارة العابرة للحدود مع تشاد. ويُعد الفرنك الأفريقي لوسط أفريقيا (XAF)، المعروف محلياً بالفرنك التشادي، العملة الرسمية لكل من تشاد والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى والغابون وغينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو، وتُصدره المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (CEMAC)، ويرتبط بسعر صرف ثابت مع اليورو، الأمر الذي أكسبه قدراً من الاستقرار مقارنة بالجنيه السوداني.
سوق الكتكاتة: من السر إلى العلن
عرفت مدينة الجنينة منذ سنوات طويلة سوقاً لتداول العملات الأجنبية، إلا أن نشاطه كان يجري على نحو محدود، بسبب القيود التي فرضتها الحكومات السابقة على تجارة النقد الأجنبي. لكن اندلاع الحرب غيّر المشهد بالكامل، إذ توسعت تجارة العملات على نحوٍ غير مسبوق، وأصبح المتعاملون يمارسون نشاطهم علناً داخل موقع مُخصَّص يُعرَفُ محلياً باسم «سوق الكتكاتة»، الذي تحوَّلَ إلى أحد أكثر الأسواق حركةً ونشاطاً في المدينة، ويَستقطب يومياً مئات المتعاملين والتجار والمسافرين. وفي إطار تنظيم هذا النشاط المتنامي، أشرفت «السلطات المحلية» على تكوين شعبة لتجار العملة، في مُحاولة لضبط السوق وتنظيم العاملين فيه والحد من المضاربات التي تُؤثّر على أسعار الصرف.
الجنيه مقابل الفرنك: ثلاثة أسعار
وقبل اندلاع الحرب، كان سعر ألف فرنك تشادي يعادل قرابة خمسة آلاف جنيه سوداني، غير أن الانهيار المتواصل للجنيه أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في قيمة الفرنك. ووصل سعر الألف فرنك حالياً إلى ما يقارب الأربعين ألف جنيه سوداني نقداً.
ومع تفاقم أزمة السيولة وتعدد وسائل الدفع، ظهرت ثلاثة أسعار مختلفة للفرنك داخل السوق، بحسب طريقة السداد، إذ يبلغ سعر الألف فرنك نحو 48 ألف جنيه عند التحويل عبر تطبيق «بنكك»، بينما يدور حول 40 ألف جنيه عند الدفع بالفئات النقدية الكبيرة، ويرتفع إلى نحو 43 ألف جنيه عند التعامل بالفئات الصغيرة، وهو ما يعكس حجم التشوهات التي يشهدها سوق النقد. كما ارتفعت عمولة التحويل عبر تطبيق «بنكك» إلى نحو 30% من قيمة المبلغ، الأمر الذي دفع كثيراً من التجار والمواطنين إلى تفضيل التعامل المباشر بالفرنك.
حدود تداول تشمل المعاملات اليومية
لم يعد استخدام الفرنك مُقتصراً على تجار العملة، إنما أصبح مُتداولاً داخل الأسواق والمحلات التجارية في مختلف أنحاء غرب دارفور، حيث تقبل العديد من المتاجر البيع والشراء بالفرنك إلى جانب الجنيه السوداني، بينما يفضل بعض التجار التسعير بالعملة التشادية باعتبارها أكثر استقراراً وأقل عرضة للتقلبات اليومية. ويقول تجار، لمراسل «أتر»، إن الفرنك أصبح بالنسبة للكثيرين وسيلة لحفظ القيمة، في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني فقدان قوته الشرائية بوتيرة متسارعة. وقد امتد التعامل بالفرنك إلى المعاملات التجارية العادية، في المطاعم والمحلات التجارية؛ إذ يفضله أصحاب المحال التجارية، الذي يتبعون حركة سوق تداول العملات.
ويرى مدير إدارة التجارة والتمويل بولاية غرب دارفور، خليل أحمد عمر، أن تنامي الطلب على الفرنك يرتبط مباشرة باتساع حركة التجارة مع تشاد. وقال في تصريحات لـ «أتر»: إن منطقة أديكونق أصبحت بمثابة ميناء جاف للتجارة الحدودية بين السودان وتشاد، مشيراً إلى أن معظم السلع الغذائية والاستهلاكية القادمة عبر معبر أدري يجري شراؤها بالفرنك التشادي، الأمر الذي زاد الطلب على العملة. وأضاف أن المضاربات في سوق العملات إلى جانب جشع بعض التجار، قد أسهما في ارتفاع الأسعار وتفاقم أزمة سعر الصرف.
اختلالات السوق
في المقابل، يرى أحد تجار العملة، فضل حجب اسمه، أن الارتفاع البالغ في قيمة الفرنك، لا يستند إلى أسس اقتصادية حقيقية، بل يعكس اختلالات داخل السوق المحلي، وأوضح أن سعر الفرنك يرتفع أحياناً رغم استقرار سعر الدولار، وهو ما يُشير – بحسب قوله – إلى وجود مضاربات يقودها عدد محدود من كبار تجار العملة.
وأضاف أن أسواق غرب دارفور تعتمد على استيراد معظم احتياجاتها من السلع الغذائية والاستهلاكية من تشاد، بينما تقتصر الصادرات السودانية على كميات محدودة من البصل والفحم والفول السوداني والجلود، وهي سلع لا تتجاوز قيمتها 5% من إجمالي حجم التجارة بين البلدين. وأشار إلى أن السودان كان يًصدّر في السابق الذهب والصمغ العربي، لكن تراجع الإنتاج بسبب الحرب أدى إلى تقلص حصيلة الصادرات، مما زاد الضغط على الطلب على الفرنك.
وخلال جولة أجراها مراسل «أتر» داخل سوق العملات بمدينة الجنينة، بلغ سعر الدولار نحو 4200 جنيه سوداني، بينما ظل الفرنك يحقق مكاسب متواصلة أمام الجنيه، وهو ما يراه متعاملون دليلاً على أن حركة الفرنك أصبحت تتأثر بعوامل محلية مرتبطة بالعرض والطلب والتجارة الحدودية، أكثر من ارتباطها بحركة العملات العالمية.
إجراءات نقدية جديدة
وفي محاولة للحد من أزمة السيولة، ألزمت الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية التي أنشأتها قوات الدعم السريع بدلاً عن مفوضية العون الإنساني، في سبتمبر 2025؛ المنظماتِ الأجنبية العاملة في الولاية، بدفع المساعدات النقدية للمستفيدين بالفرنك التشادي بدلاً عن الجنيه السوداني، ضمن حزمة قيود وتدابير جديدة، لتقليل الضغط على الكتلة النقدية المحلية، في خطوة تعكس حجم التحول الذي شهده الاقتصاد المحلي خلال السنوات الأخيرة.
وفي تطور آخر يكشف حجم التحولات النقدية بالولاية، شهدت الأسواق خلال الأشهر الماضية تداول كميات كبيرة من الأوراق النقدية الجديدة من فئة الألف جنيه، والتي عرفت محلياً باسم «تأسيس». وفي بداية الأمر رفض عدد من تجار العملة التعامل بهذه الفئة، معتبرين أنها غير معترف بها أو مزورة، قبل أن تتدخل السلطات الحاكمة وتؤكد أنها عملة رسمية وصحيحة ومبرئة للذمة، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى اتساع نطاق تداولها داخل الأسواق، رغم استمرار تحفظ بعض المتعاملين عليها.
ثلاثة مصارف جديدة
وفي مسعى لاحتواء أزمة النقد الأجنبي والحد من المضاربات التي يشهدها سوق العملات، شرعت السلطات التي تدير ولاية غرب دارفور في اتخاذ خطوات لإعادة تنشيط القطاع المصرفي، عبر العمل على افتتاح ثلاثة بنوك جديدة بمدينة الجنينة، في خطوة يرى مراقبون أنها تستهدف استعادة جزء من التعاملات المالية إلى القنوات المصرفية الرسمية، وتقليل الاعتماد على السوق الموازية.
وتشهد مدينة الجنينة حراكاً مصرفياً متسارعاً؛ حيث وصل في شهر يوليو الجاري وفد مصرفي من مدينة نيالا لإكمال الترتيبات الخاصة ببدء عمل بنك المستقبل، الذي اتخذ من مبنى بنك الثروة الحيوانية مقراً مؤقتاً، وشرع بالفعل في فتح الحسابات المصرفية واستقبال العملاء. كما تجري أعمال صيانة وتأهيل لمبنى بنك الخرطوم السابق تمهيداً لافتتاح بنك البلد، وهو مؤسسة مستقلة لا علاقة لها بمصرف البلد في مناطق سيطرة الجيش، بينما بدأ بنك «الفارض» مباشرة أعماله واستقبال طلبات فتح الحسابات. وبطبيعة الحال، تعمل البنوك الثلاثة، في مناطق سيطرة الدعم السريع خارج نطاق بنك السودان المركزي.