أتر

النيل الأزرق: التاريخ وما وراء الحدود

ُعيد التطوّرات العسكرية الحالية، على الحدود السودانية – الإثيوبية، إلى الأذهان أحداثاً شهدَتها المنطقة قبل أكثر من ثلاثة عقود.

في عام 1990، شنّت قوة إثيوبية من الجبهة الشعبية لتحرير تيقراي، تدعمها عناصر من الجيش السوداني وقتها، هجوماً مباغتاً على ثلاثة محاور ضد مواقع الجيش الشعبي في المحطات الحدودية بقيزان، ودول، وقاتاورقا، وصولاً إلى قومبيلا داخل الأراضي الإثيوبية. كانت تلك المنطقة تمثل القاعدة الخلفية للجيش الشعبي في جنوب النيل الأزرق، حيث كانت تُخزّن فيها المعدات العسكرية والمؤن الغذائية.

اللافت أنّ نمط العمليات العسكرية حينها؛ أي في عام (1990) وحالياً (في حرب أبريل) يبدو متشابهاً: ففي كلتا الحالتين، اعتمدت قوات الجيش الشعبي، وحالياً قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية، على إنشاء قواعد خلفية خارج الحدود السودانية، واستغلال الطبيعة الجبلية والغطاء النباتي الكثيف وصعوبة مراقبة الشريط الحدودي، بما يتيح تنفيذ عمليات تسلّل وإمداد بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة. ويتمتع إقليم النيل الأزرق بوضع استراتيجي حساس، فضلاً عن أنه يمتد عبر منطقة حدودية مع دولتي إثيوبيا وجنوب السودان، ويمثل ممراً للحركة والتجارة والتهريب، ما يجعل للسيطرة عليه بُعداً عسكرياً وسياسياً إقليمياً.

منذ استقلال دولة جنوب السودان في يناير 2011، وتحوُّل الحركة الشعبية إلى الحزب الحاكم في الدولة الجديدة؛ ظلت القوات والقيادات التابعة للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، تكثف نشاطها في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق في السودان؛ بقيادة عبد العزيز الحلو رئيساً، ومالك عقار نائباً له، وتسيطر قوات الأخير على مناطق في إقليم النيل الأزرق.

وظل قطاع الشمال موحّداً حتى عام 2017، حين تفجرت خلافات حادة داخل الحركة حول القيادة والرؤية السياسية ومسار التفاوض مع نظام البشير. وفي يونيو من ذلك العام، أصدر مجلس التحرير التابع للحركة قرارات بإقالة رئيسها مالك عقار والأمين العام ياسر عرمان، وتكليف عبد العزيز الحلو برئاسة الحركة.

ومنذ ذلك الحين، انقسمت الحركة الشعبية – شمال إلى جناحين: الأول بقيادة عبد العزيز الحلو، الذي يتخذ من كاودا في جبال النوبة مقراً له، ويتمسّك بمطلب إقامة دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة، مع طرح حق تقرير المصير إن تعذَّر ذلك. أما الجناح الثاني، بقيادة مالك عقار، فقد احتفظ بنفوذه في أجزاء من ولاية النيل الأزرق، وشارك في مفاوضات اتفاق جوبا للسلام ووقّع عليه عام 2020، لتعود بعدها قيادات حركته إلى الخرطوم وتشارك في مؤسسات الحكم الانتقالي، وبموجب ذلك أصبح عقار نائباً لرئيس مجلس السيادة. وعلى خلفية تضارب المواقف بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، أُعلن الانشقاق بين عقار وعرمان في أغسطس 2022، ثم انحاز مالك عقار إلى الجيش عقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

زيادة في وتيرة العمليات

في  يوليو 2025، كوّنَ تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» مجلساً رئاسياً من 15 عضواً، يرأسه محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع، وينوب عنه عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية – شمال، وعضوية نائبه جوزيف توكا في منصب حاكم إقليم الفونج الجديد. والأخير هو النائب الأول لرئيس الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو، عقب انقسامات العام 2017، بين جناحي عقار والحلو. وظلت قوات توكا مرابطة في إقليم النيل الأزرق حتى اندلاع حرب 15 أبريل. 

وسرعان ما انفجرت الأوضاع في النيل الأزرق، في 27 مارس 2025، حيث أسقطت الدفاعات الأرضية للقوات المسلحة السودانية مُسيّرات وجّهها التحالف إلى حي المطار بمدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق. وفي 25 يونيو 2025، أعلنت الفرقة الرابعة مُشاة بسط سيطرتها على منطقة «بالدقو» وما حولها بالإقليم. وفي 26 يونيو 2025، أعلنت الفرقة الرابعة مُشاة بسط سيطرتها على منطقة «ملكن» بمحافظة باو، وفي 23 و24 أكتوبر 2025 شنّت الدعم السريع عبر الطائرات المُسيّرة هجمات على مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق.

ورصدت «أتَـر» زيادة وتيرة العمليات العسكرية في الإقليم خلال عام 2026، ففي يناير من العام نفسه، شنّت الدعم السريع هجمات طالت مناطق السِّلك وملكن ومناطق أخرى في محافظة باو. ومن جانبها باشرت القوات المسلحة عملياتها العسكرية المضادة لاستعادة السيطرة على بعض المناطق التي تعرضت للهجوم. تأتي هذه التطورات في ظل ما رصدته «أتَـر» عن تحركات لافتة في مسارات إمداد قوات الدعم السريع. في 3 فبراير قصفت القوات المسلحة، بطائرات مُسيّرة، مواقع لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية في منطقتي يابوس وملكن قرب الحدود الإثيوبية. وفي 14 فبراير، استهدفت الدعم السريع مواقع في منطقة «بكوري» بمحافظة قيسان في إقليم النيل الأزرق. وفي 27 فبراير استهدفت الدعم السريع والحركة الشعبية مدرستين في محافظة قيسان بطائرات مُسيّرة. وفي 24 مارس، شنّ مقاتلو التحالف هجوماً أخرج القوات المسلحة السودانية من بلدة الكرمك الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق، ثمّ تقدمت الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال من جديد في 26 مارس، مُعلنةً السيطرة على منطقة مقجة، وكان بها معسكرٌ للقوات المسلحة. وفي 28 أبريل 2026، شنّت هجوماً على منطقة «سالي». وفي 5 مايو شنّت الدعم السريع والحركة الشعبية هجوماً على منطقة «سالي» بإقليم النيل الأزرق. وفي 9 مايو، استعادت القوات المسلحة السيطرة على منطقة «الكيلي» بإقليم النيل الأزرق. في 13 مايو، بثّ أفراد من قوات الدعم السريع مقاطع ڤيديو من منطقة «مُقجة». وفي 15 مايو بسطت سيطرتها على منطقة «خور حسن» بإقليم النيل الأزرق. وفي 18 مايو، بسطت القوات المسلحة سيطرتها على منطقتي «كرن كرن» و «دوكان» بإقليم النيل الأزرق، وفي 24 مايو سيطرت على منطقة البركة على تخوم مدينة الكرمك، لتعود الدعم السريع لمهاجمة مواقع بالقرب من مدينة الكرمك في 27 مايو، غيَر أنّ القوات المسلحة تمكّنت من صدّ الهجوم، وتُسيطر على عدة مواقع في 31 مايو. وفي 3 يونيو، شنّت الدعم السريع هجوماً على منطقة «البركة» بإقليم النيل الأزرق. وفي 13 يونيو، نجحت القوات المسلحة في صد هجوم على منطقة «أمورا» بمحافظة قيسان في إقليم النيل الأزرق. وفي 20 يونيو، عادت الدعم السريع لتتقدّم جنوب غرب منطقة «سالي» ودخلت منطقة «سُركم». وفي 26 يونيو، شنّت القوات المسلحة السودانية غارات جوية على تجمعات لقوات الدعم السريع في مناطق متفرقة بإقليم النيل الأزرق، واستردّت في 29 يونيو منطقتي «مُقجة» و«سُركم» بإقليم النيل الأزرق. وفي 3 يوليو شنّت هجمات أخرى على تجمعات قوات الدعم السريع في إقليم النيل الأزرق. ثم أُعلن في 8 يوليو عبر متحرك «النبأ اليقين» عن استعادة القوات المسلحة لمدينة الكرمك، وفي 13 يوليو أعلنت القوات المسلحة السودانية أنّ الفرقة الرابعة مشاة (اللواء 13)، بمساندة قوات العمل الخاص، تمكّنت «من تطهير منطقة فشفون بعد معركة فاصلة كبّدت خلالها العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد»، بحسب وصفها.

صور أقمار صناعية توضح مناطق العمليات العسكرية بين القوات المسلحة والدعم السريع.

ماذا يحدث وراء الحدود؟

بدأت المعلومات تتوافد حول الدور الإثيوبي في حرب السودان. في 27 ديسمبر الماضي، قال مسؤول حكومي، إنّ الجيش السوداني يتحسب لصدّ هجوم تخطط قوات الدعم السريع وحلفاؤها لشنّه على بلدات الكرمك وقيسان في إقليم النيل الأزرق انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية. وأكّد أن إثيوبيا فتحت أراضيها لتدريب مقاتلي الدعم السريع وقوات متحالفة معه في أربع مناطق حدودية في إقليم بني شنقول المحاذي لإقليم النيل الأزرق؛ ليذهب تقرير نشرته رويترز في فبراير 2026، استند إلى برقيات دبلوماسية ومذكرات أمنية داخلية؛ إلى إقامة معسكرٍ لقوات الدعم السريع بتمويلٍ إماراتي في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، بالقرب من سد النهضة الإثيوبي، وعلى مسافةٍ تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود السودانية.

وكشفت إيكاد عن موقع مرجّح لمعسكر الدعم السريع في إثيوبيا عبر تحليل صور أقمار صناعية ومقارنتها بمعطيات ميدانية، حددت فيه موقع المعسكر. وذكرت أنّ تقارير تحدثت عن شروع إثيوبيا في إنشاء معسكر تدريب للدعم السريع متاخم للحدود الإثيوبية، مع مسار إمداد عسكري يُتوقع تشغيله في فبراير 2026 لدعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق. وأظهر التحليل وجود نحو 630 خيمة و6 مستودعات ومبنى مركزي كبير، إضافةً إلى انتشار واسع لحاويات شحن ثقيل، وقدّرت أنّ المعسكر يستوعب حوالي 10 آلاف عنصر.

واستناداً إلى تقرير صادر من إيكاد في 9 يوليو الجاري، فإن هناك مساراً مُحتمَلاً استخدمته عناصر الدعم السريع للتنقل بين جبهات سودانية غير مترابطة، يبدأ من جبهة النيل الأزرق، ويمرّ عبر الرنك ثم جوبا فأويل، قبل أن يمتدّ إلى دارفور، وبمتابعة نشاطات العناصر وتنقلاتها، تبيَّن أن هذا المسار ارتكز على ثلاثة مطارات رئيسة في جنوب السودان: الرنك، وجوبا، وأويل. ورصدت «أتَـر» طريقاً بَرّياً من منطقة السِلّك يصل إلى الرنك.

صورة أقمار صناعية توضح مسار تنقّل قوات الدعم السريع من إقليم النيل الأزرق مروراً بمطار الرنك وجوبا وأويل وصولاً إلى شمال دارفور. الخط البرتقالي مسار بري، الخط الأزرق مسار جوي بحسب إيكاد.

ماذا تقول خريطة المعارك بالنيل الأزرق؟

بالنظر إلى التسلسل الزمني للعمليات العسكرية، يتضح أن المعارك في إقليم النيل الأزرق ركّزت على تأمين الشريط الحدودي مع إثيوبيا، أو قطع خطوط الإمداد الواصلة بين إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي والنيل الأزرق. وقد توزّعت العمليات على مناطق «الكرمك–سالي–سركم» بمحاذاة الحدود الإثيوبية، و «قيسان–أمورا–بكوري» في الامتداد الشرقي للإقليم، وخط «ملكن–يابوس»، الذي يمثل بوابة الحركة القادمة من الجنوب الغربي والمتصلة بالطريق المؤدي إلى جنوب السودان.

ومنذ ديسمبر 2025، انتقل ثقل العمليات إلى المناطق الحدودية تزامناً مع تقارير أفادت بوجود معسكرات تدريب لقوات الدعم السريع داخل إقليم بني شنقول، واستخدام الأراضي الإثيوبية نقطةَ انطلاق لفتح مسارات إمداد؛ وهو ما يُفسّر تركّز المعارك في الكرمك وقيسان وملكن ويابوس لكونها الأقرب إلى تلك المسارات.

وخلال الفترة بين يناير ومايو 2026، سعت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال إلى السيطرة على سلسلة متصلة من المواقع الحدودية، شملت ملكن وسالي ومقجة وخور حسن وسركم؛ وذلك في محاولة لإنشاء ممر عمليات يمتد بمحاذاة الحدود لضمان حرية الحركة والإمداد نحو عمق الإقليم، بدلاً من التوجه المباشر نحو مدينة الدمازين.

في المقابل، ركزت القوات المسلحة السودانية على تفكيك هذا الممر عبر استعادة العقد اللوجستية تدريجياً، بدءاً من الكيلي وكرن كرن ودوكان والبركة، ثم مقجة وسركم، وصولاً إلى استعادة الكرمك في يوليو 2026. وقد ساندت هذه العمليات غارات جوية استهدفت تجمّعات ومواقع تُعدّ مراكز إمداد، في مسعى لقطع خطوط الدعم قبل وصولها إلى جبهات القتال.

كل ذلك، يؤكد أن السيطرة على المعابر كانت دائماً جزءاً من معادلة حسم الحرب في النيل الأزرق، وأنّ مَن يسيطر على الحدود، يمتلك أفضلية مؤثرة في إدارة الحرب، حتى وإن تغيّرت الأطراف وتبدّلت التحالفات.

Scroll to Top