في صبيحة السادس من فبراير هذا العام، زرتُ سوق الرقيبات الحدودي الموسمي بولاية شرق دارفور. يُعدُّ السوق أحد أكثر مراكز التجارة الموسمية ربحيةً، وهو نقطة عبور لكلٍّ من قوات الدعم السريع وجهات أمنية جنوب سودانية. يمثِّل السوق أيضاً شريان حياة أساسياً للمجتمعات الحدودية التي تعتمد على التجارة وحركة العَمَالة بوصفهما وسيلتين للبقاء.
يربض السوق على تربة داكنة في سهلٍ شبه قاحل تتناثر فيه أشجار السُّنط؛ على طول حدود ولاية شرق دارفور مع ولاية شمال بحر الغزال في جنوب السودان. ورغم أن السوق مبنيٌّ كلياً من حصير «القش» والأخشاب، إلا أنه يحتضن تجمّعاً سكانياً كبيراً ونشاطاً تجارياً واسعاً. كذلك التحقت بالسوق مستوطنات ضخمة تأوي نازحين من قبيلة الرزيقات، وصيادين، وتجاراً، وجنوداً من قوات الدعم السريع مع عائلاتهم.
يقع سوق الرِّقيبات داخل الحدود السودانية، في ديار الرّزيقات، على بُعد حوالي خمسة كيلومترات تقريباً شمال نهر كير/ بحر العرب. جنوباً من هذا النهر يقع سوق كير أديم، الذي ترتاده قبيلة دينكا ملوال.
لطالما كانت هذه الأسواق، ولا تزال، مراكز تجارية مهمة تربط دينكا ملوال في محافظة أويل الشمالية ومنطقة شمال بحر الغزال عموماً بمجتمعات الرزيقات في شرق دارفور، وعنصراً أساسياً لتعايش قبيلتي ملوال والرزيقات. وهي أيضاً نقاط اتصال مهمة بين مسؤولي أمن جنوب سودانيين وقوات الدعم السريع، حتى قبل اندلاع الحرب في السودان.
الجمعة هو يوم السوق لكِلتا القبيلتين، إذ يلتقي أفرادهما للاتجار في السُّوقين المتجاورين، قبل أن يُولُّوا وجوههم معاً شطر سوق قوك مشار؛ الذي ينعقد يوم السبت.
كانت أهمية سوق الرقيبات لاقتصاد المنطقة الحدودية بائنةً عند وصولي إليها: حمير وخيول بلا حصر تتقاطر إلى السوق أو تغادره عبر النهر وهي تجُرَّ عربات «الكارُّو» مُحملة ببضائع ورُكَّاب، وأعدادٌ أخرى من شاحنات «اللواري»، بعضها محمَّلة وبعضها فارغة، تصطفّ خارج السوق خلف متاجر القشّ. وفي مشهدٍ آخر، أكوامٌ من بضائع معروضة على طول طريق وحيد يشُقُّ السوق بطول 40 متراً، على أحد جانبيه مئات من السيارات المستعملة، والمسروقة على الأرجح، معروضة للبيع.
وبينما يتبادل رجال الدينكا والرزيقات ونساؤهم التحايا والضحكات، ويساومون على أسعار البضائع، ترى بعضاً آخراً منهم يتَنحَّون جانباً لأحاديث فردية أو ضمن مجموعات صغيرة، أو ليطمئنوا على أسر بعضهم البعض، وترى جنوداً مسلّحين يتبعون لقوات الدعم السريع في زيهم الصحراوي المموّه يجوبون السوق بهدوء وهيبة، محافظين على انسيابية الحركة وضامنين بقاء السوق منظماً وآمناً.
صورة بالأقمار الصناعية توضح موقع سوق الرقيبات وسوق قوك مشار. الخط الأصفر يوضح الحدود بين السودان وجنوب السودان، والخط الأحمر على اليمين يوضح حدود منطقة أبيي المتنازع عليها. المصدر Google Earth
الطريق من قوك مشار إلى الرّقيبات
يربط بين قوك مشار وجسر كير أديم طريقٌ ترابيّ من الحصى الأحمر. ورغم أن الطريق لم يخضع لأي أعمال صيانة لأكثر من عقد، فإنه لا يزال صالحاً وآمناً أمام التُّجار لنقل بضائعهم. ومن الجسر، يمتدّ طريق فرعي أُنشئ عام 2024 ليؤدّي إلى سوق الرقيبات. ويعجّ هذا الطريق الطويل، الذي يربط سوق الرقيبات وقوك مشار، بنقاط تفتيش في جنوب السودان والسودان.
عندما سألتُ صديقاً دعاني لزيارة سوق الرقيبات مرة أخرى، للمرة الأولى منذ استقلال جنوب السودان، عما إذا كنتُ سأحتاج بطاقة هوية لعبور الحدود، ابتسم وقال: «المال هو جواز السفر في طريقنا إلى دارفور. في جميع نقاط التفتيش، سواءٌ أكانت تابعةً لقوات الدعم السريع أم قوات الأمن في جنوب السودان، فإنهم يطلبون مالاً، لا بطاقات هوية».
يدير صديقي تجارةً صغيرةً لبيع الأدوية بالجملة، إلى جانب وظيفته الأساسية. إنه يشتري الأدوية من شركة أدوية يديرها إثيوبيون في مدينة أويل، وينقلها بعد ذلك إلى قوك مشار، حيث يسلّمها إلى صديق يعمل في جهاز الأمن وأوثق صلةً بالسلطات. ويتولى الأخير نقلها إلى كير مستفيداً من دفع رسوم ضريبية أقل. وهناك يُعيد صديقٌ ثالث، يملك عيادة طبية، بيع الأدوية لتجّار من الرزيقات، الذين ينقلونها إلى عمق شرق دارفور لإعادة بيعها.
قبل الوصول إلى نهر كير، عبَرْنا في هذه الرحلة بأربع نقاط تفتيش.
كانت نقطة التفتيش في قوك مشار خالية ذلك الصباح، إذ كان جميع عناصر شرطة المرور قد انتقلوا إلى نقطة مجاك بول، وهي نقطة تفتيش أخرى تقع على الطريق المؤدّي إلى كير أديم.
في مجاك بول [نقطة التفتيش الثانية]، يُفرض على سائق الدراجة النارية رسم عبور قدره 2.000 جنيه جنوب سوداني، بينما يدفع سائق السيارة 5.000 جنيه جنوب سوداني، سواءٌ في اتجاه الذهاب أم العودة. كذلك يُصدِر المسؤولون تصاريح استخدام الطريق ليوم واحد للسائقين الذين انتهت صلاحية دفاتر تسجيل مركباتهم، ويفرضون غرامات في بعض الحالات، وقد يلجأون أحياناً إلى التَّوقيف المؤقت. إضافة إلى ذلك، يفحص المسؤولون البضائع القادمة من السودان ويتحقّقون من إيصالاتها الضريبية للتأكد من سداد الرسوم المُستحقة عليها.
أما نقطة التفتيش التالية فكانت عند مالك ميير، وهي أكبر نقطة تفتيش على هذا الطريق، وتديرها أجهزة أمنية متعددة، وتُفرض فيها الضرائب على جميع البضائع المتجهة إلى سوق الرقيبات أو الخارجة منه، مهما كانت كمياتها ضئيلة. وهناك عدة مكاتب مسقوفة بالقشّ تنتصب قرب حاجز طويل ممتدّ بعرض الطريق ويحرسه عدد من الرجال المسلحين. ويدفع سائقو الشاحنات ملايين الجنيهات من عملة جنوب السودان، أي ما يعادل آلاف الدولارات، موزّعة على مكاتب مختلفة تتبع لأجهزة أمنية متعددة، للحصول على التصريح النهائي بالمرور. ولا تَسلَم البضائع المنقولة على الدراجات النارية أو العربات التي تجرّها الحيوانات من الضرائب المرتفعة. ويتعيّن على سائقي الدراجات النارية سلوك مسارات مخصّصة، وإبراز دفاتر تسجيل مركباتهم أو التصريح الصادر من نقطة مجاك بول إذا كانوا قادمين من جهة قوك مشار، قبل أن يُرفع الحبل الذي يغلق الطريق ويُسمح لهم بالعبور. وقد يؤدي الإخفاق في إبراز هذه الوثائق إلى التوقيف وفرض غرامات باهظة.
وكانت آخر نقاط التفتيش عند معبر جسر نهر كير. تقتصر مهام هذه النقطة على الجوانب الأمنية، ولا سيما مراقبة حركة الأسلحة والمواد غير المشروعة. وكان أحد كبار جنرالات قوات دفاع شعب جنوب السودان يزور الموقع في ذلك اليوم، لذلك شُدّدت الإجراءات الأمنية. وقد نُصِبت عدة قطع مدفعية، وتحصّنت دبابتان في مواقع دفاعية عند مدخل الجسر. ومع ذلك، ظل الطريق المؤدي إلى سوق الرقيبات يعجّ بالمارة الذين كانوا يعبرون الحدود في الاتجاهين بهدوء.
وعلى مسافة قصيرة شمال الجسر، استقبلتنا نقطة صغيرة لقوات الدعم السريع. وكان الجنود المرابطون فيها مسلّحين، يراقبون حركة العابرين من دون توقيف أو استجواب. على جانبي هذه النقطة الأمنية، وعلى مسافة قصيرة منها، كانت تقف سيارات نقل صغيرة «بيك أب» مزوّدة بمدافع ثقيلة تحت أشجار السنط، موجَّهة نحو الجسر، وتحرس كلَّ سيارة منها مجموعة صغيرة من الجنود.
وبعد تجاوز النقطة الأمنية، وصلنا إلى نقطتي تفتيش أخرَيْين شبيهتين بتلك التي مررنا بها في مالك ميير. وتقعان متجاورتين بالقرب من السوق، وتشرف عليهما قوات الدعم السريع. بينما تتولّى الأولى تنظيم دخول الأشخاص والبضائع إلى سوق الرقيبات، تختصّ الثانية بحركة المغادرين والبضائع المتجهة نحو جنوب السودان. وتفرض هاتان النقطتان أيضاً ضرائب مرتفعة، مماثلة لتلك المفروضة في نقطة مالك ميير في جنوب السودان. كما خُصّص ممرّ ضيق للمشاة وراكبي الدراجات الهوائية والنارية غير المحمّلة بالبضائع، وكان يتعيّن على سائقي الدراجات النارية إبراز دفاتر تسجيل مركباتهم قبل السماح لهم بالعبور.
تاريخ سوق الرقيبات وأهميته في اقتصاد المناطق الحدودية
رغم أنّ الرقيبات وتوأمه كير أديم سوقان موسميان ومؤقتان، فإنّ لهما جذوراً تاريخية، شأنهما شأن معبر كير أديم نفسه. كان معبر كير أديم يُعرَف تاريخياً باسم «سَفاهة»، قبل أن يغيِّر نظام عمر البشير اسمه إلى «سَماحة» في تسعينيات القرن الماضي. وخلال الحكم البريطاني، شكَّل المعبر نقطة الاتصال الرئيسة التي كان يلتقي فيها زعماء قبيلتَي الرزيقات ودينكا ملوال، بدعم من الإدارة الاستعمارية البريطانية، للتفاوض حول اتفاقات السلام وتقاسم الموارد، مثل حقوق الصيد ومسارات الهجرة الموسمية.
أما سوقا الرقيبات وكير أديم، فهما جزء من سلسلة أسواق السلام التي أُنشئت خلال تسعينيات القرن الماضي، إبَّان الحرب الثانية، على طول الحدود التي تربط ولاية شمال بحر الغزال بإقليمي دارفور وكردفان.
في مطلع التسعينيات، اتفق الزعماء التقليديون لمجتمعات دينكا ملوال والرزيقات والمِسيريّة، التي فرّقتها الحرب، على النأي بأنفسهم عن الصراع السياسي، وإعادة فتح الطرق التي تصل بين مجتمعاتهم، بما يسمح باستئناف التجارة والهجرة الموسمية العابرة للحدود أفراداً وماشية. وأفضت هذه المبادرات المجتمعية إلى إنشاء أسواق السلام في أواخر التسعينيات، لتكون فضاءات تجارية مشتركة لسكّان المناطق الحدودية.
ومن بين هذه الأسواق، برز سوق واروار الشهير في أويل الشرقية، على الحدود مع غرب كردفان. أما سوق السلام السابق في مبيور أوينغ، الواقع جنوب قوك مشار، فقد تطوَّر لاحقاً إلى السوقين المنفصلين المعروفين اليوم بالرِّقيبات وكير أديم. وكان سوق كير أديم يقع مباشرة على الحدود، ما عرَّضه لهجمات وعمليات نهب خلال الحرب نفذتها مليشيا المَراحيل الموالية للحكومة في ذلك الوقت، والتي لم تكن طرفاً في اتفاقات السلام. لهذا، ورغم أن أسواق السلام كان يُفترض أن تُقام على الخطّ الحدودي الفاصل بين مجتمعات الدينكا والرزيقات والمسيرية، فقد أُنشئت على بعد نحو عشرين ميلاً داخل ولاية شمال بحر الغزال، في مناطق أقل عرضة لغزوات المراحيل.
وفي عام 2000، نُقل سوق مبيور أوينغ إلى منطقة مَنقار أتير على ضفاف نهر لول، بسبب شحّ المياه أمام الأعداد المتزايدة من المتاجرين. وظلّ السوق يعمل هناك حتى عام 2005، حين انتهت الحرب الثانية بتوقيع اتفاقية السلام الشامل.
منذ تأسيسها، تولَّت إدارة أسواق السلام والإشراف عليها لجنتا سلام مشتركتان، تضمَّان ممثلين عن دينكا ملوال والرزيقات، وعن دينكا ملوال والمسيرية. وتشرف اللجنة الأولى على المنطقة الحدودية بين أويل الشمالية وشرق دارفور، وتتخذ من قوك مشار وأبو مطارق مقراً لها، بينما تُعنى اللجنة الثانية بالحدود بين أويل الشرقية وغرب كردفان، وتتخذ من واروار والميرم مقراً لها. يجري اختيار أعضاء هذه اللجان من بين القادة التقليديين والتّجار وكبار السنّ ذوي النفوذ من قِبل زعماء مجتمعهم ومجموعاتهم ومسؤولي الحكومة المحلية.
بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل وعودة المناطق الحدودية إلى وضع الاستقرار، أُعيد السوق إلى موقعه الطبيعي عند معبر كير أديم الحدودي.
كان السوق، في بادئ الأمر، يمتدّ على ضفتي نهر كير؛ إذ كان سوق دينكا ملوال يقع على الضفة الجنوبية، بينما احتلّ سوق الرزيقات الضفة الشمالية. وفي الوقت ذاته، كانت مدفعية الجيشين السوداني والجنوب سوداني مرابطة على ضفتي النهر، محصنةً في مواقع طينية ومتقابلة في مواجهة مباشرة.
لكن في أواخر عام 2010، اندلع القتال بغتة، وتسببت المدفعية المتبادلة والغارات الجوية التي استهدفت الجسر في إحراق السوق على جانبي النهر، وتدمير الممتلكات، ومقتل عدد من المدنيين الذين وجدوا أنفسهم وسط النيران. وعلى إثر ذلك، أُغلق المعبر والسوق مؤقتاً، قبل أن تُستأنف الحركة بعد مفاوضات قادتها لجان السلام.
وعندما أُعيد افتتاح السوق واستؤنفت التجارة، اتفقت اللجان على تقسيمه إلى موقعين منفصلين، مع الإبقاء عليه عملياً سوقاً واحداً يخضع لإشرافها المشترك. وكان مردُّ هذا الاتفاق إلى تقليل الخسائر البشرية والأضرار الجانبية في حال اندلاع حرب جديدة بين السودان وجنوب السودان.
وبناءً على ذلك، نُقل سوق الرزيقات إلى منطقة الرِّقيبات، المعروفة أيضاً باسم رايِق مندالة، على بعد نحو خمسة كيلومترات شمال النهر، حيث لا يزال قائماً حتى اليوم. وفي المقابل، نُقِل سوق دينكا ملوال إلى الضفة الجنوبية للنهر، وأصبح يُعرَف باسم سوق كير أديم. ويؤدّي الموقعان اليوم دوراً محورياً في اقتصاد سبل العيش بالمناطق الحدودية.
لم تُوقِف الحربُ التجارةَ عبر الحدود، إنما عكست اتجاهها لتلبية الاحتياجات المتغيّرة على الجانبين.
حرب السودان والتجارة العابرة للحدود
لم تتمدّد الحرب في السودان إلى المناطق الحدودية على النحو الذي كان متوقّعاً، ولم تؤدِّ إلى توقف التجارة العابرة للحدود بين دارفور وكردفان من جهة، وشمال بحر الغزال من جهة أخرى. بل على العكس، بقيت المنطقة الحدودية مستقرة نسبياً، بينما تبدّلت أنماط التجارة لتستجيب للاحتياجات المستجدة على جانبي الحدود خلال الحرب.
كانت ولاية شمال بحر الغزال تعتمد تقليدياً على دارفور وكردفان في استيراد السلع. وكانت المواد الغذائية، والوقود، ومواد البناء، وسائر السلع المصنّعة تصل إليها عبر هذين الإقليمين. فضلاً عن ذلك، اعتادت مجتمعات الرّزيقات والمِسيرية عبور الحدود مع قطعانها خلال أشهر موسم الجفاف بحثاً عن المياه والمراعي. في المقابل، كان بعض التجّار السودانيين يستوردون الماشية ومنتجات الغابات مثل حصير القشّ من شمال بحر الغزال. وكان شباب الولاية يهاجرون أيضاً كلّ موسم زراعي للعمل في المشاريع الزراعية التجارية داخل السودان، بما يتيح لهم إرسال تحويلات مالية إلى أسرهم.
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، وانتشارها سريعاً إلى دارفور، توقفت هجرة العمالة العابرة للحدود، بينما استمرت الهجرة الموسمية للماشية. وانقلب اتجاه التجارة عبر الحدود. أصبحت دارفور وكردفان، اللتان كانتا تصدِّران السلع إلى شمال بحر الغزال، تعتمدان عليها للحصول على تلك السلع بعد أن عطّلت الحرب ما كان عليه الحال. وباتت سلع مثل الوقود، والأدوية، والدقيق، وغيرها من المواد الاستهلاكية تصل إلى دارفور عبر يوغندا ثم جوبا وشمال بحر الغزال. ومع ذلك، يواصل تجّار دارفور تصدير البصل والفول السوداني إلى شمال بحر الغزال. كما يصدّرون الصمغ العربي والماشية، بما فيها الأغنام والأبقار والحمير، إلى جنوب السودان أو عبره في طريقها إلى دول الخليج. كذلك شملت حركة البضائع إلى جنوب السودان السيارات المستخدمة وغيرها من المقتنيات المنهوبة خلال الحرب.
وفي كلتا الحالتين، ظل سوق الرقيبات يحتفظ بمكانته بوصفه مركزاً رئيساً للتجارة والعبور، سواءٌ للصادرات أم الواردات.
من خلال أحاديثي غير الرسمية مع من التقيتهم، ومعظمهم من التجار، وأعضاء لجان سلام، ووسطاء، تبيَّن لي أنّ الضرائب، إلى جانب التنافس على الموارد الطبيعية المستنزفة، يمثلان أبرز التحديات التي تواجه التجارة العابرة للحدود، وكذلك التعايش السلمي بين دينكا ملوال والرزيقات على امتداد هذه الحدود وأسواقها.
بَيْد أنّ التجار وأعضاء لجان السلام لا يقفون متفرّجين إزاء هذه التحديات، إنما يبذلون جهوداً مستمرة لضمان انسياب حركة البضائع عبر الحدود، واحتواء النزاعات المرتبطة بالموارد قبل أن تتطوّر إلى مواجهات إثنية بين المجتمعات المحلية.
هنالك ثلاث فئات فقط يمكنها نقل البضائع عبر الحدود مقابل ضرائب أقلّ: كبار المسؤولين الأمنيّين، وأعضاء لجان السلام، والتجّار من ذوي العلاقات الواسعة.
نقل البضائع عبر هذه الحدود
يُعدُّ سوق الرقيبات واحداً من الأسواق الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في دارفور، على الحدود مع جنوب السودان. وفي هذا السوق، يلتقي سكّان المناطق الحدودية والتجّار من جانبي الحدود لتبادل السلع، كما يناقشون القضايا المحلية التي تطرأ بينهم.
لكن، على الرغم من الاستقرار الأمني النسبي على الطرق التي تربط الرقيبات بقوك مشار، وما يرافقه من حرية في التنقل، شدَّد التجار الذين تحدثت إليهم على أنّ نقل البضائع عبر هذه الحدود إلى جنوب السودان بات عملية مكلفة للغاية. منذ اندلاع الحرب في السودان، ارتفعت الضرائب بشدة، وتضاعف عدد نقاط التفتيش داخل السودان وجنوب السودان على السواء، ما جعل نقل البضائع عبر الحدود أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من التجار.
ويقول التجّار إنّ ثلاث فئات فقط تنجح في تجنّب الضرائب الباهظة، وتحظى بامتيازات خاصة في التجارة العابرة للحدود، مستفيدة من نفوذها وعلاقاتها لتقليل كلفة نقل البضائع بين الرقيبات وقوك مشار. تضمّ الفئة الأولى كبار المسؤولين الأمنيين الذين يمارسون التجارة إلى جانب مناصبهم الرسمية، ويستغلّون نفوذهم لتسهيل نقل بضائعهم وبضائع أقاربهم مقابل رسوم أقل. أما الفئة الثانية، فتضمّ أعضاء لجنة السلام الذين يديرون أعمالاً تجارية عبر الحدود. وبحكم دَورهم وصلاتهم بالمسؤولين الأمنيين على جانبي الحدود، يحصلون على تسهيلات مختلفة، وتُفرَض على بضائعهم ضرائب أقل. وتتألَّف ثالثة هذه الفئات من التجّار ذوي العلاقات الواسعة، إضافة إلى أقارب كبار القادة العسكريين.
لنقل بضائعهم عبر الحدود، يلجأ بعض التجار إلى وسطاءٍ يستخدمون نفوذهم للتفاوض بشأن تخفيض الضرائب.
أما بقية التجار الذين يفتقرون إلى هذه الشبكات، فإنهم يواجهون ضرائب مرهقة عند نقاط التفتيش في الرقيبات ومالك ميير، فضلاً عن الرسوم المفروضة على امتداد الطريق. وثمّة وسيلة واحدة تتيح للتجّار الأقل نفوذاً تجنّب هذه الأعباء، وهي الاستعانة بوسيط يتمتّع بعلاقات قوية لتولّي نقل بضائعهم عبر الحدود. إذ يلجأ بعض التجّار إلى وُسطاء يستخدمون نفوذهم للتفاوض بشأن تخفيض الضرائب. ومعظم هؤلاء الوسطاء من المسؤولين الأمنيين أو من العاملين ضمن شبكاتهم.
على سبيل المثال، إذا أراد تاجر من الرّزيقات نقل بضائعه إلى أويل، فإنه يستعين بوسيط من الدينكا يتولّى نقل البضائع باعتبارها ملكاً له، ويسافر معها. أما المالك الحقيقي للبضائع، فيستقلّ الشاحنةَ نفسَها متظاهراً بأنه متجه إلى مخيّم اللاجئين في ويدويل لزيارة أسرته. ويتقاضى الوسيط أجرَه بعد وصول البضائع إلى أويل، حيث يستعيد مالكُها مسؤوليةَ بيعها. وعندما تُباع البضائع ويرغب التاجر في تصدير بضائع جديدة إلى دارفور، يعود الوسيط نفسه لتولي نقل الشحنة بعد تحميلها، ويرافقها حتى تتجاوز نقطة تفتيش مالك ميير.
وينطبِق الأمر ذاته على تاجرٍ مِن الدينكا يرغب، على سبيل المثال، في استيراد بضائع أو تصديرها إلى مدينة الضعين في شرق دارفور؛ إذ يتعين عليه العثور على وسيط من الرّزيقات، أو من قوات الدعم السريع، لتسهيل حركة بضائعه داخل دارفور.
أما التجّار الذين يفتقرون إلى العلاقات، فلا يجدون خياراً سوى الاكتفاء بالتجارة داخل مناطقهم، وإلا خاطروا بخسارة قدرتهم على المنافسة، أو تحمّل ضرائب باهظة إذا حاولوا نقل بضائعهم عبر الحدود.
تحظى محاكم السلام بدعم كامل من السلطات في جنوب السودان وقيادة قوات الدعم السريع، وتملك صلاحية محاكمة المدنيين والعسكريين على السَّواء.
النِّزاعات وآليات تسويتها في المناطق الحدودية
وبينما ينشغل التجّار بأعباء الضرائب، يؤكد أعضاء لجان السلام أنهم يواجهون تحديات أخرى، تتمثل في النزاعات الناجمة عن التنافس على الموارد الطبيعية، واتساع الرقعة الزراعية والمستوطنات، بما يُعيق مسارات هجرة الماشية، إضافة إلى حوادث الاغتصاب، وهي جميعاً عوامل تهدّد التعايش السلمي والاستقرار. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ظلّت هذه اللجنة هي الهيئة الشرعية الوحيدة المخوّل لها بتسوية النزاعات العابرة للحدود بين المجموعات الإثنية.
وقد دفعت الحرب في السودان أعداداً كبيرة من السكّان إلى المناطق الحدودية مع جنوب السودان، ما زاد الاعتماد على الموارد الغابيّة، ورفع الضغط عليها، وأجَّج المنافسة حولها. استقرّ كثير من العائدين الفارّين من النزاع في دارفور على امتداد نهر كير. كما انقسم بعض اللاجئين السودانيين بين الإقامة في مخيم ويدويل للّاجئين والعيش قرب نهر كير، حيث يمارسون التجارة وصيد الأسماك لتوفير دخل إضافي يكمل المساعدات الإنسانية التي يتلقّونها.
وفي المنحى ذاته، أدى توقّف الهجرة الموسمية للعمالة عبر الحدود إلى تركُّز مزيد من السكّان على ضفاف نهر كير، حيث يتنافسون على الموارد الطبيعية اللازمة للمأوى والغذاء. وتشمل المواردُ التي يدور حولها التنافس مواقعَ الصيد، والصمغ العربي، والمنتجات الغابيّة الصالحة للأكل، والأخشاب، والحشائش المستخدمة في بناء المساكن المؤقَّتة.
ونظراً إلى أنّ الأراضي الواقعة شمال نهر كير ذات مناخ شبه جاف، فقد أضحت مجتمعات الرّزيقات تعتمد على الأخشاب والحشائش وغيرها من الموارد التي تُجمع من المناطق الواقعة جنوب النهر داخل جنوب السودان، وهو ما خلق ضغطاً كبيراً على الموارد الغابيّة، وأدى أحياناً إلى نُشوب نزاعات.
واستجابةً لهذه الأزمات، ورغبةً في احتواء النزاعات قبل أن تتحوّل إلى صدامات بين المجتمعات المحلية، أنشأت لجنة السلام لجاناً فرعية تضمّ رجالاً ونساءً من دينكا ملوال والرّزيقات. وتنتشر هذه اللجان الفرعية عند جميع معابر نهر كير التي يتقاسم فيها الدينكا والرزيقات السكن ويتنافسون على الموارد، بما في ذلك كير أديم، مَيُوم أنقوك، أبووث/كالما، وجاك، وغيرها. وقد مَنحت اللجنة رجال الرزيقات ونساءهم حقّ جَمْع الصمغ العربي، وقَطْع الحشائش والأخشاب اللازمة لبناء المساكن، وجَمْع سائر المنتجات الغابيّة من المناطق الواقعة جنوب نهر كير، بهدف بيعها وتأمين سبل العيش، من دون فرض قيود أو ضرائب.
كذلك أُنشِئت محاكم سلام في هذه المعابر للنظر في القضايا البسيطة، مثل النشل، والخلافات الفردية، والنزاعات بين الصيادين حول مواقع الصيد. أما الجرائم الأكبر، مثل الاغتصاب، والزنا، وسرقة الماشية، والقتل، فتتدخّل اللجان لإحالتها إلى محكمة السلام في قوك مشار، لضمان النظر فيها في الوقت المناسب.
وتحظى هذه المحاكم بدعم كامل من القيادات الأمنية في جنوب السودان وقوات الدعم السريع، وتملك صلاحية محاكمة المدنيين والعسكريين على السَّواء. خلال الفترة بين يناير وفبراير 2026، أحصى رئيس لجنة سلام دينكا ملوال ما لا يقلّ عن ثلاث قضايا جنائية تورَّط فيها جنود من قوات الدعم السريع، تعاونت فيها قيادة القوات في الرقيبات مع اللجنة للتحقيق مع المشتبه بهم وإلقاء القبض عليهم. شملت هذه القضايا سرقة الماشية، والسطو المسلّح على التجار والصَّيادين. وثمة تعاون مثيل مع المسؤولين الأمنيين في جنوب السودان، بما يمكِّن لجنة السلام من التعامل مع الحوادث الجنائية.
كذلك تُطبّق اللجنة قواعدها الصارمة بشأن قضايا الاغتصاب والزنا، كآلية ردع مضادة. وتُنصح النساء أيضاً بالخروج في مجموعات عند التوجه إلى الغابات المجاورة لجمع المنتجات الغابيّة. فضلاً عن ذلك، تعمل لجنة السلام بالتنسيق مع الزعماء المحليّين على ضمان أن تبقى مسارات الهجرة مفتوحةً أمام ماشية الرزيقات، بما يتيح لقطعانهم الوصول إلى نهرَي لول وشيل ومراعيهما.
نُشرت القصة أولاً في أتَـر الإنقليزية، العدد 56، 20 يوليو 2026. ترجمها إلى العربية: محمود دقش.



