«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
لم يقرأ الإمام المهدي (1844-1885) «المانفستو الشيوعي» (1848) للمرحومين كارل ماركس وفردريك إنجلز في تحرير المرحومة السيدة جني ماركس، لكنه اصطدم من موقعه بحراب التراكم البدائي وقوى السوق الرأسمالي؛ تعصف بالاقتصاد المعنوي الذي عاشه وأهله، وتهيّأ لمجابهتها بما عنده من عِلم. وقد استخلَص من هذه التجربة ما يقابل به هذا التهديدَ بعبارةٍ روحيةٍ ودولةٍ ميقاتُها آخر الزمان؛ زمان خارج الزمان، كحالة الطوارئ. وتجد القارئةُ عند الإمام عزّةً بالملكية العامة وطمأنينةً تكافئ موضوعياً مطلبَ المرحوم ماركس في كبح الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج التي تحرّرت منها قوى العمل، تقوم وتقع في نظام العمل المأجور بما يحفظ النفسَ أو يكاد. وتقترب القارئةً من آية الإمام الكبرى التي مدحَها حسين الزهراء في مِثْل منشور «المَشارع» (22 شعبان 1302 هجرية/ 7 يونيو 1885) بحَرفه وتقنيته وحجّته وفلسفته وغرضه ومعناه.
والمَشارع جمع «مُشرع» وهو مرفأ السفن النيلية، وكانت، بشرح الدكتور أبو سليم، ملكيةً خاصةً حتى قام المهدي بتأميمها لأهمّيتها كعَقْدِ استراتيجيةٍ للنقل، تجارة وحرباً. واستفاد بيت المال من إيجارها برَبْطٍ سنويٍّ دخلاً ثابتاً، إذ بلغ إيجار مُشرع المقرن في 1890 ألف ريال؛ ومُشرع الشرق الممتدّ من توتي حتى حجر العسل نحو 10 آلاف ريال؛ ومُشرع بحَرْ أبيض الممتدّ من أم درمان حتى الدويم 5 آلاف ريال. وقدَّرت مضابط بيت المال مجموعَ رَبْط المَشارع في العام 1890 بحوالي 84 ألف ريال. كتَب الإمام المهدي لأنصاره والأمة:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم.
وبعد، فمن العبد المفتقر إلى الله، محمد المهدي بن عبد الله، إلى كافة الأنصار والأحباب.
أحبابي، لا يخفاكم أنّ التوكل على الله إنما هو عُمدة المؤمن وعُروته، وأنّ اعتبار الأسباب مع طول الزمن على التنوُّر بالكتاب قد أخذ بالقلوب عن الله الخالق الوهاب، وأنّ الذين أسّسوا الدِّين قد تركوا الأسبابَ في أول أمرهم حتى تنوَّروا بالسنّة والكتاب وسبق إلى قلوبهم التوكّل الحقيقي الذي لا تُزلزله كثرة الأسباب مع الوثوق بالله الذي لا يَدخُله النظرُ إلى الخلق ولا يُداخِله الارتياب. فمَن دخَل في بعض الأسباب منهم دَخَل وهو على يقينٍ من ربِّ الأرباب كما أشرتُ إلى ذلك من منشور حياة الدِّين، فطالِعْه إن أردتَ زيادة التنوُّر.
فلذلك أردنا من الإخوان أن يرتفعوا عن الأسباب حتى يتنوَّروا بالقرآن، ويكون همُّهم الأكبر الذي هو الهَمُّ بالرحمن والإنابة إلى ما عنده حتى تنقضي الأحيان.
وإنه أيّها الأحباب لمّا كانت المَشارع بهذا الزمن في هذه الجهات كالفيء، ونحن لا نريد بالأفياء إلا مصلحة المجاهدين والمساكين، ولا نرضى لمسلم أن يكون همّه الدنيا والجمع لها – فإنها نصيب من لا نصيب له ويجمعها من لا عقل به. ولذلك استحسن لدينا أن تكون مصلحة المَشارع لبيت مال المسلمين.
ولكون هذا الزمن ليس فيه أحد يبذل ماله لتجهيز الغزاوي والسرايا لِمَا أنَّ قلوبهم لم يسبق عليها نور التوكّل على الله والوثوق به والإيثار بالآخرة – وإنما حزبت القلوب بانسداد نور الإيمان عنها – وكذلك كلّ من وجد مالاً كنَزَه واستأثر به واستقله وسعى في زيادته، وبعض الناس مع كثرة الهلع يدَّخر ماله ويعدّ نفسَه مسكيناً، وذلك من شدّة الشره وانسداد نور الإيمان بما عند الرحمن. ولمّا كانت الصحابة، رضوان عليهم، قد سبَقَ نورُ الإيمان في قلوبهم ووثقوا بالرحمن وآثروا الآخرة ولقاء الديّان، كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ويجهزون بها الغزاوى والسرايا. وما رأينا مثل هذا في زمننا هذا، فكلّ ما كان له مالٌ استبدّ به لنفسه واستضرّ بكنزه، ونحن نريد سلامتَه ونجاته وعون المجاهدين والمساكين.
والمعلوم أنّ المَشارع فيها أموال جسيمة، وكلّ من استولى على مُشرع جمَع فيه مالاً كثيراً ولا يجهّز فيه غزوة ولا سرية واستضرّ بكنزه. فلذلك استصوب عندنا مع المشورة المسنونة أن نكتب إلى كافة المحبّين أن يرفعوا أيديهم من المَشارع ولا يستخدموا الدنيا كما كانوا يستخدمونها سابقاً، وأن يكون همّهم العمل لما عند الله وإعانة المجاهدين، ولا سيّما أن الدنيا وقد انقضت، وعلاماتها تواترت، وخروجي هذا علامة كبرى. وأنّ المتوجّهين إلى بلدةٍ لما يروا منارات البلدة فقد وصلوها، ولا يخفى أنّ المهدي من أشراط الساعة الكبرى، فلا نريد لمسلم بعد هذا أن يستخدم المَشارع لنفسه وإذا كانت له مركب فلا سبيل عليه. فإنْ أحَبّ أن يستخدم بمركبه في سبيل الله ليُعين المجاهدين والمساكين فلا مانع أن يستخدم ويأخذ له نصيب. وفضلاً عن ذلك فإنّا ما أذنّا لمن نحبّ له الخير أن يشتغل بنفسه وعياله عن الجهاد، بل استنفرنا جميع عباد الله إلى الجهاد. ومن انضمّ على البوارق صادقاً تولّاه الله في الدنيا والآخرة ووجَد ضرورته. والزايد على الضرورة إنما هو على العبد لا له كما معلوم ومبيّن لمن فتح الله بصيرته والسلام»
(«منشورات المهدية»، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1979، ص 267-269).
أراد الإمام لأنصاره والأحباب على العموم لا الخصوص التحرُّرَ من الضرورة لبلوغ حرّية العبادة، وهي صورةٌ بعدسةِ انكسارٍ لوعد المرحوم ماركس أنَّ الأفق الشيوعي، باختلاسٍ من توكُّل المرحوم محمد إبراهيم نقد على «الأفق الاشتراكي» الذي يعنُّ للناظرةِ استشرافاً، هو نفاذٌ من «ملكوت الضرورة» إلى «ملكوت الحرية». واستفاد المرحوم كارل ماركس مفهوم «الملكوت» الذي انعقد عليه نثرُه في هذه القضية من التوحيد الإنجيلي، من عبارةٍ ليست بعيدةً كلَّ البعد من قياس الإمام المهدي، ففي الإنجيل: «أمّا أنتم، فَاطلبوا أوّلاً ملكوتَ الله وبِرَّه، وهذه كلُّها تُزادُ لكم» (إنجيل متى، ٦: ٣٣)؛ وفيه بشروط الشريعة: «أمَا تعلمون أنّ الظالِمين لن يَرِثوا ملكوتَ الله؟ لا تضِلُّوا: فإنّ ملكوتَ الله لن يَرثَه الزُّناةُ ولا عابدو الأصنام ولا الفاسقون ولا المتخنّثون ولا مُضاجِعو الذكور ولا السرّاقون ولا الطمّاعون ولا السّكّيرون ولا الشتّامون ولا المغتصبون» (كورنثوس الأولى، 6: 9-10). والانتقال بين الملكوتَيْن؛ «ملكوت الضرورة» و«ملكوت الحرية» مشروطٌ عند المرحوم كارل ماركس ببِرٍّ عظيم، بإعادة اختراع العمل كحرّية، أو كما جاء في الصياغة المشهورة:
«يستبينُ لنا عياناً، في تقسيم العمل، أنَّ عمل الإنسان يتحوّل إلى قوّة فاردة طاغية عليه، تستبدّ به، بدل أن يسيطر هو عليها، وذلك ما دام الناس في حال الاجتماع الذي ينشأ بالطبيعة، ما دام الفِصَام قائماً بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، ما دام العمل ليس نشاطاً بإرادة حرّة وإنما تقسيماً بفَرْض النشأة الطبيعية. لذلك، يقع ضمن هذا التقسيم للشّغل دَورٌ مخصوص عليه يُفرَض عليه فرضاً ولا ينفكّ منه؛ فهو صيّادٌ، أو سمّاكٌ، أو راعٍ أو ناقدٌ، وعليه أن يظلّ كذلك، إن كان يريد الحفاظ على أسباب حياته. أما في المجتمع الشيوعي، فلا ينقطع الواحد منّا لدائرةٍ حصريةٍ من النشاط، بل له أن يتعلّم أي ضرب من ضروب النشاط ويحسنه، فالمجتمع ينظِّم عموم الإنتاج، ويتيح لي من ثمّ أن أنشغل اليومَ بهذا وفي غدٍ بذاك؛ أقنصُ صباحاً وأصيدُ الأسماكَ عصراً وأرعى البهائم أول المساء، وأتفرّغ للنقد ما بعد العشاء، وذلك كما يحلو لي، دون أن أصير بذلك صيّاداً أو سمّاكاً أو راعياً أو ناقداً»
(كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأيديولوجيا الألمانية» ضمن «الأعمال الكاملة»، م 3، دار نشر ديتز، برلين، 1978، ص 33).
وواقعُ الأمر، أنّ تصوُّر المرحوم ماركس عن «المجتمع الشيوعي» يقتصر على مثل هذا النثر عن الحرّية كخلاص من الضرورة التي تقع في الدنيا، فالمجتمع الشيوعي عند المرحوم ليس «خطّةً» هندسيةً وإنما «حركة» اجتماعية نحو مثال:
«يبدأ ملكوت الحرية على وجه التحقُّق في تلك البرهة التي تنقطع فيها ضرورةُ العمل لسَدِّ حاجةٍ وتحقيق غرَض؛ بل يقع من حيث ما هو خارجَ مدار الإنتاج المادّي. كما اضطرّ المتوحّش أن يُنازع الطبيعةَ لسَدّ الحاجة وحفظ الحياة والتناسل، كذلك يُضطرّ المتحضّر، وذلك في جميع أشكال التنظيم الاجتماعي وتحت جميع أنظمة الإنتاج. وتتّسع حاجات الإنسان فيتّسع بذلك ملكوت الضرورة الطبيعيّة هذا، وتتّسع في المقابل قوى الإنتاج لسدّ هذه الحاجات. والحرّيةُ، في هذا المضمار، لا قوامَ لها إلا أنْ يقوم الإنسان الاجتماعي، اجتماع المنتِجين، بضَبْط هذا الاستقلاب بينهم والطبيعة عقلانياً، بإحكام السيطرة الاجتماعية عليه في محلّ سيطرة قوة هذا الاستقلاب العمياء عليهم، بإنفاذ هذا الاستقلاب بأقلّ جهد وتحت الشروط الأنسب لصيانة كرامة إنسانيّتهم. لكن، يظلّ كلّ هذا ضمن ملكوت الضرورة، ويقوم ملكوت الحرية الحقّة ويزدهر على قاعدةٍ من تأمين ملكوت الضرورة، وفيه تتفتّق ملَكات الإنسان فعلاً كهدف لنفسها متى تجاوز الإنسانُ قهرَ الضرورة، والشرط الأول لكلّ هذه الحركة هو تقصيرُ يوم العمل»
(كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي» الجزء الثالث (تحرير فردريك إنجلز)؛ ضمن كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 25، دار نشر ديتز، برلين، 1964، ص 828).
لكنْ، هل احتاجَ الإمام، إذن، على الإطلاق لقراءة «المانفستو الشيوعي»؟ الأغلب لا، فقد اتفق له من موارده ما استبان لماركس مِن تناقض بين «ملكوت الضرورة» و«وملكوت الحرية»، ووَثِق المرحوم كارل ماركس في تفتُّق ملَكات الإنسان متى ما انحلّ من الضرورة، فهو لم يشهد سُننَ إبستين، بينما عقَد الإمامُ الحرّيةَ في عبادة الأعلى الوهاب، فما هي؟ على كلّ حال، يتكشَّف فقهُ الإمام في التأميم بالانفتاح على فقهِه في التاريخ، وفقهُ الإمام في التأميم واسعٌ لا ينتهي عند المَشارع بل يمتدّ إلى الدكاكين والوكالات والقصيريات والعصاصير والطواحين والبنوك، هَنْضَبَة شديدة ضايَرَ بها المصلحةَ الخاصة تحت المصلحة العامة؛ ودارَ الفناء عند باب دار البقاء.
كتب الإمام لأنصاره والأمة في 9 جمادى آخر 1304 هجرية/ 27 مارس 1885:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم.
وبعد، فمِن العبد المفتقِر إلى الله، محمد المهدي بن عبد الله، إلى كافة الأتباع والأنصار والأعوان في الله.
أحبابي، إنّ المقصد إقامة الدِّين وإزالة الضرورة عن كافة المسلمين وتفرّغهم للديانة والمجاهدات والصلوات والرواتب المطلوبة، فيَلْزَم لذلك أن يُفرِّغوا الأخوان جميع المواضع التي تنتج منها المصالح جميعاً، ولا يعرض لها أحد من الأنصار وذلك جميع الدّكاكين والوكالات والقصيريات والعصاصير والطواحين والبنوك التي كانت بالبحر للإيجار، ولو كانت مسكونة فيخرج منها من هو ساكن بها لما يترتّب عليها من مصلحة عامّة للمسلمين من ضُعِفايِهم ومجاهديهم، وللملازمين الصلوات والرواتب، حيث أنّ كلّ من هو ساكن بتلك المحلّات يمكن أن يَتدارك له مسكناً بنحو الشكاكيب ونحوها ولا يؤخّر مصلحة المسلمين للمسكن الذي لا يدوم للعبد وإنما المسكن للمؤمن في الآخرة، وإنما الدار دار ممرّ فلا يَطْمَيِن أحدٌ بالممرّ دون المقرّ، والسلام»
(«منشورات المهدية»، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1979، ص 266).
فأيّ ملكوتٍ هذا يا دكتور ماركس؟ جاءت الدكتورة هنغاميه زياي في شُغلها العاصف عن المهدية بمقدّمات هذا السؤال، فعرفت التاريخَ الذي قام بمهدية الإمام خارج مدار التاريخ، لله درّها، وبعض ذلك مبذول في مقالتها «المهدية في السودان ومسألة التاريخ» (مستقبل الماضي، م 18، 2026)، فماذا اكتشفت ضياء القلوب؟ أبَرْقاً من آية الإمام؟



