أسواق و تخوم
مرحباً، هذا هو العدد 131 من مجلة «أتر» الأسبوعية، تأتيكم من مركز سودان فاكتس للصحافة.
في الحروب، لا تتغيّر الخرائط وحدها، لكن تتغيَّر الأسواق أيضاً. الحدود التي كانت تفصل بين الدول، تتحوّل إلى ممرّات للسلع والناس والعملات، والطرق التي كانت تربط المدن تنقطع، بينما تنشأ طرق أخرى مغمورة. ومع كُلِّ تحوُّل في الجبهات، يُعاد رسم الجغرافيا الاقتصادية للبلاد؛ فتزدهر مدن، وتنكمش أخرى، وتنتقل مراكز التجارة، وتتغيَّر قيمة النقود، ويصبح السوق، أكثر من أيِّ وقت مضى، مرآةً للحرب.
يَفتتح هذا العدد رحلته من سوق الرِّقيبات، على الحدود السودانية الجنوبية، حيث تبدو الحدود أقلّ صلابةً مما توحي به الخرائط. في الرّقيبات لا يُختزل السوق في البيع والشراء؛ إنما يُضْحي مساحةً تتقاطع فيها المصالح، وتتفاوض فيها المجتمعات على السِّلم، وتحافظ من خلالها على علاقاتٍ أقدم من الحرب. في هذا المكان المغمور من جغرافيا السُّودانَيْن جنوباً وشمالاً، تتعدَّد السلطات وتتنافس الموارد، ويظلّ السوق شاهداً على قدرة الناس على ابتكار أشكال للحياة حتى في أكثر البيئات هشاشة. هكذا يَحكي إلينا جوزيف مجوك رحلته إلى هناك.
وفي النيل الأزرق، تُذكّرنا المعارك الدائرة على الحدود بأنّ الصراع لا يدور حول الأرض وحدها. إنه صراع المعابر، ومسارات الإمداد، وكلّ ما يربط الداخل بما وراءه. الحدود، في زمن الحرب، ليست نهاية البلاد، إنما إحدى أكثر نقاطها حيوية وتأثيراً، كما نقرأ في تقرير يوسف أبوسن.
وفي الدبّة شمالاً، تكشف الحرب كيف تستطيع مدينة صغيرة أن تصبح، خلال أشهر قليلة، قلباً نابضاً للتجارة، قبل أن تفقد هذا الدَّور مع تبدُّل خطوط القتال ومسارات النقل. أما في المالحة غرباً، فتغدو الأسواق نفسُها ساحةً للحرب؛ تُحاصَر طرق الإمداد، وتحترق المتاجر، وترتفع الأسعار، حتى يصبح الغذاء هو الحدّ الفاصل بين الحياة والجوع. عينان على الدبة والمالحة، عين لمحمد عبد الباقي وأخرى لأسامة عبد الحي.
وفي غِبيش يخبر دفتر أحوال السودان بارتفاع الأسعار وأزمة المياه والتفلّتات والانهيار الزراعي، وفي أم درمان لا يزال السكّان يتداولون الفئات القديمة من العملة في سوقَي صابرين وليبيا.
نقرأ لمجدي الجزولي عِزَّة الإمام المهدي بالملكية العامة وطمأنينةً تكافئ موضوعياً مطلبَ المرحوم ماركس في كبح الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج التي تحرّرت منها قوى العمل، وآيته في ذلك كتاب الإمام المهدي لأنصاره والأمة بتأميم المَشارع على النيل من توتي وحتى حجر العسل ومن أم درمان حتى الدويم. يتأمّل المقال في هذا الوعي المُشترَك بكبح الملكية بين ماركس والمهدي.
تتّسع دوائر الحكاية بقدر اتساع التخوم. في الجنينة بغرب دارفور، يتحوّل الفرنك التشادي من عملة أجنبية إلى جزء من الاقتصاد اليومي. هذا ما نفتتح به الملحق الاقتصادي هذا العدد.
ومن الجنينة إلى ولاية نهر النيل، حيث أقيمت معارض البيع المخفّض بمدن عطبرة والدامر وعطبرة لتحقيق معادلة اقتصادية تعتمد على تقليل حلقات البيع والوصول المباشر من المنتِج إلى المواطن؛ ما خفّف كثيراً على مواطني تلك الأنحاء من البلاد.
إن من يتتبع حركة السلع والعملات والطرق، يقرأ تحوّلات الصراع كما يقرأها من يتابع خرائط السيطرة العسكرية. فالاقتصاد لا يتحرّك على هامش الحرب، إنما في قلبها؛ يُعيد تشكيل العلاقات بين المركز والأطراف، وبين الداخل والتخوم، ويكشف أن ما يبدو هامشاً على الخريطة، قد يصبح مركزاً جديداً للحياة، أو ساحةً جديدة للصراع.
هكذا إذن، لم تعد التخوم في السودان أماكن بعيدة على أطراف الخريطة. إنها تمتدّ إلى الأسواق، وإلى الطرق، وإلى العملات، وإلى تفاصيل الحياة اليومية. وهناك، في تلك المساحات التي قد تبدو بعيدةً أو هامشية، تُعاد صياغة أسئلة الاقتصاد والسلطة والبقاء، ويُعاد أيضاً رسم خريطة السودان من أطراف البلاد إلى مركزها.



