غِبيش: ارتفاع أسعار وأزمة مياه وتفلّتات وانهيار زراعي
مراسل أتَر
تشهد محلية غِبيش بولاية غرب كردفان -الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع منذ أغسطس 2024- أوضاعاً قاسية وسط توقّف حركة السكّان بين القرى والأسواق، بسبب التفلّتات الأمنية وقطع الطرق ودخول فصل الخريف، ويتخوّف السكّان في قرى المحلية ومدنها من تفاقم أوضاعهم، بالتزامن مع أزمة حادة في مياه الشرب بعدد من المناطق، وعلى نحو أشدّ في الريف الجنوبي للمحلية، حيث وصل سعر تانكر المياه لأكثر من 6 ملايين جنيه سوداني.
كشفت جولة لمراسل «أتَـر» في سوق غبيش، عن ارتفاع كبير في أسعار السلع، إذ بلغ سعر جوال السكر زنة 25 كيلوجرماً 385 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جوال دقيق القمح زنة 25 كيلوجراماً 150 ألف جنيه، وجوال الأرز زنة 25 كيلوجراماً 160 ألف جنيه، وجوال العدس زنة 25 كيلوجراماً 185 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جالون البنزين 60 ألف جنيه، وجالون الجازولين 55 ألف جنيه.
كما أبانت الجولة انخفاضاً كبيراً في أسعار المحاصيل التي يمتلكها المزارعون، بسبب حظر قوات الدعم السريع، التي تسيطر على مناطق واسعة في إقليم كردفان، مرورَ السلع إلى مناطق ولايتي شمال وغرب كردفان، وقطع الطرق التي كان يستخدمها المزارعون والتجار، لإيصال محاصيلهم إلى مناطق الاستهلاك.
| المحصول | الكمية | السعر في الأبيض بالجنيه | السعر في غبيش بالجنيه |
|---|---|---|---|
| الفول المقشور | طن | 10.000.000 | 2.300.000 |
| الفول الخام | قنطار | 270.000 | 95.000 |
| الصمغ | قنطار | 800.000 | 400.000 |
| الدخن | أردب | 650.000 | 300.000 |
| الذرة | أردب | 430.000 | 220.000 |
يعزو التاجر بسوق غبيش حمدان الشريف، لمراسل «أتَـر»، ارتفاع أسعار الزيوت بشدة، رغم انخفاض أسعار الفول السوداني، لارتفاع أسعار قِطَع غيار الماكينات التي تُستخدم في عصر الزيوت، وانقطاع التيار الكهربائي، فضلاً عن زيادة أجرة العمالة التي تعمل في تلك الصناعة. وعن أسعار الزيوت بسوق المحلية أخبر الشريف مراسل «أتَـر» بأن سعر الجركانة 36 رطلاً يبلغ 350 ألف جنيه، بينما يبلغ سعرها في المعاصر التقليدية 320 ألف جنيه.
وتزداد أسعار السلع ارتفاعاً كلما ابتعدتَ عن مركز المدينة، لتصل أحياناً إلى ضعفها في القرى النائية، وذلك بسبب وعورة الطرق مع دخول فصل الخريف وارتفاع تكاليف النقل، فضلاً المخاطر الأمنية.
وتحدّث عدد من سكّان غبيش عن معاناتهم مع استمرار أزمة نقص السيولة النقدية، إذ وصلت نسبة استبدال الكاش مقابل التطبيقات البنكية إلى أكثر من 30% بغبيش، و40% في القرى البعيدة التي تكاد تخلو من الكاش.
ذكر المواطن تاج السر عباس لمراسل «أتَـر»، أنّ ندرة الكاش في قريته «أم القرى» -الواقعة على بعد أقلّ من 20 كيلومتراً من غبيش جنوباً- يضطرّه للذهاب إلى سوق غبيش، لتبديل الأموال في خضم مخاطر أمنية عالية، إذ لا يخشى الخصم الكبير من أمواله بقدر ما يخيفه فقدانها أثناء عودته إلى قريته على الطريق.
ويتخوّف الناس في محلية غبيش، بخاصة سوقها، من الضربات الجوية التي تستهدف قوات الدعم السريع بالمنطقة. قال أحد السكّان لمراسل «أتَـر»، إنّ كلّ ضربة ينفّذها سلاح الجو التابع للقوات المسلحة السودانية، على أي من مدن ولاية غرب كردفان، تعني إغلاق السوق وتقييد حركة السكّان، وعلى إثرها تشنّ قوات الدعم السريع حملات اعتقالات للشباب، خاصة من يرتادون محطات ستارلنك، ويضيف قائلاً: «فعلت قوات الدعم السريع ذلك سبع مرات على الأقل في شهري مايو ويونيو، وصرنا حالياً ما إن نسمع نبأ قصف جوي على منطقةٍ ما بالولاية، حتى نسرع نحو الأسواق لشراء مستلزمات يومين أو ثلاثة، وهي غالباً الفترة التي يجري فيها إغلاق السوق قبل فتحه مرة أخرى».
أفاد عدد من المزارعين بمحلية غبيش، مراسل «أتَـر»، عن تحديات كثيرة تواجههم وتؤدّي إلى انهيار الموسم الزراعي، منها التفلّتات الأمنية واسعة النطاق، وهي تحدّ من حركة الآليات والمزارعين من القرى إلى المَزارع، فضلاً عن انعدام التمويل للموسم الزراعي، وعمليات النزوح الكبيرة التي شهدتها المحلية في العام الماضي؛ مما أخلى كثيراً من القرى والأراضي الزراعية من أهلها، فتحوّلت إلى نقاط تجمّع للمتفلتين وقطاع الطرق، الذين يستغلون المنازل الخالية من السكّان، والحقول التي هجرها أهلها.
تعد محلية غبيش واحدة من مناطق إنتاج الفول السوداني والذرة والدخن بولاية غرب كردفان، وهي كذلك من أغنى محليات الولاية بالثروتين الزراعية والحيوانية، وهي مركز رئيس لأسواق الضأن الحمري.
وأقرّ مسؤول في إدارة الزراعة بالمحلية، بأنّ الموسم الزراعي يواجه مشكلات جمّة، تتمثل في توفير التقاوي والجازولين، إضافة إلى المهدّدات الأمنية، وخطر من سمّاهم «المتفلّتين» الذين ينتشرون في الطرق بين القرى والمَزارع.
وكشف المسؤول الذي طلب حجب اسمه، لمراسل «أتَـر» عن وصول تقاوي مقدَّمة من مكتب قائد ثاني قوات الدعم السريع لولاية غرب كردفان، تستهدف أربع محليات من ضمنها غبيش، غير أنه قال إنّ الفجوة لا تزال كبيرة في محليته. وقال: «ستسهم التقاوي في زيادة الإنتاج والإنتاجية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للأسر، فضلاً عن تحويلها من أسر مستهلكة إلى أسر منتجة قادرة على مواجهة التحديات التي فرضتها ظروف الحرب»، لكنه عاد وقال إنّ الدعم قليل لأنه يكفي لـ 120 مُزارعاً فقط بالمحلية، من جملة أكثر من 15 ألف مزارع ومزارعة مسجّلين لدى إدارته. ودعا المسؤول السلطات في ولاية غرب كردفان إلى توفير الأمن، وقال: «لو وجد المزارعون الأمنَ سيزرعون بالتقاوي المتوفرة لديهم ويحرثون بالمحاريث التقليدية».
تداوُل الفئات القديمة في سوقَي صابرين وليبيا
مراسل أتَر
انقَضَت في مايو الماضي المرحلة الأخيرة من الفترة المسموح بها لاستبدال العملة القديمة بالجديدة، وفق إعلان بنك السودان المركزي، الذي شمل ولايتي الخرطوم والجزيرة وبعض محليات ولاية النيل الأبيض.
وبحسب مصدر في بنك السودان المركزي، تحدّث لمراسل «أتَـر»، فإنّ العملية هي محاولة لمحو آثار الحرب عقب نهب البنك المركزي ومطابع العملة بالخرطوم، وبسط السيطرة على الكتلة النقدية وإيداعها داخل النظام المصرفي.
صاحَبت عمليات الاستبدال، منذ بدئها في نوفمبر 2024، مشكلات مختلفة، وازدحمت مواقع الاستبدال مع بطء الخدمة المقدّمة من البنوك، ما دعا البنك إلى إصدار قرارات بالتمديد، إلا أنّ العُملات القديمة ما زالت قيد التداول وفق جولة أجراها مراسل «أتَـر» في بعض الأسواق الطرفية داخل مدينة أم درمان؛ حيث يُسمع نداء محلات الجزارة في سوق صابرين بمكبّرات الصوت معلنةً أنها تبيع بالعُملتين الجديدة والقديمة، كما يُعمل بها في أسواق ليبيا وأبو زيد وقندهار والمويلح للبهائم، وفي مواقف الحافلات السفرية المتجهة إلى الولايات.
ويرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، في حديثه لمراسل «أتَـر»، أنّ السّلطات تمكّنت من استبدال الكتلة النقدية المستهدَفة ضمن الخطة، مع استمرار العمل لاستكمال المراحل المتبقّية، وأشار إلى أنه لم يصدر تعميم رسمي ونهائي من البنك المركزي يبطل تبرئة الذمّة للعملة القديمة حتى الآن، وأضاف أنّ انتهاء فترة التداول لا يعني ضياع حقوق المواطنين؛ إذ ستعقبها مرحلة سَحْب تتيح استبدال الأوراق القديمة وفق آليات سيعلن عنها البنك المركزي لاحقاً، وشدّد على ضرورة أن يوسّع البنك المركزي نطاق خدماته ويطوّرها في الولايات الآمنة والمستقرّة لضمان سهولة وصول المواطنين إلى الخدمات ودعم النشاط الاقتصادي.
وطبقاً لـ د. هيثم فإنّ أزمة التداول تكشف عن سوء تقدير لحجم الكتلة النقدية الفعليّ في السوق، أو نقص في الأوراق الجديدة نتيجة تأخُّر الطباعة والتوزيع، كما أن غياب التعاميم الواضحة والآليات المحددة من البنك المركزي يسهم في زيادة التضخم وتوسيع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، وقد استغلّت جهات غير رسمية هذه الضبابية لشراء العملات القديمة بأسعار بخسة دون قيمتها، كما أدّى نقص العملة الجديدة في بعض المناطق الريفية إلى لجوء المواطنين لنظام المقايضة أو تهريب العملات الأجنبية.
وأوضح د. هيثم أنّ المواطن الذي يعاني من الارتفاع المتواصل لأسعار السلع لا يهتمّ بشكل الورقة النقدية (قديمة أم جديدة)، بقدر اهتمامه بقيمتها الشرائية ومدى قدرتها على تأمين احتياجاته اليومية. وعن تغيّر النمط الغذائي وغلاء اللحوم، أشار إلى أن أكثر من 80% من الأسر السودانية اضطرّت لتقليص إنفاقها والتخلي عن سلع أساسية، وخرجت اللحوم الحمراء تماماً من موائد غالبية السودانيين (أو قُلّصت كمياتها للحد الأدنى)، بينما يُتعامل مع الدواجن بحذر وبطريقة مقنّنة؛ لارتفاع أسعارها، أما الخضراوات والفواكه فإنها تُشترى ضمن الحدود الدنيا فقط.
وخَلُص د. هيثم إلى أنّ الطعام متوفر في الأسواق بدرجات متفاوتة، لكنّ المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف القدرة الاقتصادية للمواطنين على شرائه، واختلال آليات التوزيع، وعجز المؤسسات الاجتماعية عن حماية الفئات الأكثر هشاشة.
وأوضح عدد من التجّار -التقاهم مراسل «أتَـر»- أنّ هناك عمليات شراء كبيرة تجري للعملة القديمة مقابل التحويل عبر تطبيق بنكك، حيث يُدفع 1200 جنيه (تحويل عبر التطبيق)، مقابل 1000 جنيه من العملة القديمة (كاش). وكشف التجّار أن كثيراً من المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع، في بعض أنحاء كردفان ودارفور يُمنع التعامل فيها بالعملة الجديدة، بل قد تتسبّب لحاملها في مشكلات، لذلك يفضِّل تجارُ المحاصيل والماشية هناك الحصولَ على سيولة نقدية من الفئات القديمة، وهذا الأمر من حسن حظّ المواطنين الذين فاتهم تبديل عملاتهم القديمة عبر نوافذ البنوك في الخرطوم والولايات الآمنة.
أفاد مصدر قانوني مراسل «أتَـر»، بأنّ أي عملة غير مبرئة للذمّة تعتبر ملغاةً ولا يحقّ لأي جهة التعامل بها، خصوصاً بعد انتهاء المهلة المعلنة للاستبدال، وحالياً لا تُطبَّق على من يتعامل بها في هذه الأسواق الطرفية أية عقوبات، لكنّ الكميات الكبيرة من العُملة القديمة قد تعرّض حاملها للمساءلة في نقاط التفتيش الأمنية بين الولايات.
وفي سياق الأوضاع الصحية، يقول محمد الفاضل، الطبيب بمستشفى أم درمان التعليمي، إنّ أكثر الحالات التي يستقبلها المستشفى هي حالات الإصابة بمرض الملاريا، والتهابات المسالك البولية، لحلول فصل الصيف وقلة شرب المياه، مع استمرار توافد مرضى الضغط والسكري، إذ يواجه قرابة الـ60% من مرضى السكري المتردّدين مشكلةً في ضبط مستويات السكّر، وتكرار حالات الارتفاع والإجهاد الحراري، بسبب انقطاع الكهرباء الذي يؤدّي إلى تلف الأنسولين وفقدانه فاعليته نتيجة سوء التخزين.
وكشف الطبيب لمراسل «أتَـر»، عن ارتفاع معدّلات الإصابة بمرض الدرن «السلّ»، الذي عاوَد الظهور من جديد بعد مكافحته سابقاً، مشيراً إلى أنّ معظم حالات الجهاز التنفسي، التي تأتي بأعراض سعال مزمن «كحّة شديدة»، ترتبط بأعراض مرض الدرن.
وتعاني مدينة أم درمان من صيف ساخن، بلغت درجات الحرارة فيه 44 درجة مئوية، ما جعل الطلب على مكيفات الهواء أكثر من المعتاد. ورصَد مراسل «أتَـر» أثناء جولته بشارع كرري المعروف ببيع الأجهزة الكهربائية، ارتفاعاً كبيراً في أسعار الثلاجات والمكيّفات، إذ بلغ سعر مكيف «نسمة» الصحراوي 3,000,000 جنيه، والثلاجة باب واحد إلى 2,700,000 جنيه. وتضاعفت بدَورها أسعار قطع الغيار؛ إذ بلغ سعر كرتون المكيف 160,000 جنيه. وذكر أغلب التجّار لمراسل «أتَـر» أن ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه هو السبب الرئيسي، وراء ارتفاع الأسعار إلى هذا الحدّ.
وأفاد التجّار مراسل «أتَـر»، أنّ المواطنين يفضّلون في الشراء حالياً مكيّفات الماء بسبب ضعف التيار الكهربائي، بدلاً من مكيفات الفريون والإسبليت التي تحتاج إلى قدرة كهربائية عالية لا توفرها الشبكة العامة حالياً، وحتى الطاقة الشمسية التي تتحمل هذه المكيفات لا يمكن لأغلب المواطنين تحمل تكلفتها.
في سوق الكلس بمحلية أمبدة غرب أم درمان، قال المواطن سيد علي لمراسل «أتَـر»، إن الغالبية من السكّان لم تعد تتمكّن من شراء اللحوم، لأنّ أسعار اللحوم ارتفعت جداً، فقد بلغ سعر كيلو الضأن 60.000 جنيه والعجالي 40,000 جنيه. وابتدع الجزارون فكرة بيع «نصف ربع الكيلو» من اللحم البقري للمواطنين بـ 5,000 جنيه فقط، أما لحوم الضأن فتكاد تختفي من داخل السوق، كما توجد أيضاً العظام وتباع بـ«الكوم» بسعر 3,000 جنيه، و(الكمونية) بـ6,000 جنيه، و(النيفة) رأس الضأن يصل سعرها إلى 12,000 جنيه. ويقول سيد إن كثيراً من الناس أصبحوا ينتظرون مناسبات الأفراح للاستمتاع بمذاق اللحوم في الولائم التي لم يَعُد يتخلّف عنها أحد.
ولاحَظ مراسل «أتَـر» وجود سوق منفصل لبيع بقايا الدجاج، التي تُجمَع بعد إخلاء لحوم الصدور والأوراك؛ حيث تُفصَل الأرجل والقوانص والرقاب والكبد والقلوب وتُباع مجتمعة أو منفردة بأسعار منخفضة (بالكيلو أو بالكوم)، وتعدّ أسعاراً اقتصادية وثابتة ومناسبة لذوي الدخل المحدود وغالباً لا تتعدى 10,000 جنيه. وتجد هذه الأجزاء رواجاً كبيراً لإنتاج شوربة بروتين غنية أو لإضافتها للأكلات الشعبية لإعداد وجبات سريعة «كمونية دجاج». الجدير بالذكر أنه لا وجود لأي رقابة صحية على هذه المنتجات ولا تُوضع على الثلج، وأفاد أحد المواطنين: «نحن متوكلين على الله، والنار تقضي على أي جراثيم، المهم ترجع البيت وتملأ قدحك بأي شيء يستر عيالك».



