أتر

مزارعات دارفور: يُثمرن في مواسم الجفاف

كافحت المزارعات في دارفور ليُمارسن عملهنَّ ويضمَنَّ قدراً من الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي لأسرهنَّ ومجتمعاتهنَّ رغم تتابع الحروب والنزاعات على مناطقهنّ لعقود. الآن، وبحلول حرب 15 أبريل، انقطع خيط الدعم المالي الرفيع الذي كان يقدّمه البنك الزراعي للمزارعات والمزارعين في دارفور، لكنَّ إصرار المزارعات لم يخمد إثر ذلك، فوجدن صورة جديدة لتوفير الدعم والتعاون على الزراعة؛ وهي غرف الطوارئ الزراعية.
ظهرت غرف الطوارئ الزراعية في دارفور عام 2023، بعد أن أطلق شبابٌ في الضّعين مبادرة لدعم مجموعةٍ من النساء الأرامل، اللائي فقدن أزواجهن جراء الحرب. وحرصت المبادرة على مساعدة النساء على الزراعة عبر توفير البذور والأدوات لهن، ومن ثمّ انتشرت الغرف بعدها في مختلف أرجاء الإقليم، حيث تسعى غرف الطوارئ الزراعية إلى توفير التمويل للمزارعات عبر استقطابه من المنظمات الدولية وغيرها من المانحين العاملين في السودان، ومنهم برنامج الغذاء العالمي (WFP)، ومنظمة (IRC).
تخبر عضواتٌ في غرف الطوارئ الزراعية ومزارعاتٌ في دارفور «أتَـر» في هذا التقرير بتجاربهن، والتحديات التي تواجههنّ، وبالعلاقات التي قامت بينهن، وبأملهن في غدٍ ناضر.

مواقيت جديدة للزراعة

رشا يعقوب آدم، عضوةٌ في جمعية «سنابل» الزراعية، وتسكن محلية كبكابية بشمال دارفور، تقول لـ «أتَـر» إنّهن كنَّ يزرعن في كل عام مع بداية موسم الأمطار ويحصدن زراعتهن مع انتهاء الموسم، إلا أنّ منظمة IRC قدّمت لهنَّ دعماً لزراعة المحاصيل الشتوية، في محاولة لجعل الزراعة أكثر استدامة وأقل اعتماداً على التقلبات البيئية الموسمية. بدأت رشا ورفيقاتها تجربة جديدة، تقول إنّها تمضي على نحوٍ جيد، إذ أنّهن – ولأول مرة – ينتظرن محاصيل تُثمر في موسم الجفاف.
تعد محلية كبكابية من أهم مناطق الإنتاج في شمال دارفور، وتُزرع فيها محاصيل مثل الدخن والذرة والفول السوداني والبامية، واللوبيا بأنواعها. وتتزامن الزراعة في كبكابية مع موسم الأمطار، إذ تبدأ في يوليو، وينتهي موسمها في نهاية أكتوبر. ذلك هو الوضع التقليدي للزراعة، لكنه تغيّر حالياً، إذ تزرع رشا وزميلاتها في موسم الجفاف.
تقول رشا إنّ جلّ سكّان منطقتها مزارعون ومزارعات، إذ إنّ حياة الناس تقوم على الزراعة، ولم يكن من سبيل أمام النساء لكسب العيش سواها. وتقود رشا حالياً مجموعةً قوامها 23 امرأة، وتقول إنّ مجموعتها صغيرةٌ نسبياً لقلة الدعم، وإنّ مجموعات أخرى – جُلّها من نازحي الفاشر – جاهزةٌ لتباشر الزراعة فور زيادة مقدار الدعم المقدم.
وتشير رشا إلى الصعوبات التي تواجه تجربتهن، بخاصةٍ المشكلات التي تواجه الزراعة في «الصيف الساخن» (الفترة بين أبريل ويونيو حين تزيد الحرارة ولا تحلّ الأمطار)، مثل قلة المياه التي تستدعي جهداً كبيراً للحصول عليها. وواجهت رشا ورفيقاتها تحديات أخرى تمثلت في الأزمة الكبيرة في الحصول على الوقود، والحاجة للأسمدة والمبيدات، إذ إنّ المدخلات الزراعية كانت تصلهنَّ من شمال وشرق السودان عبر الدبة حتى بعد اندلاع الحرب، وكانت أساساً لزراعتهن، إلا أنّ قرار الدعم السريع بإيقاف التجارة مع المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة في 2024 أوقف قدومها، وباتت الأسواق حالياً تستقبل بضائعَ من تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا. وتقول رشا إنّ البذور التي تأتي من هناك ليست مضمونة، وليست بجودة البذور القادمة من داخل السودان، وإنّ المبيدات والأسمدة أصبحت تدخل دون رقابة.
في المقابل، تقول رشا إنّ توفر مستوى نسبي من الأمان سهَّل عليهن عمليات الزراعة، إذ توقفت حركة المُسيّرات والهجمات المُنسّقة التي كان يَشنُّها المسلّحون على قرى المحلية، وقد منحت العودة للزراعة رشا ورفيقاتها باباً من أبواب تحقيق الذات، وفرصةً لاكتساب معارف جديدة، وتقول رشا إنّ ذلك يدفعهن للتمسّك بزراعتهن رغم التحديات.
وفي محلية السنطة، بولاية جنوب دارفور، وعلى الرغم من التحديات المُحيطة، أقامت مِهاد إبراهيم ومجموعةٌ من النسوة جمعيةً نسويةً مختصةً بزراعة الخضروات وإنتاجها بمختلف أنواعها، تمهيداً لتسويقها لتحقيق قدرٍ من الاستقرار الاقتصادي للنساء وأسرهن، واتخذت مهاد ورفيقاتها درباً يشبه ما فعلته النساء في جمعية «سنابل» الزراعية، إذ قررن الزراعة في فترة الجفاف.
تقول مهاد لـ «أتَـر»: «في الموسم الماضي بدأنا زراعة الخضروات في فصل الجفاف، وقمنا بإيصال المياه من دُونْكي القرية، لكننا لم نعد قادرات على استعمال الدونكي بالقدر الذي يَفي بحاجتنا نسبةً لقلة المياه القادمة منه، فأهل القرية أيضاً يحتاجون إلى مياه للشرب». وتضيف مهاد أنّهن يحتجن أيضاً إلى معيناتٍ لتخزين المياه في فترة الجفاف، وقد خطَّطَت مهاد ورفيقاتها في الموسم الماضي لزراعة محصول البطاطس، لكنّ تأخُّر الدعم من المانحين، جعلهن يتركن البطاطس وينصرفن إلى زراعة البامبَي؛ لأنّ زراعته لا تتقيّد كثيراً بالمناخ ولا تستلزم حلول وقتٍ معين، لكن عائده الاقتصادي أقلّ من البطاطس. وتقول مهاد معلقةً على ذلك: «يا حبّذا لو راعى الداعمون مواقيت الزراعة»، وبعد هذه التجربة، قررت مهاد وزميلاتها في هذه المرة أن يزرعن الخضروات في موسم الأمطار، تفادياً لمشكلة المياه، إلا أن حاجتهن إلى الخزانات تظلّ قائمة بحسب مهاد، إذ قد تحدث «صبنات» أثناء الموسم، والصبنات هي فترات توقف الأمطار لأيامٍ أو أسابيع.
وتقول مهاد، إنّهن تلقين دعماً معنوياً وعينياً «هائلاً» من المجتمعات المحلية وبعض المنظمات المحلية بالبذور والأسمدة والدعم اللوجستي، بينما لم يتلقّين أيّ دعمٍ لا مِنَ السلطات التابعة لحكومة تأسيس والتي تسيطر على محليتهن، ولا من حكومة الولاية، وتُضيف: «نعتمد على مجهودنا الذاتي والدعم الأهلي ودعم منظمات المجتمع المدني والغرف الزراعية».
تتمسّك مِهاد وزميلاتها بالأمل في انتظار السلام كما تقول، لكن هذا الانتظار لن يشغلهن عن زراعتهن، تقول مهاد: «نحتاج لأدوات تساعدنا في عملنا الزراعي مثل الآليات والتقنيات الحديثة». وتشتكي مهاد من ارتفاع أسعار الوقود، وتقول إنهن يحتجن إليه لحراثة الأرض وتشغيل دونكي المياه، وتضيف: «الوقود مركزي في العملية الزراعية، لكنه شحيح ويكاد ينعدم، ونحن سنهزم ذلك بمزيد من العمل والدعم من الشركاء».

سهام: نزحتُ مُزارعةً

نزحت سهام آدم جرمة قبل ثلاث سنوات من قريتها الواقعة بكبكابية في ولاية شمال دارفور إلى أم دافوق الحدودية مع دولة أفريقيا الوسطى، والواقعة في أقصى جنوب الإقليم. تُخبر سهام «أتَـر» بأنّ الأرض التي تزرعها ليست ملكاً لها، ورغم ذلك، لم يعترضها أحدٌ خلال فترة زراعتها للأرض، والتي بدأت منذ نزوحها إلى أم دافوق قبل ثلاث سنوات، وتضيف أنّ صاحب الأرض يساعدها في عمليات الفلاحة كلّما سمحت ظروفه.
تقول سهام: «نزحتُ مزارعةً، ولا أجدُ لنفسي مكاناً في الحياة سوى كوني مزارعة». ورغم سكنها حالياً على بعد كيلومتراتٍ قليلةٍ من دولةٍ جارة، إلا أنّها ترفض بشدة أن تترك السودان، وتضيف قائلةً: «أحَبُّ إليّ أن أدعى بالنازحة لا اللاجئة، وأحَبُّ إليَّ من كليهما أن أدعى بسهام الزارعة لأرضها».
وتقول سهام إنّ أسعار الغذاء أضحت «خياليةً»، بحسب وصفها، بسبب الحرب وانقطاع الأسواق عن بعضها، ما يجعل إنتاج الغذاء محلياً حائطَ الصدّ الأول ضد المجاعة. وتشير سهام إلى أنّ الجمعيات الزراعية تخلق حالةً من التلاحم والتعاون بين النساء، ما يحمي المجتمع من التفكك المُلازم للحرب.

صهيبة ونصرة: كيف نصل إلى مَزارعنا؟

تقول صهيبة علي رمضان، وهي عضوةٌ في جمعية «أم ضُل» الزراعية، في محلية ياسين بولاية شرق دارفور لـ «أتَـر»، إنّ الناس في منطقتها يزرعون، ولا يملّون الزراعة، إذ يعتمدون على الزراعة والثروة الحيوانية اعتماداً كاملاً. وتشير صهيبة إلى أنّ جلّ من يعملون في الزراعة في منطقتها بعد اندلاع الحرب نساء، وتوضح قائلةً: «غادر الرجال منطقتنا لظروف الحرب المختلفة، وبقيت النساء وهنَّ من يزرعن».
وتقول صهيبة إنّ أول سؤالٍ يواجههن هو: «كيف يصلن إلى مزارعهن؟»، وتضيف: «لا نَملك الوسائل التي نصل بها إلى مزارعنا، وإن تمكنَّا من حلّ هذه، فإننا نُواجه مشكلةً في زراعة الحقول، وهي الحصول على وسائل حراثة الأرض، إذ لا تملك النساء المزارعات في (البِلدات) تراكتورات، الأمر الذي يضطرّهن إلى استئجارها بأسعارٍ باهظةٍ من أصحابها». وتُشير صهيبة إلى أنّ النساء يَضطّررن إلى العمل بالأجرة لدى صاحب التراكتور في مزرعته، في نظافة الأرض أو إصلاحها، حتى يضمنَّ تحضير أراضيهن مقابل العمل المأجور. تضيف صهيبة: «لذلك، تُحضِّرُ معظم النساء هنا أراضيهن يدوياً، ويسلكن العمل اليدوي في جميع مراحل الزراعة، وقد ارتفعت أسعار الوقود منذ العام الماضي، بينما انخفضت أسعار المحاصيل نتيجة للحصار المفروض على حركتها من الإقليم نحو مناطق الاستهلاك، ما زاد التحديات التي نواجهها، ولكننا لن نترك زراعتنا رغم كل ذلك». وتُشير صُهيبة إلى غلاء أسعار التقاوي المُحسَّنة، إضافةً إلى صعوبة وصول النساء إليها بسبب بيعها في الأسواق البعيدة عن القرى، وذهاب النساء إلى هذه الأسواق صعبٌ بسبب الأوضاع الأمنية.
وتقول صهيبة إنّ النساء في بلدتها لا يملكن مشاريعَ خاصة، إذ إنّ المشاريع مملوكةٌ لرجال، بينما تزرع النساء زراعةً تقليديةً في مساحاتٍ محددةٍ ومحصورة، لا يُسمَحُ لهن بتجاوزها، إلا أنّ الجمعيات أصبحت تعطي النساءَ أموالاً ليستخدمن الأراضي الزراعية بنظام الإيجار السنوي «الدُّقُندي»، وهو نظامٌ يستأجر فيه شخصٌ من شخصٍ أرضاً زراعيةً لموسمٍ زراعي واحد، أو مواسم عدة مقابل مبلغ معين، أو نسبة من المحصول عند وقت الحصاد.
وتشتكي صهيبة من تأخُّر الدعم، فتقول: «تُقدّم لنا الغرف الزراعية المساعدات، وتتلقى الجمعيات الدعم بدَورها من مانحين. ولكن، يأتي الدعم في كثيرٍ من الأحيان بعد فوات أوان الزراعة، إذ إنّ المانح لا يقيم وزناً لمواقيت الزراعة في كثير من الأحيان». وتوضح: «كثيراً ما يأتي الدعم بعد نزول الأمطار، لتأخُّر وصول المنحة من المانح، نحتاج إلى المساعدات في وقت معين ولا نجدها، ولذلك لا نعتمد كثيراً على الدعم القادم من الخارج لأنّه قد يتأخر ويضيع علينا الموسم». وتنفي صهيبة بشدّة حصولهم على أي نوعٍ من المساعدات من سلطات حكومة تأسيس التي تسيطر على المنطقة.
وفي منطقة خزان جديد بمحلية شعيرية بولاية شرق دارفور، تتحدّث المزارعة نصرة شاتوت عن معاناة المزارعات بسبب استمرار الحرب بين الجيش والدعم السريع، إضافةً إلى النزاعات المحلية في منطقتها. تقول نصرة إنّ النساء أصبحن يتحملن مسؤولياتٍ أكبر من تلك التي كانت ملقاةً على عواتقهن الواهنة بالأصل، إثر انخراط كثيرٍ من الرجال في الصراع الجاري، وإنّ استمرار الصراع في المنطقة أفقدهن مصادر دخلهن، التي يُحاولن استعادتها بين كل هدنة وأخرى.
وتُضيف نصرة أنّهن يعانين من نقصٍ حادٍ في مدخلات الإنتاج، مع ارتفاع أسعارها، وتدنِّي جودتها، وتقول: «نُعاني من نقص التقاوى والتمويل وتدهور الأوضاع الأمنية والخوف من النزوح المُتكرِّر، بجانب انتشار الآفات الزراعية لضعف الخدمات والإرشاد الزراعي، كما نعاني من رداءة الطرق وصعوبة نقل المحاصيل إلى الأسواق، واحتمال السيول والأمطار الغزيرة التي تؤثر على قرانا ومزارعنا، كما حدث في العام الماضي».
ورغم كل هذه التحديات، تواصل نصرة ورفيقاتها في جمعية خزان جديد الزراعية العمل في الزراعة التقليدية لتأمين الغذاء لأسرهن. وتشير نصرة إلى أنّ المرأة تؤدي دوراً مهماً في زراعة محاصيل الأمن الغذائي في ظل ضعف الدعم وغياب شبكات الحماية، وتصف ذلك بقولها: «نحن نمثل الآن رمز الصمود والمحافظة على حياة الأسر والمجتمعات».
وفي ولاية وسط دارفور، بمحلية نيرتتي، أنشأت سامية أبكر و25 من زميلاتها، جمعيةً زراعيةً سمَّيْنها مجموعة «تربا» الزراعية في مساحة قدرها 200 فدان، لتكون تجربة أولية. وتقول سامية إنّها وزميلاتها ينشطن الآن في تجهيز الأرض للزراعة، وحصر المزارعات والمزارعين المستفيدين وعقد الاجتماعات التي تضمهم والجهات المستهدفة، وتضيف أنّ خطتهم لهذا الموسم هي زراعة المساحة المستهدفة بالدخن والفول السوداني والسمسم وزهرة الشمس.
وتُشير سامية إلى أنّهن يواجهن تحديات، خاصةً في منطقة غرب الجبل، وتُجمِل هذه التحديات في النزاعات القائمة بين المجتمعات، وتلك القائمة بين الرعاة والمزارعين، وتقول إنّ حوادث القتل والاغتصاب تجعلهن يترددن في خوض النشاط الزراعي، خاصةً أنّ معظم الأراضي التي يزرعنها بعيدةٌ عن القرى، بعد أن اتخذ النازحون الفارون من الحرب المساحات القريبة من القرى مأوىً ومستقراً للسكن.
وتشكو سامية كذلك من ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والآلات وزيادة تكلفة الري، خاصةً في ظل ازدياد أسعار الوقود، إلا أنّها تواصل بقولها: «لكننا نزرع وسنزرع، لأنَّ تمام الحياة عندنا هو الزراعة».

Scroll to Top