في 17 يونيو الماضي، استفاق سكّان ولاية الجزيرة على أخبار متفرّقة عن سيارات «تُندرا» تعبر إلى داخل الولاية، لم يكن الاسم مألوفاً لكثير منهم، بينما لم يتمكّن من رأوها إلا من التقاط لمحة عابرة وهي تمضي بسرعة. لكنّ ظهورها وحده كان كافياً لاستدعاء أيام سيطرة الدعم السريع على الولاية؛ فالسكّان الذين حفظوا، على مضض، أسماء الأسلحة والمركبات العسكرية عن ظهر قلب، وجدوا أنفسهم أمام اسم جديد يثير القلق أكثر مما يثير الفضول.
زاد الصمت الرسميّ من اتساع مساحة التأويل، إذ لم يصدر أيّ توضيح بشأن الجهة التي تتبع لها السيارات، بينما أمضت القرى الواقعة على امتداد طريق الخرطوم–مدني يومَها بين الخوف والترقب.
ومع مرور الساعات، بدأ السكّان يتداولون بكثافة ما تيسّر لهم من معلومات، واختلطت الحقيقة بالشائعة بشأن مصير السيارتين الفارّتين، وسرعان ما انتشرت روايات تفيد بأنهما واصلتا طريقهما نحو مدينة الحصاحيصا، قبل أن تتجها غرباً إلى عمق الولاية، وفي تلك الليلة، بات سكان محليات الحصاحيصا والكاملين والمناقل على وقع القلق والترقب، وقضوا نهار اليوم التالي بين انتظار ما ستُسْفِر عنه المطاردات، والخوف من أن تتحوّل قُراهم ومزارعهم إلى مسرح لمواجهات محتملة.
غير أنّ بيان لجنة أمن الولاية، الذي اطّلعت عليه «أتَـر» منشوراً على المنصّة الرسمية لولاية الجزيرة في عصر 18 يونيو، زاد حيرة سكّان الجزيرة، إذ أعلن عن رصد أربع سيارات عند مداخل مدينة ود مدني، وضبْط اثنتين منها، بينما ظلّت السيارتان الأخريان قيد المطاردة، وقالت لجنة أمن ولاية الجزيرة إنّها قد تلقّت معلومات عن «عربات (تندرا) تمرّ بصورة دورية بمعبر الشكّابة قادمة من الاتجاه الجنوبي، يستقلها أفراد يتبعون للقوات المساندة، تعمل في تهريب الممنوعات».
وأوضحت لجنة أمن الولاية في بيانها، الذي تناقلته مختلف وسائل الإعلام المحلية بكثافة، أنها شكّلت قوة مشتركة من الأجهزة الأمنية ونفذّت كميناً عند معبر الشكّابة، وأضاف البيان أنّ إحدى سيارات «تندرا» تجاوزت نقطة التفتيش بسرعة عالية ورفضت الامتثال لإشارة التوقف، ما أدّى إلى مطاردتها. وخلال المطاردة، «وقع حادث مروري أدى لانقلاب عربة تتبع لإدارة مكافحة التهريب»، وأسفر عن مقتل اثنين من منسوبي جهاز المخابرات العامة بالولاية وإصابة 13 آخرين من أفراد القوة المشاركة في الكمين. وأضافت اللجنة أنها أغلقت جميع معابر الولاية عقب الحادثة، قبل أن تتمكّن من ضبط سيارتين من طراز «تندرا» قالت إنهما تتبعان للقوات المساندة، وكانتا تحملان «كمية من المواد المهرَّبة»، مشيرةً إلى أنه قد جرى «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة».
لكنّ البيان لم يُسمِّ «القوة المساندة» المقصودة، ما أبقى هويّتها غير واضحة، وأدى إلى تداول روايات متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت من بينها روايات نَسَبت السيارات إلى القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، دون أن تستند إلى أدلة معلنة أو تأكيد رسمي، واستند مروِّجو تلك الروايات إلى شيوع استخدام القوة المشتركة لهذا النوع من المركبات، دون أن يُثبت ذلك صلتها بالحادثة.
وقالت إدارة مكافحة التهريب بقوات الجمارك بولاية الجزيرة، في تعميم صحفي، بشأن الحادثة ذاتها، إنّ معلومات ورَدت إليها بشأن سيارة من طراز «تندرا» يُشتبه في استخدامها لنقل مواد مخدرة، دفعتها إلى نصب كمين بمنطقة الشكابة على طريق مدني – سنار. وأضافت أن سائق السيارة رفض الامتثال لإشارة التوقف، ما أدى إلى مطاردتها حتى منطقة الهدى بمحلية المناقل، حيث تمكّنت القوة من ضبطها وعلى متنها «نصف مليون حبة مخدرة»، وأضاف التعميم أن القوة ضبطت أيضاً سيارتين أخريين من طراز «تندرا» تحملان 90 كرتونة سجائر مهربة و35 كرتونة أدوية بشرية، كما ألقت القبض على ثلاثة متهمين.
وكشف مصدر أمني مطّلع لـ «أتَـر» أنّ التحريات الأولية ترجِّح أنّ المتهمين الذين أُلقي القبض عليهم في إحدى السيارتين المضبوطتين يتبعون للقوة المشتركة، وهي معلومات لم تؤكّدها أي جهة رسمية حتى وقت إعداد هذا التقرير.
وتباينت روايات مصادر «أتَـر» داخل الأجهزة الأمنية بشأن مسار سيارات التندرا إلى داخل السودان. قالت بعض المصادر إنها دخلت عبر كوستي ثم سنار وصولاً إلى الجزيرة، ورجّحت أخرى أنها عبرت من جنوب السودان إلى مدينة الدندر بولاية سنار، قبل أن تواصل طريقها شمالاً. لكنّ جميع المصادر اتفقت على أن السيارات قدمت من دولة جنوب السودان. وقال مصدر أمنيّ لـ «أتَـر» إنّها انطلقت من مدينة الرنك بجنوب السودان، مروراً بمدينة كوستي، ثم سنار، قبل أن تتوقّف لفترة في منطقة طيبة اللحويين.
ومع تداول أنباء عن أنّ السيارات دخلت من دولة جنوب السودان، برز سؤالٌ على ألسنة كثير من السكّان: كيف تمكّنت السيارات من عبور جميع نقاط التفتيش في ولاية سنار ومحلية جنوب الجزيرة، من دون أن يوقفها أحد، حتى بلغت تخوم مدينة ود مدني؟
![]()
تُنتَج سيارات «تندرا» في مصانع تويوتا بولاية تكساس الأمريكية، وقد صدر جيلها الأول في العام 2000، وهي تُباع في أمريكا وتُصدَّر رسمياً إلى كندا والمكسيك، ولاحقاً إلى أستراليا (2024) واليابان (2026)، بينما تستوردها دول الخليج وأفريقيا عبر أفراد أو وكلاء غير رسميّين.
وتتمتع «تندرا» بمحرك قوي V6 مزدوج التيربو سعة 3.5 لتر يولد 389 حصاناً وتتميز بقدرة سحب تصل إلى 12000 رطل، كما تتمتع بتحكم مريح وسلس، مع نظام تعليق أمامي مستقل ونظام تعليق خلفي متعدد الوصلات، وبها مقصورة واسعة توفر مساحة كبيرة للركاب والبضائع؛ لكنها ليست اقتصادية في استهلاك الوقود، حيث تستهلك جالوناً لكل 19 ميلاً داخل المدينة وجالوناً لكل 24 ميلاً على الطريق السريع.
من سنار إلى الجزيرة ثمّ النيل الأبيض
وبحسب مصدر أمنيّ آخر تحدّث لـ «أتَـر» طالباً حجب اسمه، فإنّ السيارات الأربع دخلت إلى ولاية الجزيرة من الجهة الجنوبية عبر ولاية سنار، وعبرَت نقاط التفتيش بمحلية جنوب الجزيرة دون اعتراض. وأضاف أنّ أفراد التفتيش عند مدخل ود مدني، بمنطقة الشكابة، اشتبهوا في السيارات بعد رفض سائقيها التوقف، لتبدأ مطاردة وَصَف خلالها سرعة المركبات بأنها «خيالية»، وأوضح أنّ قوات الأمن تمكّنت من ضبط سيارتين، بينما واصلت السيارتان الأخريان طريقهما مروراً بود مدني باتجاه الحصاحيصا، قبل القبض على إحداهما بمنطقة الهُدَى في محلية المناقل. أما السيارة الأخيرة، التي قال إنها كانت تُقلّ قائد المجموعة، فقد تمكّنت من التوغّل داخل الولاية عبر طرق ترابيّة.
وتتوافق هذه الرواية جزئياً مع شهادة أحد سكّان قرية ود بلال، قرب الحصاحيصا، وقال لـ «أتَـر» إنه شاهد سيارتين تسيران في اتجاهين مختلفين، قبل أن تمرّ خلفهما ستّ مركبات عسكرية، تتقدّمها عربة مزوّدة بمدفع «دوشكا»، في محاولة للّحاق بهما، وأضاف أن إحدى السيارتين اتجهت إلى غرب الحصاحيصا، بينما واصلت الأخرى سيرها إلى جنوب المدينة عبر طريق ترابي خارج القرية.
وكشف مصدر بجهاز المخابرات العامة بولاية الجزيرة لـ «أتَـر»، أنّ الوحدات الأمنية استعانت بطائرات مُسيّرة لمسح مناطق واسعة من الولاية أثناء تتبّعها للسيارة الرابعة. وقدَّر المصدر عدد سيارات تندرا التي تتحرك داخل ولاية الجزيرة بأكثر من 30 سيارة، وقال إن معظمها يعبر من الجهة الجنوبية عبر ولاية سنار، بينما يتجه جزء منها نحو ولاية الخرطوم، مُضيفاً أنها جميعها لا تحمل لوحات مرورية.
وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم تعلن الجهات الرسمية الوصول إلى السيارة الرابعة، غير أنّ مصدرَين أمنيّين يتابعان مسارها، قالا لـ «أتَـر»، إنّها تمكّنت من تفريغ حمولتها في منطقة «كمبو عقار» التابعة للوحدة الإدارية «الرِّبِع» بمحلية الحصاحيصا، قبل أن تغادر المنطقة عقب ورود معلومات إلى مستقلّيها عن اقتراب قوة أمنية. وبحسب المَصدرين، سلكت السيارة طريق جبل أولياء جنوب غرب الخرطوم، قبل أن تتّجه إلى مدينة ربك بولاية النيل الأبيض. وأضاف المَصدران أن حمولتها بلغت نحو 30 ألف حبّة مخدرة، ضبطتها السلطات لاحقاً داخل منزل أحد السكّان بقرية كمبو عقار، مشيرين إلى أنّ إجمالي ما حملته السيارات الأربع تجاوز 600 ألف حبة مخدرة، إلى جانب كميات كبيرة من سجائر «شملان» المُهرّبة.
وفي قرية كمبو عقار، قال أحد السكان لـ «أتَـر» إنّ قوات عسكرية طوّقت القرية بالكامل، ومنعت الدخول إليها والخروج منها، قبل أن تعثر على كمية من الحبوب المخدرة وكراتين السجائر المهربة داخل منزل أحد السكّان، وأضاف أنّ سكان القرية لم يشاهدوا السيارة التي قيل إنها نقلت المضبوطات، مرجِّحاً أنها وصلت ليلاً بينما كان الناس نياماً.
وفي ولاية سنار، قال مصدر أمنيّ يتبع للواء 265 دفاع جوي إنَّ أجهزة الاستخبارات لم ترصد مرور السيارات الأربع محل الحادثة، لكنها ترصد على نحو دوريّ سيارات من الطراز نفسه قادمة من الجنوب نحو الشمال، وتتخذ إجراءات بحقّها. وأضاف أنّ أكثر من 20 سيارة من هذا النوع محتجزة حالياً في إدارة الجمارك بمدينة سنجة، معتبراً أن ذلك يشير إلى وجود نمط منظّم يعتمد على استخدام هذه المركبات في تهريب الأسلحة والمخدرات والأدوية غير المجازة.
وحسب تقدير المصدر، فإنّ هذا النوع من السيارات استُخدِم أيضاً، خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على ولايتي الجزيرة وسنار، في نقل الأسلحة القادمة من إريتريا إلى داخل السودان. وحول الكيفية التي وصلت بها هذه المركبات إلى وسط البلاد، قال إنّ التحريات والتقديرات الأمنية تشير إلى ثلاثة مسارات محتملة لدخولها: المسار الأول من ليبيا، وتجلبها عبره القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح. أما المسار الثاني من الحدود السودانية المصرية، ويجلبها عبره الجيش السوداني ويسلّمها من ثم، وفقاً للمصدر، إلى مجموعات حدودية في شرق السودان لاستخدامها في نقل الأسلحة القادمة من إريتريا. والمسار الثالث فهو الأكثر نشاطاً في الوقت الراهن، وقال المصدر إنه نشط عقب سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من الحدود بين ولاية غرب كردفان ودولة جنوب السودان.
بحلول السبت، 20 يونيو، أبلغ أحد المصادر التي تحدّثت إلى «أتَـر» أنّ طائرات مُسيّرة شغّلتها إدارة مكافحة التهريب بولاية الجزيرة، بالتنسيق مع أجهزة أمنية ولائية واتحادية، توصّلت إلى أن السيارة الرابعة وصلت إلى مدينة ربَك بولاية النيل الأبيض.
وفي اليوم التالي، أفادت تقارير صحفية بضبط سيارة من طراز «لاند كروزر بيك أب» بمدينة كوستي، بعد مطاردة وُصفت بالعنيفة، وذكر مصدر مقرّب من الأجهزة الأمنية، أنّ العملية نُفّذت في منطقة «القرية السابعة الروات» جنوب غربي كوستي، حيث نصَبت الشرطة العسكرية كميناً لعربة يُشتبه في استخدامها في أنشطة التهريب، قبل أن تتمكّن من ضبطها واتخاذ الإجراءات القانونية في حق مستقِلّيها.
مصالح اقتصاد الحرب
وبينما تتواصل التحقيقات في مسار سيارات «تندرا»، يرى خبير أمنيّ وضابط سابق بجهاز المخابرات العامة، وحاصل على درجة الدكتوراة في العلوم الاستراتيجية، في حديث لـ «أتَـر»، أنّ الاتهامات التي طالت عناصر محسوبة على القوات المشتركة أو القوات المساندة تكشف عن أزمة أعمق من محض حادثة تهريب.
ويقول الخبير لـ «أتَـر» إنّ الحركات المسلحة والتشكيلات العسكرية، في النزاعات الممتدة، لا تظلّ فاعلاً عسكرياً فحسب، إنما تتحوّل تدريجياً إلى فاعل اقتصادي، يعتمد على شبكات التهريب لتمويل نشاطه عبر التراكم الرأسمالي السريع وبناء شبكات الولاء، ويرى أنّ هذه الديناميكية تجعل اقتصاد الحرب قادراً على إنتاج مصالحه الخاصة، بما يفضي إلى تداخُل النشاط العسكري مع الجريمة المنظّمة، ويقوّض سُلطة المؤسّسات الرسمية.
ويحذّر من أنّ دخول كميات كبيرة من المخدرات إلى ولاية الجزيرة، التي تمثّل القلب الزراعي للسودان، يضرب أسس الاقتصاد المنتج بقدر ما يهدّد الأمن، وبدلاً من حماية طرق الإنتاج الزراعي والأسواق، تتحوّل الأولوية إلى ملاحقة شبكات التهريب، بينما يصبح الشباب، وهم القوة المنتجة في الريف، أكثر الفئات عرضة للاستهداف عبر تجارة المخدرات واقتصاد الظلّ.
ويرى الخبير الأمني أنّ الاشتباكات بين الأجهزة النظامية الرسمية وعناصر محسوبة على القوات المساندة تعكس إشكالاً بنيوياً في تعدّد مراكز القوة المسلحة، لأنّ وجود تشكيلات تعمل خارج تراتبية عسكرية مؤسسية موحدة، بحسب تقديره، يخلق بيئة تتقاطع فيها المصالح العسكرية والاقتصادية، ويتيح لبعض الوحدات العمل على نحو شبه مستقلّ، بما قد يوفر غطاءً لأنشطة مرتبطة باقتصاد الحرب وشبكات التهريب، ويقوّض في الوقت ذاته قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سيطرة موحّدة.
ويضيف أنّ استخدام سيارات دفع رباعي عالية الكفاءة، مثل «تندرا»، لم يعد مقتصراً على العمليات العسكرية، بل أصبح جزءاً من البنية اللوجستية لشبكات التهريب، بفضل قدرة هذه السيارات على المناورة وتجاوز نقاط التفتيش، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تداخُلاً متزايداً بين خطوط الإمداد العسكري ومسارات التجارة غير المشروعة.
من بَكَاسِي اللبن إلى التندرا
قبل سنوات، كانت الشاحنات الصغيرة من طراز «تويوتا هايلوكس»، المعروفة محلياً في الجزيرة باسم «البكاسي»، تمثّل إحدى ركائز الاقتصاد الزراعي. لقد ارتبطت خلال عقود السبعينيات والثمانينيات بولاية الجزيرة بوصفها مركبة الاقتصاد الزراعي بسبب تحمّلها صعاب طُرق الجزيرة الطينية، خاصة في موسم الأمطار، فهي تَنقُل العمّال ومدخلات الإنتاج إلى الحواشات، وترحّل المحاصيل في نهاية الموسم، قبل أن تصبح وسيلة رئيسة لنقل الألبان إلى مصانع الخرطوم، ومن هنا اكتسبت لقبها الشعبي «بكاسي اللبن».
منذ انشقاق اللواء أبو عاقلة كيكل عن قوات الدعم السريع في أكتوبر 2024، أصبحت سيارات التويوتا هايلوكس، أو البكاسي كما تُعرَف في الجزيرة، جزءاً من خطاب السخرية الذي تبنّاه جنود الدعم السريع تجاه كيكل وقواته، عبر وصفها بـ «بكاسي اللبن».
لكنّ الحرب غيّرت هذا المشهد، مع سيطرة قوات الدعم السريع على الجزيرة بين ديسمبر 2023 وبداية عام 2025، تعرّضت الثروة الحيوانية لعمليات نهب واسعة، وانكمشت تجارة الألبان التي كانت تشكّل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي. ومع ذلك، بقيت عبارة «بكاسي اللبن» حاضرة في تسجيلات جنود الدعم السريع، لا باعتبارها وصفاً لمركبة، وإنما أداة للسخرية من نموذج اقتصادي قائم على الزراعة والإنتاج.
ولم يعد الجدل حول سيارات «تندرا» مقتصراً على قضية جنائية، إنما تحوَّل إلى ساحةٍ لإنتاج سرديات سياسية واجتماعية متنافسة: من خلال رَبْط السيارة بالقوة المشتركة، أو بجماعاتٍ سكّانية بعينها، أو بسكّان الكنابي، يجري البحث عن «فاعل داخلي» تُعلَّق عليه مسؤولية الخلل الأمني، بينما يتراجَع السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف استطاعت هذه السيارات، أياً كانت الجهة التي تقف وراءها، عبور عشرات نقاط التفتيش والوصول إلى قلب الجزيرة؟
هكذا، لا تبدو «تندرا» محض سيارة، ولا «بكاسي اللبن» محض لقب ساخر، إنما علامتان على انتقال أوسع؛ من اقتصاد كان يقوم على الإنتاج الزراعي إلى اقتصاد تصنعه الحرب. إذا كانت «البَكَاسِي» قد ارتبطت بالحوّاشات والإنتاج وقيم الإنتاج الزراعي وفضائه المدنيّ، فإنّ «تندرا» قد ارتبطت بالقوة الخشنة والمطاردات الأمنية، والتهريب، واقتصاد الحرب العابر للحدود. وبين الرمزين، يمكن قراءة التحوّل الذي أصاب الجزيرة نفسها؛ من فضاءٍ يُعرَف بالزراعة ويحتفي بالعمل إلى فضاء تهيمن عليه مفردات الحرب والاقتصاد غير الرسمي، فيعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية ويغذّيها حتى بعد انحسار المعارك.



