مع أول ضوء للصباح، يبدأ الناس في التجمّع أمام مخازن بيع الذُّرة المدعومة في كادقلي والدلنج، حيث يحمل بعضهم جوالات فارغة، بينما يكتفي آخرون بأكياس صغيرة تتناسب مع ما تبقى في جيوبهم من نقود، هناك، يمتد الصف بهدوء، وتبقى الأنظار معلقة بالطريق في انتظار الشاحنة التي تحمل الذرة.
يعرف الواقفون في الصف في مدينة كادقلي أن وصول الشاحنة يرتبط ببقاء طريقَي كيقا الكرقل شمالاً، أو هبيلا كرتالا شرقاً مفتوحين، فكلَّما تعطَّل أحد الطريقين أو تجدَّدَت المواجهات، تتوقف إمدادات الذرة، ويجد السكان أنفسهم أمام خيار واحد؛ ألا وهو: شراء الذرة من الأسواق بأسعار تفوق قدرتهم.
وفي الوقت نفسه، وعلى بعد أقل من عشرة كيلومترات شرقي الدلنج، تمتدُّ سهولُ هبيلا الزراعية، التي ظلت لعقود من أهم مناطق إنتاج الذرة في جنوب كردفان، ووصل إنتاجها إلى أسواق الإقليم وولايات أخرى في السودان. اليوم، تتقاطع في تلك السهول خطوط القتال، وتتعاقبُ عليها المُواجهات بين أطراف الحرب المختلفة، لتتحوَّل مساحاتٌ واسعةٌ من الأراضي الزراعية إلى ساحات عسكرية، وتصبح الأرض التي كانت تنتج الغذاء جزءاً من جغرافيا الحرب.
تفتح هذه المشاهد سؤالاً كبيراً: كيف وصلت جنوب كردفان، التي تضم واحدة من أكبر مناطق إنتاج الذرة في السودان، إلى المجاعة في العامين 2024 و2025، ودخلت مرحلةً يَعجز فيها آلاف السكان عن الحصول على غذائهم اليومي؟ وكيف تحولت هبيلا، التي ارتبط اسمها بإنتاج الذرة لعقود طويلة، إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بالجوع خلال سنوات الحرب الأخيرة؟
وتقود محاولة الإجابة إلى أكثر من محطة، لقد عطلت الحرب الزراعة وأغلقت الطرق، وأوقفت حركة التجارة، لكنها أيضاً أعادت إظهار أزمة أقدم ترتبط بتاريخ الزراعة الآلية في جنوب كردفان، وطريقة توزيع الأراضي وملكيتها، والسياسات التي غيرت علاقة المجتمعات المحلية بالأرض، وحوَّلَتْ أعداداً كبيرة من المزارعين الذين كانوا يعتمدون على الزراعة الاكتفائية إلى عمال وفلاحين داخل مشاريع الزراعة الآلية.
ملكية الأرض ومَكنَنة الزراعة
بحسب دراسة بعنوان «جبال النوبة الاثنية السياسية والحركة الفلاحية»، للدكتور عطا البطحاني، جاء اختيار منطقة هبيلا لإقامة أحد أكبر مشاريع الزراعة الآلية في جنوب كردفان، لأن المنطقة تمتدُّ على سهول طينية خصبة، وتتلقَّى معدلات أمطار جعلتها من أنسب البيئات لزراعة الذرة والسمسم والمحاصيل النقدية الأخرى. وقد توسّعت هذه المشاريع على مرحلتين، بدأت الأولى في 1958، والثانية في 1964.
وفي أبريل من العام 1958، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية وحدة للعون الاقتصادي بالخرطوم، بعد إعلان الحكومة السودانية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله خليل (1956-1958) وصولها لاتفاق مع الحكومة الأمريكية حول المعونة الأمريكية؛ لكن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ إلا بعد انقلاب إبراهيم عبود (1958-1964)، حيث صادق على المعاهدة فوراً، في التاسع والعشرين من نوفمبر 1958؛ وقد فتحت هذه الاتفاقية المجال أمام مزيد من العون الأجنبي للزارعة في السودان.
وخصَّت الخطة العشرية للحكومة العسكرية استثمارات ضخمة لتطوير 300,000 فدان بالزراعة الآلية في منطقة جبال النوبة، وعُهد إلى البنك الزراعي السوداني باستكشاف الوسائل لإيجاد التمويل اللازم لمساعدة المزارعين.
وبعد إعادة النظام البرلماني الديمقراطي عام 1964، دفع تدهور معدلات الأرباح في مشاريع الري بالطلمبات على النيل، إلى تحرك الدولة لتسهيل انتقال رأس المال الخاص العامل في مجالات التجارة والزراعة في المناطق النهرية، إلى مجال الاستثمار في الزراعة الآلية، غير أن الأخيرة كانت تتطلب احتياجات مالية كبيرة، وهنا أدى العون الأمريكي والبنك الدولي دوراً حاسماً إزاء المتطلبات الاستثمارية الأكثر إلحاحاً، وتتمثل في إزالة الأشجار وتنظيف الأرض.
وفي عام 1965، أبرمت وزارة المالية والاقتصاد اتفاقاً مع البنك الدولي يقدم بموجبه البنك قرضاً قيمته 9,483,037 جنيه سوداني لتغطية نفقات تنظيف الأرض في منطقتي القضارف وجبال النوبة، وتشمل قيمة القرض المكون النقدي الأجنبي، الذي بلغ 75% من المكون المحلي.
لكن هذا المشاريع حملت منذ نشأتها تناقضاً ظلّ يرافقها لعقود، فقد جاءت الزراعة الآلية ضمن سياسات الدولة للتوسع في الإنتاج التجاري، بينما ارتبط توزيع مساحات واسعة من الأراضي بمراكز النفوذ السياسي والإداري والعسكري. في 1958 أُقيمت أربعة مشاريع في أم جاركو (الدلنج)، برواب (تلودي) كيواكيا (رشاد) والزلطية (كادقلي). وفي هبيلا بلغت المساحة الكلية للمشاريع التي صُدّق بها لموسم 1959، عشرة آلاف فدان.
إلا أن معظم هذه الأراضي جرى الاحتياز عليها من أراضي الزراعة التقليدية للفلاحين، وانطبق ذلك على وجه الخصوص، على حالة مشروع أم جاركوا وهبيلا، ففي الجبال الشمالية، طُلب من أهالي مرتج والنيمنج الانضمام إلى المشروع معية أراضيهم، وذلك مقابل أسعار زهيدة تقل كثيراً عن قيمتها في السوق، مما جعل هذا الأمر، مصادرة صريحة لأراضي الفلاحين التقليدية، ووجد كثير من السكان المحليين في هبيلا، ووطا وفيو، أنفسهم خارج ملكية الأراضي التي ظلوا يزرعونها عبر الأجيال، بينما انتقلت مساحات كبيرة إلى مستثمرين وتجار ومسؤولين من خارج المنطقة، وهو ما وصفه باحثون أبرزهم عطا البطحاني بأنها اللحظة التي تحول فيها سكان جبال النوبة، خاصة في هبيلا، من ملاك ومزارعين مُستقلّين إلى عمال وفلاحين يعملون في مشاريع يملكها آخرون.
وارتبطت المجاعة التي شهدتها مناطق جبال النوبة في جنوب كردفان، خلال السنتين الماضيتين، بمجموعة من العوامل المتداخلة التي فرضتها الحرب، من حصار المدن وتعطل الطرق وتراجع النشاط الزراعي وغياب الأمن؛ غير أن ملكية الأرض التي تشكلت خلال عقود سابقة، أدت كذلك دوراً مهماً في تعميق آثار الأزمة، فعندما اندلعت الحرب غادر عدد كبير من أصحاب المشاريع الزراعية والمستثمرين في المنطقة، وتعطلت مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تدار عبر هذا النمط من الإنتاج.
كما أن التحولات التي شهدتها ملكية الأرض، منذ توسع الزراعة الآلية، أثرت على قدرة المجتمعات المحلية على العودة السريعة للإنتاج الزراعي. وخلال العامين الماضيين ظلت بعض المناطق الواقعة خارج خطوط القتال المباشرة، خاصة في مناطق الجبال الستة (كرتالا، كرورو)، تتمتع بقدر من الاستقرار يسمح بالحركة والنشاط الزراعي مقارنة بمناطق أخرى. ومع ذلك، اقتصرت الزراعة على مساحات محدودة من الأراضي المتاحة، الأمر الذي يعكس حجم التغير الذي طرأ على علاقة السكان بالأرض، وعلى أنماط الإنتاج الزراعي التي سادت المنطقة خلال العقود الماضية.
سنوات الوفرة في هبيلا
وخلال سنوات الإنتاج الوفير، تراجعت ملامح هذا الخلل خلف وفرة المحصول واتساع النشاط الزراعي، فقد كانت الحقول تنتج كميات كبيرة من الذرة تغطي احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية، بينما وفرت هبيلا وحدها نحو 72% من المخزون الاستراتيجي للذرة في جنوب كردفان، وأسهمت بما يقارب 25% من إنتاج السودان من هذا المحصول. كما وفرت المشاريع الزراعية فرص عمل موسمية لآلاف السكان، وشكلت مصدر دخل رئيساً لقطاعات واسعة من المجتمعات المحلية.
وكانت مواسم الحصاد في هبيلا تنعكس مباشرةً على أسواق جنوب كردفان، فمع زيادة الإنتاج كانت كميات الذرة تتدفق إلى أسواق الدلنج وكادقلي وأبوجبيهة، ثم تواصل طريقها نحو أسواق شمال كردفان وأجزاء أخرى من السودان. وبالنسبة لآلاف الأسر، مثلت الذرة المنتجة في هبيلا أكثر من محصول زراعي، إذ ارتبطت بالغذاء اليومي، والدخل الموسمي، والقدرة على تمويل الموسم الزراعي التالي، وشكلت أحد الأعمدة الرئيسة التي استند إليها الأمن الغذائي في الإقليم لعقود طويلة.
وفي مثل هذا الوقت من كل عام، كانت سهول هبيلا تمتلئ بأصوات الجرارات الزراعية، وتتوزع فرق العمال بين الحقول استعداداً للمرحلة الثانية من الموسم الزراعي، وهي مرحلة التيراب، وتبدأ دورة الزراعة منذ مارس، حيث يشرع المزارعون في إزالة الحشائش، أو ما يعرف محلياً بـ«قطع أم بهتي»، وخلال أبريل تُجمع هذه الحشائش في أكوام على أطراف الحقول حتى تجف، ثم تُحرق في مايو استعداداً لبذر البذور، ليبدأ التيراب في يونيو إذا كان نوع الذرة هو ود أحمد (الذرة الحمراء). أما إذا كان الصنف هو طابت (الذرة البيضاء)، فتبدأ الزراعة في يوليو، لأنها تحتاج إلى أمطار أقل.
ويجري التيراب على مرحلتين تعرفان محلياً بـ(الكسر والزراع)، فالمزارع الذي يكون قد أكمل إزالة «أم بهتي» وتنظيف أرضه خلال الأشهر السابقة، يستطيع إدخال الجرار مباشرة لمرحلة الزراع، حيث تعمل آلة الزراع على بذر البذور في التربة. أما الأرض التي لم يكتمل تنظيفها من الحشائش، فتبدأ بمرحلة الكسر، وفيها يخفض قرص الديسك إلى عمق أكبر داخل التربة لاقتلاع بقايا «أم بهتي» وتقليب الأرض، قبل أن تعود الآليات مرة أخرى لتنفيذ مرحلة الزراع وبذر المحصول.
سنوات عجاف بعد الحرب
لكن المشهد الذي يستقبل الزائر اليوم مختلف؛ إذ حلت آثار المركبات العسكرية محل الجرارات الزراعية، وظهرت الخنادق في أطراف المشروع، بينما ظلت مساحات واسعة تنتظر الموسم الزراعي وسط تعاقب خطوط القتال عليها.
الأسبوع الماضي، وصل موسى جبر الله، وهو مزارع من الدلنج يمتلك مشروعاً زراعياً في هبيلا، إلى أطراف مزرعته، فوجد الأعشاب تغطي أجزاء كبيرة من الحقل الذي اعتاد زراعته بالذرة عاماً بعد آخر.
متحدثاً لـ «أتر»، يقول جبر الله، إن الموسم الزراعي كان يرتبط دائماً ببداية الأمطار والاستعداد للعمل والإنتاج. أما خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فقد أصبح مرتبطاً بأخبار المعارك، وبالمناطق التي تتحول إلى ساحات اشتباك، وبالطرق التي يمكن الوصول عبرها إلى الحقول.
ويضيف أن خسارة موسم زراعي واحد تمتد آثارها إلى الموسم الذي يليه، لأن الأسرة الزراعية تعتمد على المحصول في توفير غذائها، وشراء التقاوي، وسداد التزاماتها، وتأمين احتياجاتها الأساسية. ومع تكرار تعطل المواسم، أصبحت العودة إلى الإنتاج أكثر صعوبة، في ظل ارتفاع تكاليف الزراعة، وإغلاق الطرق، وتعطل حركة التجارة.
ويضيف جبر الله أنه كان يزرع قبل الحرب نحو 18 مخمساً، في مشروعه الزراعي بمنطقة فيو، وهي مساحة كانت توفر لأسرته محصول الذرة، إلى جانب دخل يعتمد عليه في شراء التقاوي والاستعداد للموسم التالي. أما اليوم فقد اقتصر نشاطه الزراعي على جبراكة غرب التومات بالدلنج، وتبلغ مساحتها أقل من مخمس واحد، ويضيف أنه يقسمها بين الذرة والفول، ويخرج منها بمحصول يكفي بالكاد احتياجات أسرته لفترة محدودة، ويؤخر اضطراره إلى شراء الذرة من الأسواق.
آثار النزاع
وصلت الحرب التي اندلعت في الخرطوم في 15 أبريل 2023 إلى جنوب كردفان في يونيو 2023، بعد أن سبقتها منذ منتصف مايو هجمات شنتها الحركة الشعبية على معسكرات القوات المسلحة في الولاية.
أما منطقة هبيلا، فبدأت المواجهات في محيطها صباح 5 ديسمبر 2023، حين اشتبكت قوة من الدعم السريع مع قوات الحركة الشعبية المتمركزة في منطقة التكمة، الواقعة على بعد نحو 7 كيلومترات شرقيّ الدلنج، وفي اليوم التالي، 6 ديسمبر، امتدت المواجهات إلى منطقة هبيلا نفسها.
وجاءت هذه التطورات في وقت كانت فيه المحاصيل لا تزال قائمة في الحقول، الأمر الذي دفع عشرات المزارعين إلى مغادرة مشاريعهم الزراعية قبل إكمال الحصاد، لتبقى مساحات واسعة من الذرة والمحاصيل الأخرى دون حصاد. وخلال أقل من ثلاثة أعوام، تحوَّلت أجزاء واسعة من مشروع هبيلا الزراعي إلى خطوط تماس بين القوات المتحاربة.
وامتدت هذه الآثار سريعاً إلى الأسواق والمنازل في مختلف مدن جنوب كردفان، ففي كادقلي والدلنج، حيث تعتمد آلاف الأسر على الذرة غذاءً رئيساً، بدأت كميات الحبوب المتوفرة في الأسواق تتراجع مع تعطل المواسم الزراعية وإغلاق الطرق، بينما أخذت الأسعار ترتفع على نحوٍ مُتواصل.
ومع امتداد الحرب إلى موسم زراعي ثانٍ ثمّ ثالث، شهدت جنوب كردفان واحدة من أقسى موجات الجوع منذ آخر مجاعة عرفها الإقليم في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، واتجه السكان إلى النباتات البرية وأوراق الأشجار التي اعتادت الأجيال السابقة اللجوء إليها في سنوات القحط، وأصبحت نباتات مثل عرق النبي وخديجة كورو وورق التبلدي وغيرها من النباتات المحلية وجبات أساسية.
وساهمت موجات النزوح الواسعة من الأرياف ومناطق القتال في زيادة الضغوط على المدن الرئيسة في جنوب كردفان، خاصة كادقلي والدلنج، اللتين استقبلتا أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من هبيلا، والتكمة، وكرتالا، والبرام، وأرياف كادقلي والدلنج، إلى جانب مناطق أخرى شهدت مواجهات عسكرية متكررة.
وبحسب سليمان أحمد، وهو ناشط وفاعل في غرف الطوارئ بمدينة كادقلي، تضم المدينة أربعة مراكز إيواء رئيسة، وقال إنه لا توجد أرقام دقيقة لعدد النازحين، لأن أعدادهم تتزايد باستمرار، خاصة بعد هجمات قوات تأسيس على قرى غرب وشرق كادقلي، مثل برنو، والكويك، وكيقا الخيل، وكيقا جرو. وأضاف، أن مراكز الإيواء الأربعة تقع جميعها في القطاع الشمالي من المدينة، وهي مركز الميناء البري، ومركز الهجرة الدولية، ومركز مزرعة الدواجن، إلى جانب مركز رابع.
وأدى هذا التكدس إلى زيادة أعداد المستهلكين داخل المدن، كما أخرج آلاف الأسر من دورة الإنتاج الزراعي، لتتحول إلى أسر تعتمد على شراء الغذاء أو على المساعدات الإنسانية، وهو تحول غيَّرَ من ميزان الإنتاج والاستهلاك، إذ انتقلت أعداد كبيرة من الأسر، من خانة المنتجين إلى خانة المستهلكين.
وقبل الحرب، كانت نسبة كبيرة من احتياجات المدن الغذائية تأتي من القرى والمشاريع الزراعية المحيطة بها. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المدن تستقبل السكان القادمين من تلك القرى نفسها، في وقت تراجعت فيه كميات الإنتاج الزراعي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الطلب على الذرة في مقابل تراجع المعروض منها، وزاد الضغوط على الأسواق والمخزون المتاح.
هل ينجح موسم 2026؟
في 26 يناير 2026، استعادت القوات المسلحة السيطرة على هبيلا، الأمر الذي أسهم في فك الحصار عن مدينة الدلنج، وأعاد فتح الطريق الرابط بين جنوب وشمال كردفان، وأتاح ذلك وصول الشاحنات ومدخلات الإنتاج الزراعي إلى المنطقة، كما وفر قدراً من الاستقرار الأمني شجع المزارعين على التفكير في العودة إلى حقولهم بعد ثلاثة مواسم تأثرت بالحرب.
متحدثاً لـ «أتَـر»، قال منعم الزين، عضو اللجنة التسييرية لمزارعي هبيلا، إن اللجنة عقدت خلال مايو اجتماعاً مع المزارعين لبحث ترتيبات الدخول إلى الموسم الزراعي، في ظل التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية وفتح الطريق إلى هبيلا، وأضاف أن النقاشات ركزت على كيفية توفير التمويل ومدخلات الإنتاج، إلى جانب معالجة مشكلة السيولة التي تواجه المزارعين.
وأوضح الزين أن تكلفة الوقود أصبحت من أكبر التحديات أمام الموسم الزراعي، إذ بلغ سعر عبوة أربعة جالونات من الوقود (باغة) نحو 470 ألف جنيه عند السداد عبر تطبيق بنكك، و420 ألف جنيه عند الدفع نقداً، وهي تكلفة تفوق قدرة كثير من المزارعين، خاصة بعد ثلاثة مواسم متتالية تأثر فيها الإنتاج.
وأضاف الزين أن اللجنة تسعى إلى عقد اجتماع مع والي جنوب كردفان لبحث هذه التحديات، وفي مقدمتها توفير التمويل والوقود ومدخلات الإنتاج، إلى جانب إعادة تفعيل دور البنك الزراعي في دعم المزارعين قبل انطلاق الموسم.
وختم محذراً من أن أيّ تعثر في الموسم الزراعي الحالي سيقود إلى انخفاض جديد في إنتاج الذرة، في وقت يشهد فيه الإقليم تراجعاً كبيراً في المخزون الغذائي وارتفاعاً في الطلب، الأمر الذي قد يُعيد جنوب كردفان بأكملها إلى أزمة غذائية شبيهة بما شهدته خلال العام الماضي.
ولا تبدو مؤشرات الأمن الغذائي في مناطق سيطرة الحركة الشعبية أفضل حالاً، فقد استقبلت منذ اندلاع الحرب موجات متلاحقة من النازحين القادمين من كادقلي والدلنج، ومن القرى الواقعة على خطوط القتال، حتى أصبحت بعض المناطق تضم أعداداً من الوافدين تقترب من عدد سكانها الأصليين أو تتجاوزه.
وزادت الأزمة تعقيداً بعد الأحداث التي شهدتها محلية هيبان خلال الأشهر الماضية، ففي 12 مارس اندلع نزاع أهلي بين قبيلتي الأطورو والشواية، ثم اتسعت رقعة التوتر في أبريل لتشمل مواجهات بين مجموعات من الأطورو والجيش الشعبي لتحرير السودان، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى مغادرة قراها في ذروة الاستعداد للموسم الزراعي.
وبحسب مك قبيلة الأطورو، فقد تجاوز عدد النازحين أكثر من خمسين ألف شخص، نزحوا من أربع عشرة قرية في كاودا وهيبان ودبي، وهو نزوح جاء في توقيت بالغ الحساسية؛ لأن مناطق هيبان الجبلية تبدأ تجهيز الأراضي منذ مايو، وتبدأ فيها زراعة الذرة مع بدايات الأمطار في يونيو، قبل أسابيع من انطلاق الموسم الزراعي في السهول الطينية غرب جبال النوبة.
وغادرت آلاف الأسر أراضيها قبل تنظيف الحقول أو بذر البذور، ليتحول موسم زراعي كامل إلى موسم نزوح، وذلك يعني أن جزءاً كبيراً من إنتاج الذرة المتوقع في هذه المناطق أصبح مُهدَّداً بالتراجع، في وقتٍ يتزايد فيه عدد السكان الذين يعتمدون على هذا الإنتاج في غذائهم اليومي.
وتتزامن هذه التطورات مع تراجع دور المنظمات العاملة في القطاع الزراعي بمناطق الحركة الشعبية، فعلى مدى السنوات الماضية، نفذت منظمة سمارتن وشركاؤها مشاريع زراعية في مناطق مثل الرجول والهدرة والورل، ووفرت التقاوي ومدخلات الإنتاج، وخلقت فرص عمل موسمية لمئات الأسر خلال تجهيز الأراضي والزراعة والحصاد، كما اعتمدت على جزء من إنتاج هذه المشاريع في توزيع الذرة على الأسر الأشدّ احتياجاً خلال أشهر الصيف، وهي الفترة التي تبلغ فيها الحاجة إلى الغذاء ذروتها.
وخلال العام الماضي، خُفّضت هذه المشاريع في مناطق مثل الرجول والهدرة، فتراجعت معها فرص العمل الموسمية، وتقلصت كميات الذرة التي كانت توزع على الأسر الأشد احتياجاً، في وقت تتسع فيه دائرة المحتاجين إلى المساعدات الغذائية بسبب النزوح المستمر وتعطل الزراعة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الأزمة الغذائية في جنوب كردفان تتجاوز خطوط السيطرة العسكرية. إذن، هكذا تقف جنوب كردفان أمام موسم جديد يحمل أملاً بالزراعة، وتُثار في الوقت نفسه مخاوف من أن يقود أي تعثر جديد إلى عودة المجاعة التي عاشها السكان خلال العام الماضي.



