في الثالث عشر من يوليو 2026، لم تكن شوارع الخرطوم تختلف عن أي يوم عادي في ذروة الصيف، لكن تحت سطح هذا المشهد الهادئ كان النيل يتراجع بصمت، إذ أعلنت حكومة ولاية الخرطوم خطةً لمعالجات تداعيات الأزمة التي ألمَّت بمحطة صالحة لضخِّ المياه بأم درمان، إثر انحسار في مناسيب مياه النيل، لتتحول المدينة التي يخترقها النيل إلى مسرح لأزمة مائية خانقة. في جنوب أم درمان، توقفت مضخات «محطة الصالحة» عن العمل، بينما في شرق النيل ومناطق واسعة من الولاية الشمالية، انهارت إمدادات المياه تدريجياً، وأصبحت طلمبات الري عاجزة عن سحب المياه بعد أن ابتعد عنها المجرى الرئيس. وفي مدينة دنقلا ومنطقة البجراوية، رصد السكان بأعينهم تراجعاً غير مسبوق للمياه عن الشواطئ، مخلفاً وراءه جزراً طينية يابسة لم تكن مرئية من قبل.
تحوَّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة صاخبة، وتناقل روادها مقاطع فيديو مُثيرة للذعر، تُظهر قوارب الصيد العالقة في الوحل، وأطفالاً يلهون على أراضٍ جافَّة كانت قبل أسابيع مغمورة بالمياه، وتساءل الجميع بصوت واحد: هل يتسبَّب سد النهضة الإثيوبي في هذا التراجع الدراماتيكي؟ وهل بدأ السودان يدفع ثمناً باهظاً لسياسات مائية لم يكن طرفاً رئيساً في صياغتها؟ وسط هذا الضجيج، أعلن وزير الري والموارد المائية د. عصمت قرشي في تصريح لقناة الجزيرة عن حلول فورية مُثيرة للجدل، تمثّلت في فتح خزانات جبل أولياء وسنار لتعويض النقص في مياه الشرب، رغم أن هذه الخزانات كانت قد دخلت في مرحلة التخزين الاستراتيجي استعداداً لموسم الجفاف القادم. لكن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، لم تُخْفِ حقيقة أن أزمة المياه باتت تُهدِّد مئات الآلاف في سبع مناطق على الأقل من مجرى النيل، ولا سيما في منطقة شرق النيل التي تعاني شحاً حاداً في مياه الشرب.
لكن السؤال الأعمق الذي ظل مُعلّقاً في الهواء كغبار الصحراء السودانية هو: لماذا يحدث هذا الانحسار الآن؟ وهل هذه مجرد صدفة في دورة الفيضان الطبيعية، أم أن هناك عوامل أعمق بدأت تعمل تحت سطح المشهد المائي، تتداخل فيها التغيُّرات المناخية مع سياسات إدارة المياه والتدخلات البشرية في حوض النيل؟ الإجابة عن هذه الأسئلة، تحتاج إلى غوص علمي في أعماق المناخ والهيدرولوجيا، وقراءة لنبض النيل ذاته، وتفكيك شبكة العوامل المُعقَّدة التي تجعل منسوب النهر إما فيضاً مباركاً أو جفافاً قاتلاً. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يسعى إلى قراءة الواقع بمنظار الباحث، لتقديم تحليل علمي رصين يكشف الأسباب الحقيقية وراء هذا الانحسار، ويَضع الأسئلة في سياقها الصحيح، بعيداً عن التبسيط الإعلامي أو التسييس المفرط.
ترصد هذه القراءة العلمية، العوامل الأربعة الرئيسة وراء انحسار النيل في يوليو 2026، وتُحلِّلُ تأثيراتها المُتشابكة، لأن الماء، في النهاية، ليس مجرد مورد نستخرجه من النهر، إنما مرآة تعكس حالة أمة بأكملها، وحالة حوض يمر بتحولات تاريخية ربما تكون الأكثر خطورة منذ آلاف السنين.
مصدران متضامنان
للبدء في فهم أسباب الانحسار الحالي، لا بد من التوقف عند المصدرين الرئيسَيْن اللذين يغذيان السودان بالمياه خلال موسم الفيضان: النيل الأزرق والنيل الأبيض. وفي هذا الصدد يُشير مدير هيئة مياه ولاية الخرطوم محمد أحمد عوض إلى أن «انخفاض منسوب النيل الأزرق يحدث عادة خلال شهري مايو ويونيو، إلا أن استمرار الانحسار خلال يوليو يعد أمراً غير معتاد، وربما يرتبط بتأخر هطول الأمطار وضعف تدفق الأنهار الموسمية». لكن اللافت هذا العام أن المشكلة تجلَّت على نحو حاد، بسبب تراجع إيرادات النيل الأبيض أيضاً، وهو ما جعل المواطنين يَشعرون بالأزمة في أنحاء مختلفة من السودان، من الخرطوم جنوباً إلى شمال سد مروي، حيث توقف ضخ مياه الشرب في محطة الصالحة بولاية الخرطوم، وانخفضت المناسيب في مناطق لم تشهد مثل هذا التراجع من قبل.
يُساهم النيل الأزرق بما يَتراوح بين 80% و85% من إيراد النيل الكلي و68% من إيراد النهر الذي يصل إلى السودان خلال فترة الفيضان (من يوليو إلى أكتوبر)، وتأتي هذه التدفقات في غالبيتها العظمى من الأمطار التي تَهطُلُ على الهضبة الإثيوبية، وتحديداً على هضبة جبل سمين ومنطقة بحيرة تانا، حيث تتشكل الروافد الرئيسة التي تُغذّي مجرى النيل الأزرق بانحداراتها السريعة نحو السهول السودانية. في المقابل، يساهم النيل الأبيض بنحو 15 إلى 20% من الإيراد الكلي و5% من الإيراد خلال فترة الفيضان، لكن أهميته تنبع من كونه المصدر الرئيس للمياه خلال موسم الجفاف (نوفمبر إلى مايو)، حيث يظل ثابت التدفق نسبياً بفضل تنظيم بحيرة فكتوريا والمستنقعات الاستوائية في جنوب السودان. ولذلك، عندما يتراجع إيراد النيل الأبيض في الوقت نفسه الذي يضعف فيه النيل الأزرق، تتضاعف الأزمة وتصبح أشدَّ حدَّة.
ورغم تصريح الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري، بأن «إيراد النيل الأبيض ومناسيبه تُسجِّل مُعدَّلات أعلى من المتوسط هذا العام ومن مستويات العام السابق. كما تعكس مناسيب وتصريف خزان جبل أولياء استقراراً إيجابياً يفوق مُتوسّطات الأعوام السابقة، في الوقت الذي تُسجّل فيه جملة إيراد النيل الأزرق مستويات مائية جيدة تتجاوز المتوسط هذا العام ومعدلات العام الماضي، بما يؤكد أن الوضع المائي العام لا يزال مستقراً ومطمئناً»؛ لكن الملاحظ في موسم 2026، هو أن التوقع الموسمي يونيو-سبتمبر 2026 على مستوى دول الإيقاد كان أقل من المعدل الطبيعي للأمطار، مع توقع لحرارة موسمية أعلى من المعدل الطبيعي في منطقة الإيقاد، استناداً إلى التوقعات الصادرة عن مراكز المناخ العالمية والإقليمية للأمطار الموسمية، وبصفة خاصة مركز الإيقاد الإقليمي للتطبيقات المناخية (ICPAC)، الذي يَستخدم النماذج العالمية للتوقعات الموسمية والنماذج الإحصائية وتحسين التوقعات من خلال تغليظها على مستوى إقليم الإيقاد، مما يُساهم في دقة التنبؤ، ثم تغليظها على مستوى الدول والولايات. هذه التوقعات كانت إنذاراً مبكراً لما حدث لاحقاً، لكن غياب آليات الاستجابة السريعة حال دون تحويل هذا الإنذار إلى إجراءات وقائية.
خلال شهري مايو ويونيو، الفترة الحرجة التي تبدأ فيها التربة الإثيوبية بالتشبع بالمياه استعداداً لذروة الجريان السطحي، كان الأداء المطري دون المتوسط في معظم مناطق الهضبة الإثيوبية. وهذا التراجع لم يكن مرتبطاً بغياب الأمطار كلياً، بل بتغير توزيعها الزماني والمكاني؛ حيث تركزت الأمطار في مناطق معينة من الهضبة لم تكن بالضرورة تغذي الروافد الرئيسة، بينما شهدت مناطق المصادر الأساسية (مثل منطقة قوجم وجبل سمين) هطولاً أقل من المعدلات التاريخية، إذ كانت معدلات الأمطار خلال شهري يونيو ويوليو من هذا العام أقل من 50% من المعدلات التاريخية. وفي حوض النيل الأبيض، كانت الصورة أكثر إثارة للقلق، حيث سجلت مناطق البحيرات الكبرى (بحيرة فكتوريا ومنابع النيل الأبيض) تراجعاً عاماً في الأمطار التي بلغ متوسطها خلال يونيو 11 إلى 100 ملم في يوغندا وأجزاء من جنوب السودان ورواندا وتنزانيا، وسادت ظروف أكثر جفافاً في المنطقة مما هو طبيعي، ما انعكس مباشرةً على مناسيب البحيرة ومستويات التدفق في مجرى النيل الأبيض. وانعكس هذا النقص المُزدوج في التغذية المطرية للحوضين على نحو تراكمي على مناسيب النيل في السودان.
العدوّ الخفيّ للمياه
إلى جانب نقص الأمطار، هناك عامل آخر لا يقل أهمية في تفسير انحسار المياه، وهو الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة الذي شهده النصف الأول من عام 2026، وما نتج عنه من زيادة مطردة في الطلب على المياه. ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية وخدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ (C3S)، سجل متوسط درجة الحرارة العالمية لشهر يونيو 2026 نحو 16.54 درجة مئوية، ليحتلّ المرتبة الثانية كأكثر شهر يونيو حرارة منذ تسجيل درجات الحرارة في العالم، بفارق 0.56 درجة مئوية عن المتوسط المسجل للأعوام 1991-2020 وبفارق 1.39 درجة مئوية فوق المتوسط المقدر للعصر ما قبل الصناعي. وفي حوض النيل، أشارت توقعات مركز الإيقاد للتطبيقات المناخية الإقليمي (ICPAC) إلى أن مناطق الهضبة الإثيوبية والسهول السودانية سوف تُسجّل درجات حرارة تتجاوز المعدلات الطبيعية بفارق يتراوح بين 1.5 و2.5 درجة مئوية، كما أشارت توقعات المركز إلى أن الحرارة الموسمية في منطقة الإيقاد ستكون أعلى من المعدل الطبيعي.
هذا الارتفاع الحراري له تأثيران متلازمان على الموارد المائية. الأول: زيادة معدلات التبخر من المسطحات المائية والتربة الرطبة، إذ تُشير علاقة كلاوزيوس–كلابيرون للديناميكا الحرارية إلى أن زيادة درجة مئوية واحدة في حرارة الهواء يمكن أن تؤدي إلى زيادة قدرة الهواء على حمل بخار الماء بنحو 7%. وبالتالي ازداد الفاقد المائي في حوض النيل نتيجة ارتفاع درجة الحرارة، كما أدت الحرارة المرتفعة في حوض النيل الأبيض إلى زيادة التبخر من بحيرة فكتوريا والمستنقعات الاستوائية، مما قلص كميات المياه المتدفقة شمالاً.
أما الثاني: فهو ارتفاع استهلاك المياه من قبل السكان والقطاع الزراعي. ففي المدن السودانية الكبرى، من المرجح أن استهلاك الأسر اليومي للمياه ازداد على نحوٍ حادٍّ نتيجة الموجات الحارة. وفي القطاع الزراعي، اضطر المزارعون إلى زيادة وتيرة الري لإنقاذ محاصيلهم من الذبول، خاصة في مشاريع الري الكبرى مثل مشروع الجزيرة. هذا الطلب المتصاعد في ذروة الانحسار خلق فجوة بين العرض والطلب، حيث تحولت أزمة المياه في شرق النيل وأم درمان إلى معاناة يومية، واصطفت النساء والأطفال في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة للحصول المياه.
وهكذا تتشكل حلقة مفرغة خانقة: الحرارة المرتفعة تزيد تبخر المياه من النهر، والحرارة نفسها تدفع الناس والمزارعين إلى استهلاك مزيد من المياه، بينما يقدم النهر أقل مما يطلب منه. والأكثر إثارة للقلق أن التوقعات الموسمية تُشير إلى استمرار اتجاه الاحترار، ما يعني أن الضغوط على الموارد المائية والاستهلاك البشري ستظل قائمة، بل قد تتفاقم.
تدخُّل بشري في نظام طبيعي
لا يمكن الحديث عن مناسيب النيل في السودان دون التطرق إلى الدور المحوري للسدود الكبرى، سواء في السودان نفسه أو في دول المنبع والمصب. فخزانات الروصيرص وخشم القربة في السودان، وسد النهضة الإثيوبي، وسد مروي، جميعها منشآت تؤثر في توقيت وحجم التدفقات النيلية بطرق معقدة. وفي سياق انحسار يوليو 2026، ثارت تساؤلات حادة حول ما إذا كانت عمليات التخزين أو التوليد الكهربائي في هذه السدود قد ساهمت في نقص المياه الواصلة إلى بعض المناطق، خاصة مع تزامن التراجع الحاد في مناسيب النيل مع دخول إثيوبيا مرحلة التخزين السنوي الجديدة في سد النهضة.
أما عن تأثير هذا العامل على الأزمة الحالية، فإن السدود قد أدت دوراً ثانوياً لكنه غير هامشي في تفاقم الانحسار. ووفقاً للتحليلات الهيدرولوجية، تفسر العوامل المناخية (ضعف الأمطار وارتفاع درجة الحرارة) معظم التراجع الملحوظ في مناسيب النيل، لكن السدود ساهمت نسبياً في حدوث الفارق المسجل وفقاً للمعلومات المتاحة. ومع ذلك، فإن هذا التأثير النسبي الصغير كان كافياً لتحويل أزمة مائية معتدلة إلى كارثة إنسانية في بعض المناطق، خاصة في شرق النيل وأم درمان حيث توقفت محطات الضخ عن العمل بالكامل.
ويتجسد تأثير السدود على الأزمة في ثلاثة جوانب رئيسة: أولاً، سد النهضة وتأثيره المباشر على التدفقات اليومية. وبحسب بيان الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري الذي نشر في 16 يوليو، رصدت الإدارة «انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026، حيث انخفض من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يومياً، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب في اليوم، الأمر الذي انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بانخفاض قدره 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يومياً خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو 2026». وقد أدى ذلك بحسب البيان، إلى هبوط مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات الرئيسة. وهذا ما جعل محطات الضخ في الخرطوم وأم درمان عاجزة عن سحب المياه بعد أن ابتعد عنها المجرى الرئيس. ومع هذه التدفقات المنخفضة، لم يعد النيل قادراً على تغطية مآخذ المياه في المواقع التي اعتادت المحطات سحب المياه منها لعقود.
ثانياً، سوء التنسيق في إدارة الخزانات الوطنية. وهنا تبرز رؤية وزير الري الأسبق، بروفيسور سيف الدين حمد، بصفته خبيراً هيدرولوجياً، وكان قد قال في مقابلة يوم الاثنين 27 يوليو على برنامج «مقرن النيلين» إن تصريف سد النهضة خلال النصف الأول من عام 2026 تجاوز الاحتياجات الفعلية للسودان في الري وتوليد الكهرباء، وهو ما كان، بحسب تقديره، يتيح تخزين كميات مناسبة في سد الروصيرص قبل بدء إثيوبيا مرحلة التخزين الجديدة مطلع يوليو. لكن هذا لم يحدث، مما جعل السودان يدخل مرحلة التخزين الجديدة لسد النهضة دون احتياطيات مائية كافية في خزاناته الوطنية. وهذا القصور في التخطيط التشغيلي هو ما جعل فتح خزانات جبل أولياء وسنار في منتصف يوليو قراراً اضطرارياً وليس استراتيجياً. وكانت هذه الخزانات قد دخلت في مرحلة التخزين الاستراتيجي استعداداً لموسم الجفاف القادم، ما يعني أن فتحها الآن سيُعرّض السودان لمخاطر نقص المياه في الأشهر الأشدّ جفافاً من نوفمبر إلى مايو.
ثالثاً، تأثير السدود على توزيع المياه بين القطاعات. فمع تراجع التدفقات الواصلة إلى السودان، أصبحت إدارة المياه بين قطاعات الشرب والزراعة والطاقة الكهرومائية أشبه بلعبة صفرية. وكان على وزارة الري أن تختار بين تغذية خزانات سد مروي لتوليد الكهرباء، أو توفير المياه لمشاريع الري الزراعية، أو تأمين مياه الشرب للمدن. وهذا التضارب في الأولويات أدى إلى اتخاذ قرارات صعبة، مثل فتح خزانات جبل أولياء لتأمين مياه الشرب على حساب توليد الكهرباء في سد مروي، وهو ما انعكس على استقرار شبكات الكهرباء في بعض المناطق.
إن التأثير التراكمي لهذه العوامل الثلاثة هو ما جعل انحسار يوليو 2026 أكثر حدة مما كان يمكن أن يكون عليه لو اقتصرت الأزمة على العوامل المناخية وحدها. فالسدود، وبخاصة سد النهضة، لم تخلق الأزمة من العدم، لكنها حولت نقص الأمطار وارتفاع الحرارة إلى أزمة إنسانية ملموسة، لتصبح مياه الشرب سلعة نادرة في أجزاء من العاصمة السودانية. ومن المرجح أن تتراجع إنتاجية المشاريع الزراعية، وربما تلوح بوادر أزمة غذاء في الأفق إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
توقعّات أغسطس
من الأخطاء الشائعة في قراءة الظواهر الهيدرولوجية تعميم وضع لحظي على كامل الموسم. فالفيضان السنوي للنيل لا يصل إلى ذروته في بداية الموسم، إنما هو عملية تدريجية تبدأ مع هطول الأمطار في يونيو، ثم تتصاعد التدفقات خلال يوليو، لتصل ذروتها غالباً في أغسطس وسبتمبر. لذا، من المهم التأكيد على أن المناسيب المسجلة في منتصف يوليو 2026، رغم انخفاضها الملحوظ، لا تعكس بالضرورة الحكم النهائي على موسم الفيضان.
لكن ماذا تخبرنا التوقعات العلمية عن أغسطس 2026، شهر الذروة. وفقاً لأحدث توقعات مركز الإيقاد للتطبيقات المناخية الإقليمي (ICPAC) لشهر أغسطس 2026، فإن ظروفاً أكثر جفافاً من المعتاد ستسيطر على معظم أنحاء المنطقة، بما في ذلك إثيوبيا، جيبوتي، إريتريا، السودان، جنوب السودان، يوغندا، وغرب ووسط كينيا، مع استثناءات محدودة في شمال السودان ومناطق معزولة في إريتريا وإثيوبيا حيث يُتوقع هطول أمطار أعلى من المعدل الطبيعي.
هذه التوقعات تحمل دلالات خطيرة للسودان، خاصة للنيل الأزرق الذي يعتمد على أمطار الهضبة الإثيوبية. فإذا كانت أغلب مناطق إثيوبيا تتجه نحو جفاف أكثر من المعتاد، فإن تحسن المناسيب في أغسطس قد لا يحدث بالقدر الكافي لتعويض النقص الحاد في يوليو. أما النيل الأبيض، فمع توقع جفاف في يوغندا وجنوب السودان، فإن إيراداته ستظل تحت المعدل الطبيعي، مما يعني استمرار التراجع المزدوج للإيرادات.
التاريخ الهيدرولوجي يزخر بأمثلة لانتعاشات متأخرة، كما حدث في عام 2025 حين جاء الفيضان متأخراً، لكن يبدو العام 2026 مختلفاً لعدة أسباب: التراجع المزدوج لإيرادات النيلين، درجات الحرارة المرتفعة التي تزيد التبخر، وسد النهضة الذي يحجز جزءاً من المياه. لذلك، وبينما من الصحيح ألا نحكم مبكراً، فإن المؤشرات المدعومة بتوقعاتICPAC لا تبشر بالخير.
التوقعات المحتملة لهطول األأمطار في شهر أغسطس. المصدر: مركز الإ يقاد الإ قليمي للتطبيقات المناخية (ICPAC)
الموقف العملي: الاستعداد للأسوأ
التفاؤل الحذر هو الموقف العملي الأقرب للصواب، لكن الحذر يجب أن يطغى. فالتوقعات الموسمية تشير إلى أن فرص الانتعاش المتأخر ضعيفة، لأن الجفاف متوقع طوال الموسم في مناطق المصادر. ووفقاً لذلك، فإن على صناع القرار بناء سيناريوهات مُتعدّدة، وتعزيز خطة الطوارئ، وإدارة الخزانات بحذر لموازنة احتياجات الشرب الحالية مع متطلبات موسم الجفاف القادم. الأرجح علمياً أننا أمام موسم فيضان أقل من المتوسط بكثير، وأن الاستعداد للأسوأ هو الخيار الأكثر حكمة.
إن تأثير السدود على أزمة انحسار النيل في يوليو 2026 لم يكن العامل الأكبر، لكنه كان العامل الأكثر إيلاماً، لأنه حول أزمة مناخية طبيعية إلى معاناة بشرية مباشرة، وكشف عن هشاشة النظام المائي السوداني في مواجهة التدخلات البشرية في حوض النيل. ومع استمرار الجفاف في أغسطس 2026 وفقاً لتوقعات ICPAC، فإن هذا التأثير الثانوي للسدود قد يتحول إلى عامل رئيس في الأسابيع القادمة إذا استمرت التدفقات المنخفضة ولم تتخذ إجراءات تصحيحية عاجلة في إدارة الخزانات الوطنية.



