أتر

نوتة من علم الكونكا 43

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.

ابتدرَت الدكتورة هنغاميه زياي كلمتَها الدرّة «المهديّة في السودان ومسألة التاريخ» (مستقبل الماضي، م 18، 2026) بسؤال متمرّد، كتبت: «كيف تقرأ تاريخَ ثورةٍ ضد التاريخ؟»، فالتاريخ الذي قام بمهدية الإمام عندَها ليس تاريخاً خارج مدار التاريخ الزمانيّ إنما هو تاريخ مضادّ للتاريخ. فأيّ زمان؟ والعُقدة التي طرحتها الدكتورة هنغاميه زياي، بصفاءٍ ورويّةٍ عزَّت على غيرها من مؤرِّخي المهدية، عدا القُطبين الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم والدكتور محمد سعيد القدّال، هي أنّ المهدية المنصورة أصابت النرجسية الإمبريالية في الخصيتين، إذا جاز التعبير، فاضطربت أيّما اضطراب. وانتخبت الدكتورة لهذه الإصابة لفظة «التروما» التي سار تعريبُها بكلمة «صدمة»، ودخَل مفهوم «التروما» العلوم الاجتماعية منتدَباً من الطبّ النفسي، وتعريفُه في قاموس الجمعية السيكولوجية الأمريكية: التروما «أيّ تجربة مزعزِعة تُوْرِث شعوراً بالرهبة الشديدة والوهن والتفكّك والارتباك، أو بأي مشاعر هدّامة أخرى بليغة بما يكفي لتترك آثاراً سلبية طويلة المدى على تصرّفات الشخص المعنِيّ وسلوكه، أو على أي جوانب وظيفية أخرى. وتشمل الوقائعُ الصادمةُ الوقائعَ من فعل البشر (مثل الاغتصاب والحرب والحوادث الصناعية) أو الوقائع الطبيعية (مثل الزلازل)؛ وقائع غالباً ما تتحدّى تصوُّر الشخص عن العالم كمَكان آمن، عادل ومأمون». 

أورَثَت الثورةُ المهديةُ، بهذا التصوُّر، النفْسَ الإمبريالية «تروما» عميقةً، وبعثت في هذه النفس شديدة النرجسيّة، على دِين كلوتيلده، «بَعَّاتي» ما زال شبحُه يحوم حولَها؛ بَعَّاتي «المتعصِّب» أو «المتطرِّف» الذي لا يَصحّ العالَم سوى بالهيمنة عليه عسكرياً وتطويعه ثقافياً، فجريمة المتعصّب لا تبدأ بإرادة المقاومة وتضحيتها وإنما بذُهان المقاومة، إذا صحَّ التعبير، برعايةِ فكرةٍ أخرى عن العالمَ، شبّاكٍ آخَر إليه، بُعدٍ ينفذ منه، غَيْر الذي تراه النفس الإمبريالية وتعدّه ضمن المقبول والمنطقيّ والعقلانيّ. وتَظهر هذه «التروما» جليّةً في الأدب الإمبريالي عن المهدية، صحافةً ونثراً وشعراً، وقد أحسن الدكتور محمد المصطفى موسى عبد الله حامد أيَّما إحسانٍ بجمعه هذه المادّة الواسعة في كتاب واحد «الأصداء العالمية للثورة المهدية» (دار المصورات، الخرطوم، 2019). تروما ترجَمَها هذا الأدب إلى زعزعةٍ وهِذْيان، من ذلك غَمُّ الشاعر جورج أبيل، صاحب ديوان «غردون وقصائد أخرى» (1885) بهزائم البريطانيّين على يد جيش عثمان دقنة في شرق السودان:

اصطادَنا أعرابُ السودان بسهامهم

تعزيزاتُنا طالَ انتظارها 

كَمْ تأخَّرْنا كثيراً

رجالُنا النبلاءُ في سواكن

لقوا حتفَهم لآخِرِ رجلٍ فيهم 

ثمَّ أرسَلْنا الحملة البريطانيّة

فضاعت 

هباءً منثوراً في الصّحراء

رباه!

وقّعوا جميعاً

في قبضة رجال عثمان دقنة السُّمر.

(حامد، الأصداء العالمية للثورة المهدية، ص 133).

وإنْ حفظَت الكتبُ مثل شعر أبيل المتواضع، فقد حفظَت الذاكرة الشعبية مثلَ أهازيج معسكر الإمام المهدي الذي أوقع الخرطوم الغردونية تحت الحصار حتى التحرير، أهازيج «قونية» الطراز، تخترق الواقع من حولها وربما تسحره، سطَّر منها الدكتور محمد المصطفى للقارئة:

يا الغردون سَلِّم ما ترْجَى

دي حُرابْة الحاج أبْ قرْجَة

أمّ الغردون الليلة وين تنومي

حرَّاق حشَاك ود النجومي

ومثلها من صنف «جوّه، جوّه ليك، جوّه خالص»: 

يا الغردون في بَنِي عمّك

ديمة المولى زايد همّك

وقت أنصار الإمام اتلمَّت

أمانة الجُلة في قلب أمّك

(حامد، ص 147).

قد يلامِض اللَّمِيض أنَّ صحّة هذه الأهازيج لا قوامَ لها في كتاب التاريخ، فهي ربّما اختلاقٌ متأخّرٌ أعاد به اللاحقون تصوير الثورة المهدية كما أحبّوها أن تكون، وذلك قياساً على رأي المرحوم طه حسين أنَّ الشِّعر الجاهليّ صناعة متأخّرة اخترَع بها المسلمون أدباً في الماضي يناسب تصوُّراتهم المتصارعة لهذا الماضي: «ذلك أنّ الكثرة المطلقة ممّا نسمّيه شِعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، فهي إسلامية تمثّل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر ممّا تمثل حياة الجاهليّين. وأكاد لا أشكّ في أنّ ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليلٌ جداً لا يمثّل شيئاً ولا يدلّ على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي» (طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، (2007، [1929])، ص 70-71). ورَدّ الدكتور طه حسين هذا الانتحال إلى موجبات الصراع الاجتماعي في العصور اللاحقة، على عهد الخلفاء الأربعة ثمّ الأمويّ فالعباسيّ، فهو ترجمة أيديولوجية لهذا الصراع.

لكن، لا يضرّ هذا التفسيرُ سلامةَ الشهادة، فالأيديولوجيا التي قامت بها المهدية، وانتصرت ثمّ انكسرت، تركت هذه البصمةَ الواسعةَ التي تؤرِّخ لها هذه الأهازيجُ كما يؤرِّخ كلُّ شِعر لحقائق اجتماعية. وقد بلغ هذا المبلغَ طه حسين في آخر كتابه: «كلّ شيء في حياة المسلمين في القرون الأولى كان يدعو إلى انتحال الشِّعر وتلفيقه؛ سواء في الحياة الصالحة، حياة الأتقياء والبرَرة؛ والحياة السيئة، حياة الفُسّاق وأصحاب المجون. فإذا كان الأمر على هذا النحو، فهل تظنّ أنّ من الحزم والفطنة أن نَقبَل ما يقول القدماء في غير نقد ولا تحقيق؟ وقد قدَّمنا أن هذا الكذب والانتحال في الأدب والتاريخ لم يكونا مقصورَيْن على العرب، وإنما هو حظّ شائع في الآداب القديمة كلّها. فخيرٌ لنا أن نجتهد في تعرُّف ما يمكن أن تصحّ إضافتُه إلى الجاهليّين من الشعر. وسبيلُ ذلك أن ندرسَ الشِّعر نفسَه في ألفاظه ومعانيه بعد ما درَسْنا ما يحيط به من الظروف» (ص 119). 

والبيّنة قائمة من الجهة الأخرى على تحوُّل المهدية، في خيال الإعلام البريطاني المعاصر، إلى جرحٍ نرجسيٍّ شديد النزف يُصادق صورةَ الرّعب التي تخترق بها جُلّة الأنصار قلبَ أمّ غردون. نَشَرت ضمن هذا النزيف مجلة «ذا بنش» عام 1884، والمهدية نار وشرار، بانتحالٍ للِسان غردون باشا المحاصر:

ما هذا الذي يتبدَّى لي خلف الكثبان

هل هو بعضُ وميضٍ من سلاح إنجلترا؟

أم أنّه حلمٌ من خيال الصحراء

هل هي النجدة التي أتطلّع إليها؟

ربّاه.. هل هي آخِر أوهام مِحنتي؟

أم أنها هذه الأرض الموحشة

تمدّ لسانَها طويلاً 

لتسخر منّي بما وعدَتني من سراب.

(حامد، ص 149).

لم تنقطع الفانتازيا ولا تخثّرت كسرابٍ، كما قالت القصيدة، لكن قامت كطامّةٍ واقعيةٍ؛ يوم حرَّرت جيوش المهدية الخرطوم الغردونية حُمْرَةْ عين، الحلّ العسكري ذاك، فكتبت مجلة «ذا بنش» يوم 5 فبراير 1885، تحت رسمٍ للملكة فكتوريا، وقد أحاط بها الغمّ، سيفُها منكَّس إلى الأرض ورأسُها في دُوَار: «انتزعَ منّا المهدي مدينة الخرطوم، بينما لا يزال مصير الجنرال غردون غير مؤكّد»

(حامد، ص 186).

اجتهدت الدكتورة هنغاميه زياي، لله درُّها، أن تفضَّ بالمهديّة مثل هذا «الشِّعر» لتبلغ حقيقةً أوسع لها، خطّتها أن تأخذ الإمامَ مأخذَ الجدّ، ليس كمتطرّف أو متعصِّب أو بعّاتي وإنما كمثقّف، «مثقّف عضوي» من أهلك، أن تفكّر مع الإمام ومهديّته كما سبَق بذلك الدكتور القدّال، وسبقت دراساتٌ في تراث مَهديّات أخرى أقرب إلى الحصن الإمبريالي، مسيحيّة ويهوديّة، تفكّر مع مهديّة المهدي كحقل أيديولوجي لقضايا العدالة والقانون والتقدّم والزمان، فما قولك يا دكتور ماركس؟ أيَجُوز؟

Scroll to Top