منذ إعلان بدء تشغيله رسمياً في فبراير من العام 2019، شكَّلَ طريق الصادرات (أم درمان – بارا – الأبيّض) شرياناً استراتيجياً للربط بين مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني في غرب السودان (كردفان ودارفور)، ومراكز الاستهلاك والتصدير في العاصمة والموانئ البحرية. وهو طريق استراتيجي حيويّ يبلغ طوله نحو 341 كيلومتراً، ويربط العاصمة بوسط وغرب السودان. يَختصر الطريقُ الذي شُقَّ عبر الصحراء ورمالها المسافةَ بين الأبيض وأم درمان بدلاً عن طريق النيل القديم، الذي يمرّ بمدينتي كوستي وربك ومن ثمّ يوازي النيل الأبيض إلى جنوب الخرطوم.
وعقب تفجّر حرب 15 أبريل، كان الطريق محطة أساسية من محطات الصراع الدائر، واستمر الحال بين شدّ وجذب، حتى أعلن الجيش السوداني استعادته في يوليو الماضي من قوات الدعم السريع، عقب عمليات عسكرية أفضت إلى السيطرة على مناطق بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، ثم جريجخ وأم قرفة، وهي محطات أساسية عبره.
توقّعات ما بعد فتح الطريق
ويَتوقَّع خبراء اقتصاديون وتجّار ومُستهلكون، أن يُحْدث فتح واستعادة الحركة على هذا المسار، تحوّلاً ملموساً في كفاءة حركة السلع والإنتاج. وفي المقابل، هناك من يرى أن ثمة تغيُّرات حدثت على مستوى مناطق الإنتاج والاستهلاك لا تساعد في الاستفادة الكاملة من الطريق في القريب العاجل، مثل النعمان فاروق، وهو اقتصادي من أبناء جريجخ الواقعة على الطريق، ومُحاضرٌ سابق في جامعة كردفان، والذي قال لـ«أتَـر» إنّ مخزونات الحبوب الغذائية على مستوى مناطق الإنتاج، تدنَّت على نحوٍ كبيرٍ هذه السنة بسبب عدم استغلال مساحات زراعية كافية في السنة الماضية، بجانب عمليات النهب الواسعة التي جرت لما كان لدى المواطنين من مخزون الأعوام السابقة. ويرى أنّ فتح الطريق يساعد في خطة إسعافية عاجلة، وذلك بجلب مدخلات العملية الزراعية من الخرطوم، لإلحاق مزارعي مناطق الإنتاج بالموسم الزراعي. ويقول فاروق إنّ ما حدث لمخزون الحبوب الغذائية، ينطبق على الثروة الحيوانية، التي نُهب كثيرٌ منها أو نفق بسبب الأمراض والجفاف.
لكنّ فاروق يرى في الطريق فوائد تُسهم على المدى القريب في تحسين حركة الصادر بين مناطق الإنتاج والاستهلاك؛ إذ يقول إنّه يختصر المسافة بين أم درمان والأبيض بحوالي 300 إلى 350 كيلومتراً مقارنة بالمسار القديم (عبر كوستي)، وهو ما يُمثّل تقليصاً بنحو 50% من طول الرحلة. ويشير إلى أنّ هذا الاختصار يُقلّل استهلاك الوقود وتكاليف صيانة الشاحنات، ما ينعكس مباشرة على تقليل «هامش التسويق» والفرق بين سعر المنتج في المزرعة وسعر البيع للمستهلك أو المصدّر.
ضربة قاضية لاقتصاد الندرة
ويُشير فاروق إلى أنّ إعادة سيطرة الجيش على الطريق، تُسهم في تقليل خسائر ما بعد حصاد المحاصيل كالسمسم والفول السوداني والذرة وحبّ البطيخ، التي تتأثر بشدة بطول فترة التخزين وظروفه؛ إذ إنّ النقل السريع عبر طريق مُعبَّد يُحافظ على جودة المحصول والمواصفات القياسية المطلوبة للأسواق العالمية، بجانب سهولة وصول التجار والشركات إلى البورصات الرئيسة (مثل بورصة الأبيض)، والأسواق الفرعية (بارا، وجبرة الشيخ، وأم إندرابة)، ما يزيد من شدة التنافس على الشراء، ويضمن أسعاراً مجزية للمزارعين وتحفيزهم على توسيع المساحات المزروعة.
ويصف فاروق إعادة السيطرة على طريق الصادرات بأنها «ضربة قاضية لاقتصاد الندرة الذي عانت منه مدينة الأبيض»، ويقول إنها تُمثل الخطوة الأولى والأساسية نحو إنعاش الحركة التجارية، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين من خلال خفض تكاليف الإمداد وتوفير السلع بأسعار معقولة.
ويرى الخبير الاقتصادي في السيطرة على الطريق تنشيطاً للدورة المالية للرعاة وصغار المنتجين بعد فترات من الكساد وانغلاق منافذ التصريف، فهو يسرّع وصول الشحنات من الخرطوم وإليها؛ وينتج عن ذلك استقرار الإمداد والأسعار في أسواق الاستهلاك المحلية، إذ إنّ الانسياب المستمر دون انقطاعات موسمية يُسهم في الحدّ من تذبذب أسعار اللحوم الحمراء في العاصمة والولايات المجاورة، ويضمن توفر الإمداد الغذائي بأسعار متوازنة.
مزارعون على طريق العودة
يستعدّ المزارع سعيد العاقب حالياً لقطع رحلة نزوحه إلى ولاية الجزيرة، التي وصل إليها العام الماضي، والعودة إلى بلدته جبرة الشيخ في شمال كردفان، ليلتحق بالموسم الزراعي هناك، ويقول لـ«أتَـر» إنّ الأمطار التي بدأت في التساقط مبشّرة للزراعة، مُبدياً تفاؤله بوصول المدخلات الإنتاجية التي كانت لا تصلهم طيلة الفترة الماضية، ويَلفت إلى رغبته لزراعة مساحات أوسع من العام الماضي، الذي زرع فيه أهله مخمّسَيْن فقط من الذرة والدخن، ويخطّط الآن لزراعة 20 مخمّساً، إذا ما توفرت مدخلات الإنتاج، ويضيف: «نحتاج حالياً إلى التقاوي المحسّنة؛ لقد فقدنا مخزوننا منها، ونأمل أن تنساب بفتح الطريق، وسترجع للخرطوم مضاعفة بعد 4 أشهر فقط، بشحنات كبيرة، تساعد في تأمين المخزون الغذائي لسكّان العاصمة».
ومثل العاقب، فإن شمس الدين جبارة العايد، مالك إحدى المزارع بضواحي بارا، فإنه يعقد الأمل رفقة مزارعين آخرين في أن يُسهم الطريق في سهولة وصول الأسمدة، والمبيدات، والبذور المُحسَّنة، وقطع غيار الطلمبات، ومنظومات الطاقة الشمسية التي كانت شحيحة ومُكلفة جداً خلال فترة انقطاع الطريق، وقد تعرَّض معظمها للنهب أو التخريب. ويقول العايد لـ«أتَـر»، إنهم يأملون في انعكاس إعادة افتتاح الطريق وربطهم بالعاصمة الخرطوم من جديد، على زراعتهم التي قال إن أكثرها قد دُمِّر إبان سيطرة الدعم السريع على منطقتهم.
طريق مُعبَّد للماشية
متحدّثاً لـ«أتَـر» يقول، حسنين فوزي، وهو تاجر ماشية بمدينة بارا، إنه وصل قبل أسبوع إلى المدينة، لبحث فرص استئناف عمله في هذا المجال، الذي يعمل فيه منذ 27 عاماً، ويرى أنّ فتح الطريق يحدّ من الخسائر في الماشية، ويحافظ على قيمتها في السوق، إذ إنّ النقل بالشاحنات الحديثة يساعد في ذلك، على عكس الطرق السابقة التي كان يلجأ إليها الناس. ويلفت إلى أنّ تدريج الماشية على أقدامها، عبر مسافات طويلة، كان يستغرق أسابيع في فترة الاشتباكات، ما يُجهدها ويؤدّي إلى فقدانها قدراً كبيراً من أوزانها وبعضها يَنفق خلال الرحلة، فضلاً عن زيادة مخاطر تعرُّضها للنهب أو المرور عبر نقاط تفتيش كانت تنصبها قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على الطريق.
ويُشير إلى أنّ الطريق، قبل سيطرة الدعم السريع، كان يُساعد في وصول التجّار والوسطاء والمصدّرين إلى أسواق التجميع الرئيسة للماشية مثل الأبيض وبارا وأم روابة، ما يرفع من كفاءة عمليات التجميع الأولي للقطعان (الضأن والإبل والماشية). ويُجْمل قائلاً، إنّ تأخير القطعان في الطرق البديلة كان يتسبَّب في إنهاك الماشية ونفوق أعداد منها وفقدانها لوزنها. ويضيف أنّ تقليص زمن الرحلة يحافظ على صحة القطعان وجَودة لحومها، متوقعاً حدوث انخفاض في أسعار اللحوم في العاصمة في الفترة القادمة، لأنّ الطريق يختصر مسافة طويلة مقارنة بالمسارات الأخرى، ويُقلِّل من زمن الرحلة وكميات الوقود المستهلكة للشاحنات، ما ينعكس انخفاضاً في أجور نقل الرأس الواحد وتخفيض التكلفة الكلية للإمداد.
ويقول زيادة صلاح عثمان، مالك محل جزارة بالخرطوم بحري، إنهم يأملون بعد فتح الطريق في زيادة تدفقات الماشية نحو أسواق أم درمان والخرطوم والولايات الشمالية والشرقية، ما يسهم في تراجع أو استقرار أسعار اللحوم الحمراء التي تشهد الآن ارتفاعات قياسية.
مصانع تنتظر قطع الغيار
وبينما يضع محمد خير الطاهر، وهو صاحب مصنعٍ لإنتاج الزيوت في الأبيض، جميع آماله في فتح الطريق وأن يُسهم في وصول قطع غيار (إسبيرات) يفتقدها منذ بداية الحرب، لصيانة ماكينات تخصّ مصنعه الصغير لإنتاج الزيوت، فإنه يدعو للاستفادة من الطريق واعتباره شرياناً لعودة أدوات ومعدات الإنتاج. ويؤكد في حديثه لـ«أتَـر»، أن وصول قطع الغيار يُحوِّل المدينة من محض «سوق مستهلك» للإمدادات القادمة من الخارج إلى «مركز إنتاجي» يعتمد على قدراته الذاتية، ويُشير إلى أنّ مدينة الأبيض، وشمال كردفان عموماً، هي مناطق إنتاج رئيسة للمحاصيل الزيتية (الفول السوداني والسمسم وحَبّ البطيخ). ويضيف محمد خير، إنّ توقّف المصانع يضطرّ المزارع إلى بيع خامه بأسعار بخسة، أو تكبّد مصاريف نقله إلى خارج الولاية، بينما يشتري مواطن الأبيض الزيت بأسعار مرتفعة.
ويُشير إلى أنّ توفير الإسبيرات وتشغيل المصانع لا يُنتج زيت طعام منخفض التكلفة للسكّان فحسب، بل ينتج أيضاً «الأمباز» الذي يُستخدَم للعلف؛ لذا فإنّ تشغيل مصنع صغير للزيوت يسهم في انخفاض أسعار الأعلاف، ما ينعكس إيجاباً على أسعار اللحوم والألبان بالمدينة، مطالباً البنوك بالعمل على تقديم التسهيلات المالية لمنتجين مثله لشراء مدخلات الإنتاج بعد وصول الإسبيرات.