أتر

حبَّة تَبقى قُبَّة: كيف يلمع الذهب في محلية كرري؟

مع مرور شهور على اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في الخرطوم، تشتَّتَ الناس وسبل عيشهم، واضطر أهل الخرطوم إلى التحرُّك في مساحات واسعة خارج السودان وداخله، وتقلَّصت مساحة الحياة في ولاية الخرطوم إلى بُقعٍ جغرافية صغيرة ومعزولة، تَفصلها عن بعضها أهوال غير معقولة وبوارق أمل تخفت في الليل، وتلمع لوهلة مع نجمة الصباح. كانت أسواق ولاية الخرطوم أكبر شاهد على الحرب؛ نظراً للكثافة البشرية في الأسواق، ففي أيام قليلة سكَنَتْ الخطى الأليفة في السوق العربي وسوق أم درمان العتيق.

ومنذ ما قبل الحرب، أضحى للذهب وزن أساسي في معادلات الأمن والسياسة السودانية، بدايةً من تنقيبه في الفلوات، وصولاً إلى أساور النساء الذهبية التي كانت هدفاً جوهرياً وراء احتلال البيوت ونهبها إلى جانب مقتنيات أخرى كالسيارات والأجهزة.

يحكي محمد بشير، وهو صائغ يعمل حالياً في محله في شارع النص، أن صاغة «عمارة الدهب» بجانب أنهم فقدوا مكان عيشهم، فقد فقدوا أيضاً رؤوس أموالهم من الذهب، ويقول لـ «أتر»، إنه يعرف من فقد 20 كيلوجراماً وآخر 30 كيلوجراماً، وأحدهم فقد أكثر من 100 كيلوجرام من الذهب.

ومع استعادة الجيش سيطرته على ولاية الخرطوم، وخروج قوات الدعم السريع منها، بدأت تنتعش تجارياً مناطق محدودة في مدينة أم درمان، ومحلية كرري، مثل أحياء الثورة بالنص وشارع الوادي. فُتحت المحلات والدكاكين وعُلّقت لافتاتها المضيئة في شارعي النص والوادي على نحو لافت أكثر من أي شوارع أخرى في العاصمة المنكوبة، غير أن محلات الذهب كانت أكثر تلك المحلات لفتاً للأنظار وأغلب أصحابها كانوا صاغة يعملون بعمارة الذهب بوسط الخرطوم، وهي التي كانت مركزاً رئيساً للصاغة في الخرطوم قبل الحرب. حالياً تشكَّلت خريطة جديدة لأسواق الذهب وكذلك أنماط مُختلفة في تداوله.

خريطة جديدة لأسواق الذهب

بعد أن قضت الاشتباكات وطرها في ولاية الخرطوم، تغيَّرت خريطة الأسواق، وتغير نمط تعامل الناس مع الذهب. كان الذهب هو ثمن النجاة من الحرب لكثير من الأسر، التي باعت مدخراتها وغادرت بيوتها إلى وجهة غير محددة، وبعض منها باعت ما ادخرته من الذهب وأبدلته برأس مال تجارة جديدة في ولايات أخرى أكثر أمناً.

قبل أكثر من سنة، ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة مرتبطة بالذهب، وهي نظام شراء الذهب بالحبة، والحبة في اصطلاح الصاغة هي عُشر جرام الذهب، حيث يأتي الناس – أغلبهم من النساء – إلى الصاغة ويشترون حبات ذهب من صاحب المحل مقابل سعر الذهب في ذلك الوقت. ويشترط نظام الحبة أن المشتري لا يتسلّم ذهبه إلا بعد أن تتراكم حباته إلى وزن أكثر من جرام.

يبدو نظام الحبة مُشابهاً لطريقة عمل الجمعيات الشعبية النسائية لادخار المال: الصرفة أو الصندوق، وربما لهذا السبب تحديداً يمكن القول إن هذا التداول الجديد مألوفٌ لدى النساء، بل ويحمل قيمة مضافة، فادخار الذهب خيار أفضل مع تراجع قيمة الجنيه باستمرار، ما يُصعّب أي محاولة لادخار الجنيه السوداني.

وبالنسبة للصائغ، يوفر هذا النظام قدرة أعلى على جمع تمويل كبير من أيدي كثير من النساء اللائي لا يستطعن شراء جرام مرة واحدة بسبب ظرف الحرب الاقتصادي، ولكن مع ذلك، يضع نظام الحبة الصائغ أمام تعقيدات كثيرة بجانب التعقيدات الأساسية التي تصاحب تجارة الذهب في أم درمان.

في شوارع النص والوادي بأحياء الثورة أم درمان يقول الصاغة الذين تحدثت معهم «أتر»، إن نظام الحبة هو كابوس محاسبي بالنسبة لتجار الذهب المشغول، ومع هذه التكلفة والمجهود، يُعبّر الصاغة عن أن الفائدة الكلية ليست مُغرية بالنسبة لهم على الرغم من طلبات الزبائن المُستمرَّة للعمل بنظام الحبة في محلاتهم. يقول محمد بشير إنه يقابل مطالبات مستمرة من زبوناته للعمل بنظام الحبة في محله، لكنه ليس متحمساً وهو يضع الحبة في الميزان مقابل كلفتها وتعقيداتها وخاصة الدينية؛ إذ يعتبر «التقابض» شرطاً ضرورياً أثناء التعامل في بيع الذهب وشرائه.

يقول صاغة الذهب في «عمارة شندي»، التي رجعت للعمل في سوق أم درمان إن نظام الحبة ليس رائجاً في الأسواق، وإنه أكثر طلباً في الأحياء. ويرى محمد بشير، وهو صائغ أعاد فتح محله مؤخراً في عمارة شندي، أن نظام الحبة قد يكون حلاً لصغار الصاغة الذين ينقصهم رأس المال الكافي، أو الذين انخرطوا في تجارة الذهب مؤخراً.

في التشريع الإسلامي يُعتبر «التقابض» شرطاً ضرورياً أثناء التعامل مع بيع وشراء الذهب، ويستدلُّ على ذلك بعدد من الأحاديث النبوية، وهذا الأمر هو أساس المخاوف من الوقوع في «الربا».

ويَجري التقابض من خلال عقود المعاوضاتُ المالية، أي بعملية استلام وتسليم العوضَيْن الماليَّيْن بين طرفي التعاقد المالي، إذ تعتبر هذه العملية الهدف الأساسي من إبرام العقد، وهو ما يسميه الفقهاء ﺑﺎلقبض والإقباض، حيث يَقبض الأول من الثاني ما يرغب في تملّكه،َ ويُقبِضُه مقابله من المال، وتشاركهما في عملية القبض والإقباض يسمى تقابضاً، وهذا التقابض هو مقصود المتعاقدين، وبه تجري عملية التعاقد الصحيحة وتستقر. ويُعرَّف أيضاً بأنه «أخذ المعقود عليه والتمكن منه، حسب العُرْف، سواء كان التمكن ﺑﺎليد، أو بعدم المانع من الاستيلاء والتصرف».

وقد يكون القبض بالتخلية كما يكون في العقار، بمعنى أن يخلي البائع بين المَبيع وبين المشتري، أو بالنقل مثل أن يكون في شحنات كبيرة كالخشب والحبوب، أو عن طريق التناول باليد كالدراهم والدنانير والمنديل والثوب والإناء الخفيف.

تجارة عبر وسائط التواصل

دخلت الشابة أماني في نظام الحبة عندما كانت في مصر قبل حوالي 6 أشهر، وتعرَّفت عليه عن طريق فيسبوك. أرسلت رقمها إلى مدير الصفحة، فضمّها إلى مجموعة واتساب تتبع لأحد الصاغة الشباب اشتُهر بنظام الحبة على الفيسبوك.

في فترة وجيزة استطاعت أماني جمع الحبات حتى حصلت على خاتم بوزن 2.5 جرام ورجعت إلى أم درمان لتتسلّمه. لكن لم تواصل أماني الشراء وفق نظام الحبة؛ لأنها سمعت أن شراء الذهب من دون تسلمه لا يجوز شرعاً.

تقول أماني لـ «أتر»، إنها تعرف قصصاً لسيدات جمعن مبالغ طائلة من الحبة، ومنهن من استطعن شراء سيارة، وتحكي أن الجدل حول شرعية نظام الحبة من ناحية إسلامية كان يدور في مجموعة الواتساب، ما يجعل مديرها يغلقها أحياناً ويمنع النقاش في هذا الموضوع في المجموعة. ورغم أن الصاغة والمحلات التي تطرح نظام الحبة أعلنت أن أيّ مُشترٍّ يمكنه تسلم حباته عينياً، إلا أن أماني ليست متشجعة للدخول فيه مرة أخرى، لأنها ليست واثقة من إمكانية تنفيذ ذلك عملياً.

كان للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي دور واضح في الخريطة الاقتصادية والتجارية لهذه المرحلة، فمع تحول التجار إلى التسويق الإلكتروني، وعمليات البيع والشراء الشخصي في مجموعات فيسبوك التجارية، كذلك كان لوسائط التواصل دور واضح في إذاعة صيت نظام الحبة، وظهرت سبائك «التولا» قبل فترة قصيرة على الوسائط الاجتماعية السودانية. والتولا في أصلها وحدةٌ لقياس وزن الذهب، إذ تزن التولا الواحدة نحو 11 جراماً من الذهب. والمنتج المسمى بها (تولا – Tola) هو سبائك ذهب صافٍ 999 Fine Gold صغيرة الحجم بأوزان متنوعة 3 و5 و10 جرامات، وتُشترى بغرض حفظ المال أو تقديم الهدايا، وهي رائجة في دول الخليج العربي.

ومن اللافت في الآونة الأخيرة أيضاً، إطلاق تطبيق سوداني لشراء الذهب بالحبة وبيعه واسمه «سبيكة»، ويبدو أنه أثار جدلاً بدوره؛ ما يدل على أنّ النشاط في تجارة الذهب بالحبة قد بلغ انتشاراً على نطاق واسع. وللشركة حالياً فرعان في الخرطوم، ويتابع صفحتها 35 ألف شخص، وتُوزّع حبات ذهب في مسابقات بغرض التسويق. وبدأ نشاطها في يونيو الماضي، أي أنها حصلت على كل هذا التفاعل في نحو شهرين فقط!

الصاغة يُقاومون التغيير

يقول بشير إن مطالبات الناس بنظام الحبة بدأت تتزايد تدريجياً منذ أكثر من سنة، وهو يرى أن العائق الأساسي أمام صاغة الذهب في مواجهة نظام الحبة، هو عدم قدرتهم على إدارة هذا النظام بكفاءة، مشيراً إلى أن أغلب الصاغة يُقاومون التغيير التجاري في طريقة تجارتهم التقليدية للذهب، والتي يعتقدون أنها آمنة وأكثر حرصاً مع معدن يحتاج إلى كثير من الحرص والحذر والانتباه. ومع هذا، يقول بشير إن التغيير في خريطة الذهب الذي أحدثته الحرب لفت نظره إلى فرص جديدة واعدة.

ويرى بشير في الانتقال من تجارة الذهب في الأسواق إلى الأحياء تغييراً ينطوي على جوانب إيجابية تُقلِّل من التعقيدات حول الذهب. ويعتقد أن حضور محلات الذهب وسط الأحياء عامل أمني مهم، في حالات الحرب أو السلم، إذ إن الأسواق حالياً أكثر وحشة من الأحياء. ويضيف: «رغم أن بعض الصاغة أعادوا افتتاح محلاتهم في عمارة شندي بسوق أم درمان، لا يزالون يزاولون عملهم أيضاً في شارعي النص والوادي».

ويعتبر الصاغة في كرري أن القرب من الأحياء ميزة تسويقية إضافية، ويساعد المحلات في بناء شبكات علاقات تجارية ومستقرة ومثمرة مع الناس في أحيائهم. كما يشير بشير وغيره من الصاغة الذين تحدثت معهم «أتر»، إلى أنه رغم عودة الأسواق الرئيسة إلى العمل، إلا أن السوق الفعلي لا يزال موجوداً في الأحياء، مع فروق أسعار هامشية أو تساوي تذكرة المواصلات جيئة وذهاباً.

يقول محمد بشير إن صاغة أم درمان حالياً يعملون بالحد الأدنى لمهنة صائغ الذهب، إذ يقتصر الأمر على البيع والشراء، دون وجود أي مساحة للصيانة والتصنيع. ويرى أن أكثر ما ينقص سوق الذهب في الخرطوم حالياً هو مصانع وورش تشكيل الذهب، التي يتعين أن تكون حديثة بما فيه الكفاية لتنافس التشكيلات البحرينية والخليجية.

Scroll to Top