الزاوية غرّا: عشراتُ القتلى وأنباء متضاربة
مراسل أتر
بينما كانت محكمة الزاوية غرّا الشعبية، بولاية شمال دارفور، تعقد جلسةً لها صباح الأحد الثاني من أغسطس الجاري للنظر في قضايا السكّان، سقطت قذائف من طائرة مُسيَّرة على القاعة الرئيسة بالمحكمة، مما أدّى إلى سقوط 45 قتيلاً وعدد كبير من الجرحى.
تتبع وحدة الزاوية غرّا الإدارية إلى محلية السِّريف بولاية شمال دارفور، وتقع على بُعد نحو 15 كيلومتراً غربي مدينة كبكابية، وتُعرف المنطقة بإرثها الديني والصوفي، ويمتهن أهلها النشاط الزراعي بجانب رعي الماشية والتجارة.
وقال أحد المصادر متحدثاً لـ «أتَـر»، إنّ جزءاً كبيراً من الجرحى نُقلوا إلى مستشفيات ومراكز صحية بمحلية السِّريف لتلقي العلاج، وقال إنّ حالة بعضهم الصحية تتدهور بسرعة بسبب آثار الجروح وعدم تلقي العلاج الكافي، لنقصه بمستشفيات المنطقة.
ولم يعلن أيٌّ من طرفي القتال مسؤوليته عن الحادثة حتى الآن، ما ترك الأمر نهباً للشائعات، وآراء المناصرين الذين يدفعون التهمة عن طرف ويرمونها في الآخر، وهو ما تكرّر في حوادث مشابهة.
ونسَبت مجموعة محامو الطوارئ الهجوم لمُسيّرات تابعة للقوات المسلحة السودانية، قائلة، «إنّ ذلك قد جرى في وقت كانت فيه المحكمة تشهد تجمعاً للمدنيّين للنظر في عدد من القضايا والنزاعات المحلية».
لكنّ مصدراً آخرَ تحدَّث لمراسل «أتَـر»، طالباً إخفاء اسمه، قال إنه في 27 يوليو الماضي، كان هناك حشدٌ لقوات الدعم السريع، جرى تجميعه من محليات سرَف عُمرة وكبكابية، يستعد للذهاب إلى محاور القتال في ولاية شمال كردفان، وطلبت القوات من شيوخ القبائل بالزواية إرسال عدد من أبناء المنطقة للانضمام إلى الحشد، لكن حسب رواية المصدر رفض أهالي المنطقة طلب قوات الدعم السريع، وتجمّعوا في المحكمة الأهلية من أجل بلورة موقف موحّد، ومخاطبة قوات الدعم السريع، لإبلاغها بالموقف الرافض للدفع بأيّ شخص من أبناء المنطقة للانخراط في صفوف قواتها، التي تستعد للذهاب إلى القتال. ويَتهم المصدر قوات الدعم السريع بتنفيذ المجزرة بطائرة مُسيّرة تتبع لها.
وتحصّلت «أتَر» من مصدر آخر، يُقيم بمنطقة السِّريف بني حسين، أنه وقبل أسبوعين كان كلٌّ من العمدة أحمد بخيت، والعمدة الزين النور، والعمدة الدوم النضيف، والعمدة جاد الرب، قد رفضوا مخرجات اجتماعٍ لقيادة الدعم السريع مع شيوخ ونظّار من الإدارة الأهلية، قضى بمطالبة أيّ شيخ أو ناظر بعدد معيّن من المقاتلين. لكنّ المذكورين – وفقاً لرواية المصدر – طالبوا بضرورة إبعاد مجتمعاتهم عن الحرب، مؤكّدين أن ما قدّموه كان كافياً، ولم يجلب لهم سوى فقدان الشباب والرجال، بحسب ما نقل المصدر؛ الذي يجزم بأن المذكورين لقوا حتفهم لاحقاً في هجوم الطائرات المُسيّرة الانتحارية، على مقر المحكمة.
لكنّ مصدراً آخر قال لـ «أتَر»، إنّ مسؤولية الهجوم تقع على قوات الجيش، وقال إنّ من ضمن ضحايا الهجوم قادة من قوات الدعم السريع بالمنطقة، كانوا يجتمعون مع قيادات محلية بشأن حشد قوات للدفع بها لمحاور القتال في شمال كردفان.
وقال عبد المالك موسى، أحد أبناء منطقة الزاوية لمراسل «أتَـر»، إنّ المحكمة هي محكمة أهلية خاصة أُسِّست عقب تفجّر حرب 15 أبريل، وتوقُّف عمل القضاء النظامي، وهي محكمة مستقلّة لا تتبع لأي جهة، وأشار إلى أنّ محيطها خالٍ من أي وجود عسكري، حتى يجري استهدافه. ويتهم عبد المالك، قوات الجيش بارتكاب «المجزرة»، وقال إنّ هناك مفقودين لم يجرِ الوصول إليهم حتى الآن، وجثامين ووُريَت الثرى دون معرفة هويتها، وأشار إلى أن من ضمن القتلى مواطنون من منطقة جرجو الواقعة على بُعد يبلغ نحو 10 كيلومترات جنوب غرب الزواية غرة، ودُفنوا بمنطقة جرجو.
وقال أحد أبناء المنطقة مفضّلاً حجب اسمه لـ «أتَـر»، إنّ مشاجرة قبَلية حدثت بالمنطقة قبل فترة، ثم امتد الصراع ليصبح مسلحاً، وتمكّنت قوات الدعم السريع من احتواء الموقف، لكن بعد ذلك شنّت إحدى المجموعات المتقاتلة هجمات بالمُسيّرات التي وفرتها المليشيات على مقر المحكمة الأهلية التابعة لإحدى القبائل، المتورّطة في الصراع القبَلي.
وقال تيار الوحدة الوطنية وهو مجموعة موالية لقوات تأسيس، إنّ «استهداف محكمة أهلية منعقدة ليس خطأً عسكرياً عابراً، ولا يمكن تبريره بأي ذريعة عملياتية، بل هو اعتداء بالغ الخطورة على حياة المدنيين، وعلى ما تبقى من مؤسسات المجتمع وآلياته الأهلية، تلك التي ظل السودانيون يلجأون إليها لحل النزاعات وحفظ السلم الاجتماعي في ظل انهيار مؤسسات الدولة بسبب الحرب». وحمّل التيار مسؤولية الحادث لقوات الجيش.
وأدان حاكم إقليم دارفور في حكومة تأسيس، الهادي إدريس يحيى، القصف الجوي الذي استهدف المحكمة الشعبية. وحمّل في بيان طالعته «أتَر» مسؤولية الهجوم الجوي لقوات الجيش السوداني، وقال إن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وجريمة تستوجب التحقيق والمساءلة، ومحاسبة المسؤولين.
البحر الأحمر: ارتفاع درجات الحرارة و «بلاك آوت»
مراسلة أتر
تشهد ولاية البحر الأحمر منذ أواخر يوليو الماضي موجة حرّ شديدة، تزامنت مع خروج الخطّ الناقل للكهرباء بين مروي وعطبرة من الخدمة في 28 يوليو، ثمّ خروج توليد سد مروي من الخدمة مرتين في 1 أغسطس، ما تسبب في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي زادت من الضغوط المعيشية والصحية والاقتصادية على المواطنين.
ومع تكرار الانقطاع الكامل للكهرباء، أصبحت كلمة «بلاك آوت» جزءاً من الحديث اليومي للسكّان، حتى بين باعة الثلج وأصحاب المتاجر، في دلالة على تحوّل الأزمة إلى واقع مألوف يتكرّر كل صيف.
وتنعكس آثار موجة الحر وانقطاع الكهرباء على مختلف جوانب الحياة، بدءاً من صعوبة الحصول على المياه المبرّدة وحفظ الأغذية والأدوية، وصولاً إلى اضطراب حركة الأسواق وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. كما أدى تعطل الاتصالات، بسبب نفاد شحن الهواتف أحياناً، إلى زيادة معاناة التجّار والمستهلكين.
وبحسب مصدر طبي وإنساني تحدّث لمراسل «أتَـر»، فقد سُجّلت 36 إصابة بضربات الشمس خلال شهر يوليو، بينها حالة وفاة واحدة، حيث تركّزت أغلب الإصابات بمحلية بورتسودان، مع تسجيل حالتين بمحلية سواكن، وهو ما يعكس الأثر الصحي المباشر لارتفاع درجات الحرارة خاصة مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة.
وقال عبد اللطيف، وهو بائع خضروات داخل حي السكة الحديد، إنّ انقطاع الكهرباء جعل العمل أكثر صعوبة، موضحاً أن أسعار الخضروات ترتفع أصلاً خلال الصيف، لكنّ المشكلة تفاقمت بسبب صعوبة التواصل مع سائقي سيارات النقل «البكاسي» الذين يجلبون الخضروات الطازجة صباحاً، ولا يتمكّن كثير منهم من شحن هواتفهم المحمولة بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، ما يؤدي إلى تأخر وصول البضائع واضطراب عمليات البيع والشراء.
وفي سوق الثلج بحي الخليج، قال البائع فارس، لمراسل «أتَـر»، إن الأزمة انعكست مباشرةً على أسعار الثلج، موضحاً أنهم كانوا يشترون لوح الثلج من المصنع بنحو 18 ألف جنيه ويبيعونه للمستهلك بـ 24 ألف جنيه، إلا أنّ الانقطاع المتواصل للكهرباء ليومين رفع سعر اللوح داخل المصنع إلى 40 ألف جنيه ليصل إلى المستهلك بقرابة 48 ألف جنيه، الأمر الذي يثير استياء المواطنين الذين يحمّلون الباعة مسؤولية الزيادة.
أما عاصم، وهو تاجر جملة للمشروبات الغازية والمياه المعدنية، فقال إنّ الصيف يمثل موسماً رئيساً للمبيعات، إلا أن انقطاع الكهرباء قلّل من الطلب الفعلي، لأنّ كثيراً من أصحاب البقالات لا يستطيعون تشغيل الثلاجات لفترات كافية لتبريد المشروبات، إضافة إلى ارتفاع تكلفة تحميل وتفريغ الشاحنات بسبب زيادة أجور العمالة وصعوبة توفرها.
ويرى مواطنون أن تكرار خروج محطات الكهرباء عن الخدمة خلال أشهر الصيف لم يعد حدثاً استثنائياً، إنما أصبح جزءاً من دورة موسمية تتكرر كل عام، وهو ما جعل مصطلح «بلاك آوت» يُتداول على نطاق واسع في الأحياء والأسواق، بوصفه تعبيراً عن الانقطاع الكامل للكهرباء وما يرافقه من تعطل للخدمات والأنشطة الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإيجاد حلول تقلل من آثار الانقطاعات خلال أشهر الحر التي تشهد أعلى معدلات استهلاك للطاقة في الولاية.



