يشهد الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا تطوّراتٍ عسكريةً إثر تجدّد الاشتباكات بين قوات إقليم تقراي والجيش الإثيوبي، ما يُثير مخاوف متزايدة من تحوّل المواجهات إلى أزمة إقليمية تتجاوز حدود إثيوبيا، خاصةً مع تعرُّض المناطق السودانية الحدودية للقصف، واستهداف مخيَّمات اللاجئين، بما يُنذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية.
يقول مساعد معتمد اللاجئين بولاية القضارف، يوسف عمارة أبوسن، في مقابلة مع «أتَـر»، إنّ الاشتباكات بين قوات جبهة تحرير تقراي والجيش الإثيوبي قد تجدّدت يوم الجمعة الماضي عند منتصف الليل على الشريط الحدودي؛ إذ قُصفت مناطق «شرارينا» و«القُضّيمة» داخل الأراضي السودانية، وكانت الهجمات تستهدف معسكرات قوات «التقراي» على الشريط الحدودي المقابل لهذه المناطق.
ويُخبر مساعد المعتمد: «تضعنا التطورات الأخيرة أمام تبعات كان يُخشى وقوعها منذ توقيع اتفاق «بريتوريا» لوقف الأعمال العدائية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تقراي في العام 2020. إننا في معتمدية اللاجئين، بالتنسيق مع حكومة الولاية والمنظمات، في اجتماعات راتبة لمتابعة تطوّرات الموقف أولاً بأول عبر أجهزتنا النظامية المنتشرة على الشريط الحدودي، ونعمل على إعداد الخطط والترتيبات اللازمة لاستقبال الفارّين من جحيم الحرب، متوقّعين تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين».
ويقول أبوسن إنّ لدى المعتمدية مركز استقبال في منطقة «حمدايت» المتاخمة للمثلث الحدودي (السوداني الإريتري الإثيوبي) ويدخل عبره اللاجئون الإثيوبيون والإريتريون، مضيفاً أنهم يدخلون أيضاً عبر معبر «القلابات» الحدودي، ومنطقة «الأسِرَّة» التابعة لمحلية القُرّيشة التي يتوقعون دخول لاجئي «الأمهرا» عبرها حال احتدام الصراع.
ويبيّن مساعد المعتمد أنّ الولاية بأجهزتها كافةً في حالة استنفار وترقّب، وتنسيق مع المنظمات لتوفير الغذاء والإيواء، خاصةً في ظِّل ذروة فصل الخريف وما يأتي معه من تحديات، مُضيفاً: «إننا أمام احتياجات هائلة، ونطمح أن تُبدي المنظمات استجابة قوية وفاعلة لمساعدتنا في معالجة الإشكالات الكبيرة التي يواجهها اللاجئون».
من حرب إلى حرب
«يسود حالياً هدوء حذر على طول الشريط الحدودي، لكننا نتوقّع تجدّد الاشتباكات في أي وقت؛ فالمعلومات المتوفرة تشير إلى تحشيد كبير لكلا الطرفين، ونتحسّب لانفجار الصراع بنحوٍ أوسع في أية لحظة، لأن السودان هو المنفذ لشعب التقراي»، يقول أبوسن، لافتاً إلى أنّهم قد أنشأوا نقطة عبور إلى الأراضي السودانية عند منطقة القرية 8 الحدودية المتاخمة لإقليم التقراي، وأنشأوا بها مركز استقبال خُصِّص لإيواء الفارّين من ويلات الحرب الإثيوبية، يضمّ حالياً نحو 2700 لاجئ.
وتستقبل ولاية القضارف اللاجئين منذ ستينيات القرن الماضي، بدءاً باللاجئين الكونغوليين، ثم تبعهم الإريتريون والإثيوبيون، وقد ظلّت الولاية ملاذاً آمناً عبر فترات النزاعات المختلفة في المنطقة ودول الجوار، بما في ذلك الحروب بين إثيوبيا وإريتريا، والنزاعات الداخلية خلال عهد الرئيس منقستو هايلي مريام. بَيدَ أنّ التدفقات الكبيرة للاجئين بدأت مع اندلاع الصراع بين إقليم تقراي والجيش الفيدرالي الإثيوبي في عام 2020، واستجابت لها ولاية القضارف بإنشاء ثلاثة معسكرات جديدة في الولاية وهي: معسكر «الطنيدْبة» ومعسكر «أم راكوبة» اللذان يضمّان لاجئي التقراي، ومعسكر «بابِكري» الذي يأوي قومية «الكِمِنْتْ» الإثيوبية، إضافة إلى معسكر «أم قرقور» وهو معسكر قديم مخصّص للّاجئين الإريتريين.
ووفقاً لمساعد المعتمد، ما زالت هذه المعسكرات تستقبل وافدين جدداً من العمق الإثيوبي. يقول: «في عام 2020، شهدت الولاية حالة طوارئ استدعت وجوداً مكثّفاً للمنظمات الدولية التي قدّمت خدمات واسعة للاجئين، لكنّ السنوات الأخيرة شهدت تراجُعاً كبيراً في الدعم المقدّم نتيجة ضعف التمويل، وانسحاب العديد من المنظمات، بينما تَتّبع المنظمات التي بقيت استراتيجية التدخل في حالات الطوارئ فقط إلى أن يتحقق الاستقرار الأوّلي».
تعاني المعسكرات حالياً من أوضاع مُزرية نتيجة نقص التمويل، وتفتقر إلى مواد الإيواء الأساسية كالخيام والمشمّعات، خاصةً وأنها مشيدة بمواد محلية بسيطة. دفع هذا الوضع اللاجئين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية؛ لذلك منحنا تصاريح عمل لبعضهم داخل ولاية القضارف، مع الحرص على تقييد مغادرة المعسكرات لضمان السيطرة على الوضع الأمني.
«تفاقمت الأزمة إثر قرار الرئيس الأمريكي ترمب بإيقاف التمويل الأمريكي»، يقول أبوسنّ ثم يمضي مُفصّلاً: «أثَّر ذلك بنحوٍ مباشر على وكالات الأمم المتحدة، بما فيها المفوضية السامية للاجئين التي فقدت قدراً كبيراً من ميزانيتها التي كانت تعتمد على المعونة الأمريكية. وانعكس ذلك سلباً على الدور الذي كانت تؤديه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في دعم القطاعات الخدمية والصحية والتعليمية في المعسكرات، التي تمرّ حالياً بأوضاع بالغة الصعوبة».
ويخبر أبوسنّ بأن برنامج الأغذية العالمي من المنظمات القليلة التي بقيت وما زالت تعمل بالولاية، ويمضي قائلاً: «يقدّم البرنامج حصة شهرية تعادل 24,800 جنيه؛ وهو مبلغ زهيد لا يكفي لتوفير الاحتياجات الأساسية للاجئ لمدة شهر. وقد توقفت جميع برامج المنظمات في توفير فُرص سبل كسب العيش والمشاريع المرتبطة بها».
وينبّه مساعد المعتمد إلى أنّ الوضع الصّحي بالمعسكرات يمرّ بأضعف مراحله، ويقول: «تعمل حالياً منظمة أطباء بلا حدود الهولندية في معسكر الطِنيدْبة، ومنظمة أطباء بلا حدود السويسرية، في معسكر أم راكوبة، وقد أنشأتا مستشفياتٍ كبرى تُقدِّم خدمات جليلة تسهم في تخفيف أعباء اللاجئين، وتعمل أيضاً منظمة (MTI) التي تقدم خدمات في مجال الرعاية الصحية الأولية بتمويل من المفوضية السامية للاجئين»، مُبيناً أنّ العملية التعليمية بالمعسكرات قد تعطّلت بسبب توقف التمويل عن المفوضية السامية للاجئين، ما حال دون تعاقدها مع شركاء دوليين لتولّي إدارة العملية التعليمية والإشراف عليها، وقد أدى هذا إلى اتساع الفجوة التعليمية.
ويضيف أبوسنّ: «تعاني المعسكرات حالياً من أوضاع مُزرية نتيجة نقص التمويل، وتفتقر إلى مواد الإيواء الأساسية كالخيام والمشمّعات، خاصةً وأنها مشيدة بمواد محلية بسيطة. دفع هذا الوضع اللاجئين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية؛ لذلك منحنا تصاريح عمل لبعضهم في قطاعات الزراعة والخدمات داخل ولاية القضارف لمساعدتهم على إعالة أسرهم، مع الحرص على تقييد مغادرة المعسكرات لضمان السيطرة على الوضع الأمني. وضمن مساعينا لتمكين اللاجئين من إعالة أنفسهم، خصّصت الدولة نحو 9200 فدان في منطقة أم قرقور تُوزَّع بواقع خمسة أفدنة لكل أسرة سنوياً لزراعتها. وتتمثّل مساهمة الدولة في توفير الأراضي اللازمة للمعسكرات والمساحات الزراعية، إضافةً إلى الحماية الأمنية عبر الأجهزة المختصّة، أما الخدمات فهي مسؤولية الأمم المتحدة ممثلة المفوضية السامية للاجئين».
وناشد أبو سن المنظمات المشاركة في تحمُّل تكاليف تقديم الخدمات للاجئين، مشيراً إلى أنّ الحرب التي تخوضها البلاد حالت دون تقديم أيّ دعم للاجئين، إذ إنّ المعتمدية تواجه تحديات أبرزها الأزمات الناتجة عن شُحّ الخدمات داخل المعسكرات، حيث يضطرّ كثير من اللاجئين إلى مغادرة المعسكر بحثاً عن فرص كسب العيش. ويقول: «عندما وقّعنا على اتفاقية جنيف والبروتوكول المصاحب لها، كان لنا تحفُّظ على قضية خروج اللاجئين من المعسكرات، وفرَضْنا قيوداً على حرية حركتهم، إذ يتطلّب خروجهم من المعسكرات تصريحاً رسمياً من معتمدية اللاجئين، وعندما يُقدّم اللاجئ طلباً للحصول على تصريح، فإننا ننظُر في طلبه، ومن ثمّ نمنحه تصريحاً أو نمنعه إن قدّرنا أنه قد يتسبب في مشكلات خارج المعسكر؛ وهو ما قد يدفع بعضهم للمغادرة دون تصريح»، موضحاً أنّ هذه المعسكرات مفتوحة وغير مسوَّرة، وتقع على مقربة من القرى السودانية، ما يُسهِّل خروج الشباب والرجال بحثاً عن فُرص العمالة الموسمية في المشاريع الزراعية.
ويضيف قائلاً: «يؤدي هذا الوضع إلى ضغط كبير على المرافق الخدمية بالولاية؛ فالبحث عن العلاج وفرص العمل يثقل كاهل المستشفيات والمراكز الصحية، ويخلق تنافساً في سوق العمل بولاية القضارف بمحلياتها المختلفة، فضلاً عن الضغط المتزايد على قطاع التعليم الذي توقف فيه التمويل، ما يفاقم الأعباء الإضافية على الدولة السودانية».
مخافة أن يعيد التاريخ نفسه
يقول أبوسنّ: «في أعقاب الأحداث الأخيرة، أجرينا زيارة إلى مدينة كسلا يوم الثلاثاء الماضي، وناقشنا مع مكتب مساعد المعتمد في كسلا ترتيبات استقبال اللاجئين، كما تفاكرنا مع المكتب الرئيسي للمفوضية في شرق السودان حول القضية ذاتها، واتفقنا على ضرورة وضع خطط عاجلة لمواجهة تدفقات اللاجئين المتوقعة من الأراضي الإثيوبية».
ويُضيف قائلاً: «لا نريد أن يتكرّر ما حدث في عام 2020، حين فوجئ الجميع بموجات دخول اللاجئين. ولولا وقفة السودانيين في القرى الحدودية، والذين بادروا بإيواء اللاجئين وتقديم الغذاء والكساء والمأوى لهم، لكان كثير منهم قد قضوا بسبب الجوع والعطش؛ إذ قدموا لهم الطعام والمياه قبل وصول المنظمات بخمسة أو ستة أيام، ونحن لا نريد تكرار تلك التجربة، ونسعى لضمان كامل الجاهزية منذ الآن، لكننا لا نتمنى حدوث موجات لجوء تزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الدولة السودانية في ظِّل الظروف الراهنة التي تشهد حرباً تنتشر في أجزاء واسعة من البلاد، ويستنزف المجهود الحربي ميزانيتها، ما يجعل الدولة غير قادرة على تحمّل أعباء إضافية. لذا، في حال بروز أزمة لجوء، نتوقع من المنظمات القيام بدَور فاعل والتدخّل بميزانيات طوارئ تسهم في تخفيف هذا العبء عنا. ورغم أنّ المعتمدية لم ترصد أي حركة قدوم للاجئين حتى الآن، غيرَ أنّ هناك تخوّفات من تدفّقهم مع احتدام المعارك».
مُلحق
قالت وزارة الداخلية السودانية، في بيان إنّ مواجهاتٍ اندلعت بين قوات إقليم تقراي والجيش الإثيوبي في 31 يوليو الماضي، في منطقة الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا، ما أدى إلى سقوط مقذوفات داخل عدد من معسكرات اللاجئين، أسفرت عن وقوع عدد من الوفيات والإصابات.
وقالت جبهة تحرير تقراي في بيان إنّ الجيش الإثيوبي شنَّ هجوماً واسعاً على قواتها في محيط منطقة «شيريرينا» غربي إقليم تقراي، الواقعة على الحدود الإثيوبية السودانية، متهمةً قواتٍ تابعة للدعم السريع بالمشاركة في الهجوم بدعمٍ جوي. وفي حين لم تصدر الحكومة أو الجيش الإثيوبي بياناً رسمياً بشأن الأحداث، أكد وزير الريّ وتنمية المناطق المنخفضة أبراهام بيلاي وقوع اشتباكات، متهماً في منشور له «جبهة تحرير تقراي» بإشعال فتيل القتال، ومحذّراً من «عواقب وخيمة» لاستمرار النزاع، مع دعوته إلى حلّ الخلافات عبر المفاوضات السلمية.
ورغم تصاعد التوتر بين تقراي والحكومة الفيدرالية في إثيوبيا منذ أكثر من عام، تجنَّب الطرفان الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، غيرَ أنّ تجدد الاشتباكات، وتوارد المعلومات بشأن التحشيد الكبير لكلا الطرفين، يجعل المواجهة الحالية تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
كُل ذلك يمنح هذا التوتر أبعاداً إقليمية عند ربطها مع أحداث الحرب الدائرة في السودان. وقبل اندلاع الحرب في السودان، كانت الفشقة مسرحاً لتوترات حادة بين إثيوبيا والسودان. وعقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، بادرت إثيوبيا سابقاً بقولها إنّ ما يشهده السودان ناتج عن فراغ دستوري، مقترحةً نشر قوة احتياط من شرق إفريقيا، بينما سمحت إثيوبيا لاحقاً لقوات الدعم السريع السودانية باستخدام أراضيها منطلَقاً لعملياتها العسكرية في ولاية النيل الأزرق، إلى جانب تصريحات آبي أحمد مطالباً بمنفذ إلى البحر الأحمر عبر إريتريا، التي اعتبرتها نزعة عدائية.
تُظهِر التطوّرات الأخيرة في إقليم تقراي أنّ اتفاق بريتوريا عجز عن معالجة جذور الصراع السياسي والأمني؛ إذ أدى تعثّر تنفيذ بنود الاتفاق، والانقسامات الداخلية في الإقليم، وتداخل المصالح الإقليمية على الحدود مع السودان وإريتريا، إلى خلق وضع أمني هشّ.



