في يونيو 2026، أصدر الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أوكسفورد للفقر والتنمية البشرية، تقرير «مسح الفقر متعدّد الأبعاد في السودان لعام 2023»، في 144 صفحة. يَدرُس التقرير مختلف أوجه الحرمان، بالتركيز على الصحة والتعليم والسكن ومستويات المعيشة والتوظيف. ويُؤْمَل، بكلمات المدير العام للجهاز المركزي للإحصاء في تقديمه للتقرير: «أن تُسهم نتائج هذا المسح في اتخاذ قرارات مستنيرة، وأن تُعزِّز الجهود المنسَّقة لمعالجة الأسباب الجذرية للفقر، وذلك لدعم المساعي الوطنية الرامية إلى تقوية أنظمة الحماية الاجتماعية، وتعزيز التنمية البشرية، والحدّ من أوجه عدم المساواة، وتحسين القدرة على الصمود، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية الراهنة. والهدف النهائي هو دعم التنمية المستدامة وضمان عدم إهمال أي فرد في السودان».
نتائج المسح الأساسية
أظهرت نتائج «مسح الفقر متعدد الأبعاد في السودان لعام 2023» أنّ 82.8% من السكّان كانوا يعانون من الفقر متعدّد الأبعاد، مع شدّة فقر بلغت 53.3%، بما يعكس انتشاراً واسعاً وتراكماً كبيراً لأوجه الحرمان قبل اندلاع الحرب. كما أظهر التقرير أنّ أكبر أوجه الحرمان على مستوى السكّان كانت في الحصول على الخدمات الصحية بنسبة 97.3%، خدمات الصرف الصحي بنسبة 86.9%، وقود الطهي بنسبة 64.9%، والسكن بنسبة 53.5%، وسنوات الالتحاق المدرسي بنسبة 53.1%. وتمثّل هذه النتائج آخر خطّ أساس شامل لأوضاع السودان قبل الحرب، ومن المرجّح أن تكون الأوضاع قد تدهورت على نحو أشدّ نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطّل الخدمات والنزوح وتراجُع النشاط الاقتصادي، ما يجعلها مرجعاً مهماً لتقييم آثار الحرب وتحديد أولويات إعادة الإعمار.
بالمقارنة مع المؤشّرات الدولية، يُعدّ السودان من الدول ذات المستويات المنخفضة في الحصول على الخدمات الأساسية، ويقع غالباً ضمن الثلث الأخير عالمياً في معظم هذه المؤشرات. ومع ذلك، يُظهر مؤشر الوصول إلى الطهي النظيف أداءً أفضل نسبياً، إذ بلغت نسبة الوصول 54.7% عام 2020، ليحتلّ السودان المرتبة 124 عالمياً و12 أفريقياً، أي في منتصف الترتيب العالمي تقريباً.
التفاوُت الولائي
يُعدّ التفاوت بين الولايات أحد أبرز ملامح الفقر في السودان، إذ يكشف التقرير عن وجود فروقات واسعة في مستويات الحرمان بين الولايات في مجالات التعليم، والصحة، ومستوى المعيشة، والعمل. وتؤكّد النتائج أن الفقر لا يتوزع على نحو مُتساوٍ، إنما يتركّز بدرجات متفاوتة بين الأقاليم المختلفة.
مؤشّر الفقر متعدّد الأبعاد في السودان 2023: خريطة على مستوى الولايات. المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء في السودان 2026.
على مستوى التفاوت الجغرافي، سجّلت ولايات دارفور وكردفان أعلى مستويات الفقر، إذ بلغت شدّة الفقر في شرق ووسط دارفور أكثر من 61%، بينما اقتربت نسبة الفقراء في وسط دارفور من شمول جميع السكّان (99%). وفي المقابل، سجّلت ولايتا الخرطوم والشمالية أدنى مستويات الفقر نسبياً، رغم استمرار وجود مستويات مرتفعة من الحرمان. وتتمثّل أبرز مظاهر الحرمان في هذه الولايات في انخفاض مستويات التعليم، خاصة من حيث سنوات الدراسة وانتظام الأطفال في الالتحاق بالمدارس، وضعف الخدمات الصحية وارتفاع معدّلات سوء التغذية، وتدنّي فرص الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، وضعف أوضاع السكن والطاقة، فضلاً عن محدودية فرص العمل.
في المقابل، سجّلت الولايات الحضرية، ولا سيما ولاية الخرطوم قبل اندلاع الحرب، مستويات أقلّ من الفقر متعدّد الأبعاد، وذلك بفضل تركّز المؤسسات الحكومية والخدمات العامة والأنشطة الاقتصادية وفرص العمل فيها. ومع ذلك، فإنّ هذه الولايات لم تكن خالية من الفقر، خاصة في المناطق الطرفية والأحياء منخفضة الدخل.
يعكس هذا التفاوت الولائي ما يلي:
أولاً: النمط التاريخي للتنمية غير المتوازنة في السودان، إذ تركّزت الاستثمارات العامة والخدمات الأساسية في الولايات المركزية، بينما عانت العديد من الولايات الطرفية من ضعف الإنفاق التنموي وتراجُع الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، مما أدى إلى اتساع الفجوات التنموية بين المركز والأقاليم.
ثانياً: الفقر في السودان لا يمثل محض انخفاض في مستوى الدخل، بل هو أيضاً فقر مكاني، أي أنّ الموقع الجغرافي الذي يعيش فيه الفرد يؤثّر تأثيراً مباشراً في فرص حصوله على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية والعمل اللائق.
ماذا تعني هذه النتائج؟
تشير نتائج المسح الوطني الأول للفقر متعدّد الأبعاد في السودان لعام 2023 إلى الحقائق التالية:
– كان السودان يواجه أزمة تنموية عميقة حتى قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. وهي مؤشّرات تخبر بأنّ غالبية السكّان كانوا يعانون من أشكال متعدّدة من الحرمان، وليس فقط من انخفاض الدَّخل.
– لفقر في السودان ذو طبيعة هيكلية ترتبط بضعف الخدمات الأساسية وتراجع الاستثمار في التنمية البشرية.
– الخدمات الصحية تمثّل أكبر أوجه الحرمان، وقد سجّلت أعلى مساهمة في مؤشّر الفقر متعدّد الأبعاد، ويعكس ذلك ضعف البنية الصحية وصعوبة الوصول إلى الخدمات العلاجية والوقائية، خاصة في المناطق الريفية والأقاليم المتأثّرة بالنزاعات.
– يشكّل التعليم ثاني أهمّ أبعاد الحرمان، من خلال انخفاض سنوات الدراسة وضعف الالتحاق بالتعليم، ما أضعَف رأس المال البشري، وحدَّ من فرص الحصول على وظائف منتجة، وأدّى إلى استمرار انتقال الفقر من جيل إلى آخر.
– ارتفاع معدّلات الحرمان في الصرف الصحي، والطهي النظيف، والسكن، وهو ما يشير إلى ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية. ويؤثر الاعتماد على الوقود التقليدي في الطهي تأثيراً مباشراً على صحة الأسَر، ولا سيما النساء والأطفال، كما يعكس استمرار الفجوة في الوصول إلى الطاقة النظيفة.
التفاوت الجغرافي في الفقر متعدّد الأبعاد؛ ويؤكّد هذا التفاوت أنّ الفقر في السودان يتركّز في مناطق بعينها.
خارطة طريق
في ضوء نتائج «مسح الفقر متعدّد الأبعاد لعام 2023»، يتضح أنّ الحدّ من الفقر في السودان يتطلب استراتيجية تنموية شاملة تعالج أسبابه الهيكلية، وليس فقط زيادة الدخول أو تقديم المساعدات المالية. وتشمل أهم أولويات هذه الاستراتيجية ما يلي:
– تحقيق السلام والاستقرار باعتباره الشرط الأساسي لإعادة الإعمار، واستئناف الأنشطة الاقتصادية، واستعادة الخدمات الأساسية، وجذب الاستثمارات.
– تحقيق نموّ اقتصادي شامل يوفر فرص عمل منتجة ومستدامة، خاصة للشباب والنساء، بما يسهم في زيادة الدخول والحدّ من البطالة.
– الاستثمار في التعليم لتحسين جودة رأس المال البشري، ورفع المهارات، وتعزيز فرص التوظيف والإنتاجية.
– تحسين الخدمات الصحية والتغذوية؛ وذلك من خلال توسيع الوصول إلى مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين صحة السكّان ورفع إنتاجيتهم.
– تطوير البنية التحتية، ويشمل الطرق والكهرباء والاتصالات، لربط المناطق الفقيرة بالأسواق والخدمات.
– تعزيز الشمول المالي من خلال توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية، والتمويل الأصغر، والادّخار، والتأمين، بما يمكّن الأسر والمشروعات الصغيرة من الاستثمار، وتحسين مستويات الدخل، وزيادة القدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
– دعم الزراعة باعتبارها المصدر الرئيس لفرص العمل والدخل في العديد من الولايات والمناطق الريفية.
– تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية الموجَّهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، وربطها ببرامج التدريب والتأهيل والتشغيل لضمان الانتقال من الاعتماد على الإعانات إلى الإنتاج.
– توجيه الاستثمارات العامة والإنفاق التنموي نحو الولايات الأكثر فقراً وحرماناً للحدّ من التفاوتات الإقليمية.
تبنّي سياسات تنموية متكاملة تعالج أبعاد الفقر كافة، بما في ذلك التعليم، والصحة، ومستوى المعيشة، وفرص العمل، وعدم المساواة في توزيع الموارد.



