بين مياهٍ تراجَع منسوبها في قنوات الري وبنيةٍ تحتية أنهكها الزمن، يقف على أعتاب موسم جديد مشروعُ أم جر الزراعي، الذي ظلّ لعقود من أهمّ مشاريع الإعاشة بولاية النيل الأبيض، بينما لا يزال خلافٌ متشعّب، بين شركة مشروع أم جر وجمعية مشروع أم جر، حول الأحقية بإدارته، يُلقي بظلاله على المزارعين الذين يعتمدون عليه مصدراً رئيساً للعيش، ويؤثر على الموسم الزراعي.
يعود تاريخ إنشاء مشروع أم جر إلى عام 1940، حين أنشئ على مساحة 7.700 فدان ضمن مشاريع الإعاشة السبعة (أم جر، وَكَرة، هشابة، فطيسة، ود نمر، أبقر، شبشة)؛ وذلك لتعويض سكّان القرى وأصحاب الأراضي الذين غَمرت المياه أراضيهم، عقب قيام خزّان جبل أولياء الذي أنشأته الحكومة المصرية في 1937، ومُنح المزارعون حوّاشات بمساحة 18 فداناً، وفق دورة زراعية ثلاثيّة شملت القطن والذرة وأرضاً للرعي. يضمّ المشروع 780 حوّاشة، وقد ظلّ لعقود مصدراً رئيساً لمعاش سكّان المنطقة، قبل أن تتداخل التحوّلات الإدارية والخلافات حول إدارته مع تراجُع بنيته التحتية وإنتاجيّته، لتفضي إلى واقع التدهور الحالي.
بنية تحتية ميتة
مشروع أم جر عبارة عن بنية تحتية ميتة، معدّات ميتة، مُزارع ميت، كلّو مات.
عبد القادر خالد محمد - مزارع بمشروع أم جر الزراعي
يقول المزارع بمشروع أم جر الزراعي، عبد القادر خالد محمد، لـ «أتَـر»، إنّ المشروع كان يوفر للمزارعين دخلاً مستقراً، وإنّ الحواشة كانت تكفي لإعالة الأسرة وتعليم الأبناء والعلاج، مشيراً إلى أنّ الخلافات الحالية لا يمكن فصلها عن التحولات التي شهدها المشروع منذ حلّ مؤسسة النيل الأبيض الزراعية في 1996، ضمن نهج حكومة الإنقاذ في خصخصة المشاريع الزراعية، لتنتقل إدارته إلى اتحادات المزارعين ثم الشركات ومن بينها شركة أم جر الزراعية.
ويوضح عبد القادر أنّ الإنتاج كان متنوّعاً ويشمل القطن والذرة واللوبيا والفول، وأن إنتاج أم جر كان يصل إلى بورتسودان والأبيّض والنهود ونيالا، قبل أن يتراجع بعد حلّ مؤسسة النيل الأبيض وعودة المشاريع إلى أصحابها. ويشير إلى أنّ البنية التحتية للمشروع أصبحت في حالة متردّية، وأنّ المواسير والكباري والقنوات انتهت صلاحيتها، وأنّ البيارة موجودة لكنها تحتاج إلى موتورات وكهرباء ومواسير جديدة، بينما تحتاج القنوات إلى توسعة وأعمال إحكام وإغلاق، كما يحتاج المشروع إلى تأهيل الكباري وإعادة مباني (الكمبو).
ويقول عبد القادر إنّ الحكومة عند إنشاء مشاريع الإعاشة في 1940 اشترت الأرض من أصحابها ثمّ أعادت توزيعها في حواشات للإعاشة وفق نظامٍ يَمنع البيع والتوريث، ويُتيح استبدال المُزارع العاجز بفرد من أسرته، ونقل الحوّاشة إلى شخص آخر إذا عجز أفراد الأسرة. ويضيف أن غالبية أصحاب الحواشات الذين عاصروا تأسيس المشروع توفوا، وأنّ الموجودين حالياً يُريدون تحريك المشروع سواءٌ أكانوا في جمعية مشروع أم جر، أم في شركة مشروع أم جر المتنازعتين حالياً على إدارة المشروع.
ويشير عبد القادر إلى أنّ وزارة المالية عدّت بعض أصول المشروع ملكاً لها، بعد عودة المشاريع إلى أصحابها في 1996، وطلبت دفع ثلاثة مليارات جنيه مقابل الأصول، كما قيّم صندوق دعم زراعة الأصول لاحقاً، لكنّ المزارعين رفضوا الدفع. ويوضح أنّ الخلاف حول ملكية الأصول لا يزال قائماً، إذ تقول الجهات الحكومية إنّ البيارة والقنوات وبيوت الكمبو وغيرها من الأصول تابعة لها، بينما يرى المزارعون أنهم تسلّموا المشروع، ولا يمكن فصل الحواشات عن البنية الأساسية التي تقوم عليها الزراعة. ويعبر بعد القادر عن أساه على مآل الأمر قائلاً: «مشروع أم جر عبارة عن بنية تحتية ميتة، معدّات ميتة، مُزارع ميت، كلّو مات».
تحصلت عليها مُراسلة أتَر
بداية الخلاف
أما بشأن بداية الخلاف بين الشركة والجمعية على قيادة مشروع أم جر الزراعي، فيوضح عبد القادر أنها تعود، في جانب منها، إلى إقامة مشروع سكّر مشكور الذي طُرح شراكةً استثماريةً مع المزارعين بدءاً من 2009، بإدارة عبد الحليم المتعافي الذي كان قبلها والياً للخرطوم ثم عُيِّن وزيراً للزراعة والري. لكنّ الاتفاق أثار اعتراضات لاحقاً بسبب بنود يقول عبد القادر إنها قد مَسَّت حقوق أصحاب الحوّاشات، من بينها تحويل الحواشات إلى أسهُم دون علم أصحابها، الأمر الذي دفع عدداً من المزارعين إلى اللجوء إلى البرلمان في 2014 ومن ثمّ إلى القضاء في 2018.
ويشير عبد القادر إلى أنّ قضية تصفية شركة مشروع أم جر وصلت إلى القضاء، وصدَر حكم بتصفيتها وأيّدت محكمة الاستئناف القرار، قبل أن تُعاد القضية إلى محكمة الموضوع، ولا تزال الإجراءات القانونية مستمرّة.
ويخبر سكرتير شركة مشروع أم جر، خلال الفترة من 2012 إلى 2022، حامد خالد محمد، في حديثه لـ «أتَــر» أنّ شركة مشروع أم جر أُسِّست عام 1996 عقب حلّ مؤسسة النيل الأبيض الزراعية، لتكون الجهة الإدارية والتنفيذية الوحيدة للمشروع، وفق قانون الخصخصة الذي انتهجته الحكومة آنذاك، وكانت تحصل على التمويل عبر البنك، قبل أن يؤدي صدور قانون تنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني في 2011 إلى تغيير هذا الوضع ونقل صلاحيات الشركات المتخصّصة إلى الجمعيات.
ويضيف حامد أنّ تلك الشركات المتخصّصة، ومنها شركة النيل القابضة والشركة الخضراء، فقدت صلاحياتها بعد قيام الجمعيات الزراعية. ويقول إنّ الخلاف الحالي افتعله أشخاص في الشركة لم يستطيعوا الوصول إلى المزارعين عبر قواعد المشروع فلجأوا، بحسب تعبيره، إلى السُّلطة بدلاً من الاحتكام إلى المزارعين والقانون.
ويؤكّد سكرتير الشركة أنّ الممارسات النقابية داخل المشروع كانت تقوم على التوافق والتراضي، ولم تكن الانتخابات بالصناديق هي الأسلوب المتبع منذ حلّ مؤسسة النيل الأبيض الزراعية. ويقول إنّ شركة مشروع أم جر لم تتغوّل على المشروع في السابق، لأنّ إدارة المشروع كانت حقاً قانونياً لها في ذلك الوقت، لكن ما وصفه بالتغوّل بدأ بعد تكوين جمعية مشروع أم جر، قائلاً: «إن هناك نافذين في السُّلطة ساعدوا الشركة على العودة إلى المشهد». وقد سُجّلت الجمعية في مايو 2025 لدى المسجّل العام لتنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني بوزارة العدل، ويُعزّز حامد حديث عبد القادر بشأن القضية التي ما زالت ماثلة أمام القضاء لتصفية شركة مشروع أم جر.
وفي حديثه لـ «أتَـر»، يقول المُزارع والأمين العام لجمعية مشروع أم جر الزراعي، أحمد عبد الله، إنّ المشروع يضمّ 24 قرية، هي جميع قرى جزيرة أم جر، وإنّ المزارعين اتفقوا على تكوين جمعية المشروع بأن يختار كلّ 30 مزارعاً ممثلاً لهم، وبلغ عدد ممثّلي القرى 23 عضواً. ويوضح أن اختيار الممثلين جرى وفقاً لعدد الحوّاشات في كل قرية، لذلك اختارت بعض القرى ثلاثة ممثلِين؛ وبعضها ممثلَين، وأخرى اختارت كل منها ممثلاً واحداً، بينما لم تدخل القرى التي ليست فيها حوّاشات ضمن عملية الاختيار. وبعد الإعلان عن قيام الجمعية والالتزام بالإجراءات القانونية، استُكمِلت الإجراءات بإشراف الجهات المختصة وبمتابعة المستشار القانوني لمحلية الدويم.
ويضيف عبد الله أنّ أعضاء الجمعية العمومية انتخبوا 11 عضواً للمكتب التنفيذي، وتسلّمت جمعية مشروع أم جر الزراعي شهادةً من مسجّل الجمعيات وباشرت عملها، مشيراً إلى أنها حقّقت في الموسم الماضي نجاحاً مقدّراً ونالت رضا المزارعين قبل أن تبدأ الترتيب للموسم الحالي.
الخلاف الحالي
إنّ شركة مشروع أم جر شركة مساهمة عامّة وليست مالكة للمشروع، ولا تملك الأرض ولا الحواشات.
ويقول عبد الله إنّ الجمعية فوجئت بدعوةٍ من مدير إدارة المشاريع بوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية، طارق ناصر، لاجتماع في أواخر يونيو 2026، تَلى خلاله قراراً شفهياً من والي الولاية بتكوين لجنة تسيير ثلاثية بحجّة وجود خلاف داخل المشروع. ويوضح أن أعضاء الجمعية راجعوا المستشار القانوني الذي أفاد بوجود مقترح من وزارة الزراعة رُفِع إلى الوالي وصادَق عليه دون الرجوع إلى الجمعية المعتمدة. ويشير عبدالله إلى أنّ الجمعية تقدّمت بتظلّم إلى الوالي، وأوضحَت أنّ لجنة التسيير الثلاثية لا تمثّل التكوين الجغرافي للمشروع لأنّ أعضاءها، ومن ضمنهم المستثمر، من القسم الشمالي لجزيرة أم جر، بينما لا يوجد ممثّل للقسم الجنوبي وهو الأكبر مساحةً. وقد استجاب المستشار القانوني للمطلب وجعل اللجنة رباعيةً، على أن تكون موسميّةً للفترة الصيفية فقط. ورغم تحفّظها، وافقت الجمعية بسبب ضيق الوقت وحلول مواقيت الموسم الزراعي، وجرى إعداد عقد مع المستثمر صبحي برير جعفر، والتوقيع عليه أمام المستشار ولم يتبقَّ سوى توقيع المستثمر. ويوضح الأمين العام لجمعية مشروع أم جر الزراعي أنّ المستثمر رفض التوقيع إلا بعد حذف العضو الرابع، وأعلن تنازله عن الاتفاقية ثمّ فوجئت الجمعية بعد يومين بتغيير العقد والاكتفاء بثلاثة أشخاص وتوقيع العقد دون علمها.
ويقول عبدالله إنّ ما حدث أثار احتجاجاتٍ وسط المزارعين، إذ شعروا بأنّ الأمور قد جرت عنوةً ودون رضاهم، مشيراً إلى أنّ الزراعة لم تبدأ حتى الآن، ولم تُفتح القنوات، ولم تبدأ أعمال التحضير على النحو الكافي رغم حلول الموسم الزراعي.
ويضيف قائلاً، إنّ شركة مشروع أم جر شركة مساهمة عامّة وليست مالكة للمشروع، ولا تملك الأرض ولا الحواشات، معزّزاً بدوره حديث عبد القادر وحامد من أنّ الشركة ماثلة أمام القضاء في قضية تصفية، وأن الاستئناف أعيد إلى محكمة الموضوع.
وفي السياق ذاته، يتحدّث لـ «أتَـر» عجيب إبراهيم أحمد، وهو من مزارعي مشروع أم جر، قائلاً إنه ليس عضواً في جمعية مشروع أم جر، لكنه قريب من لجنة التسيير الثلاثية ومساعِد لها، مؤكداً أن الجمعية قد كُونت بمتابعة المستشار القانوني وفقاً للإجراءات المتبعة، وأنّ كلّ 30 مزارعاً قد اختاروا ممثلاً لهم. ويفيد بأنّ مدتها خمس سنوات، مضت منها سنتان.
ويؤكّد عجيب ما سبق أن أشار إليه المزارع عبد القادر حول منشأ الخلاف بأنه بدأ منذ مشروع سكّر مشكور، وأنّ لجنة التسيير الحالية قد كُوّنت في مدينة الدويم بمتابعة مدير المشاريع بالدويم من ثلاثة أعضاء فقط بينما تضمّ الجمعية المنتخبة 11 عضواً. ويقول إنّ أعضاء الجمعية قد تحدّثوا بشأن قرار تكوين اللجنة مع وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية السابقة بالولاية، وصال الشيخ، وسلّموها صورةً منه، فأنكرت النسخة المكتوبة وأخبرتهم بأنّ القرار صدر شفاهة، وهو ما زاد من شكوك أعضاء الجمعية حول طريقة تكوين اللجنة التسييرية الثلاثية.
ويضيف عجيب أنّ المستشار القانوني كان قد توصّل إلى تسوية بشأن تكوين اللجنة التسييرية يمثِّل فيها جمعيةَ مشروع أم جر عضوان ويمثِّل شركةَ مشروع أم جر عضو واحد، مع إضافة ممثّل للقسم الجنوبي، وأنّ التوقيع على الاتفاق الأوّلي قد شمل أربعة أعضاء، قبل أن يرفض المستثمر، صبحي برير جعفر، العضوَ الرابع. ويرى عجيب أنّ إعادة ممثّل القسم الجنوبي إلى لجنة التسيير يمكن أن تساعد في حلّ الخلاف.
وتواصلت «أتَــر» مع المستثمر صبحي برير جعفر، ووجّهت إليه أسئلة حول ما ورَد في إفادات المزارعين وأعضاء الجمعية والشركة بشأن تكوين اللجنة الثلاثية، ورَفْضه إضافة العضو الرابع، ودَوره في إدارة الموسم الزراعي، إلا أنه لم يرد على استفسارات المجلة.
آثار الخلاف
وعن تأثّر أحوال الزراعة يقول عضو شركة مشروع أم جر عبد القادر محمد النور، في حديثه لـ «أتَــر» إنّ منظومة الري في المشروع تعاني من التدهور، ويعزو ذلك إلى غياب المختصّين في الريّ المدني، الذين كان من شأنهم ضبط المياه وتوزيعها ومنع التعدي على القنوات وجداول أبو عشرين. ويخبر بأن المشروع كان يخصِّص مساحة نصف فدان للقُرى لزراعة الخضروات، وكانت إنتاجيتها عالية جداً، بينما اختفت زراعة الخضروات حالياً.
ويقول عجيب إنّ المشروع كان في السابق يعمل طوال العام، أما حالياً فقد أصبح المزارعون يزرعون كلّ ثلاثة أعوام تقريباً محصول قمح طابت فقط، مشيراً إلى أنّ المشروع كان يزرع القمح في عامي 2014 و2015 إلى جانب محاصيل أخرى، وأنّ ضعف الإدارة والري أدى إلى تراجع الإنتاج، فضلاً عن أنّ تنظيف القنوات يحتاج إلى كرَّاكة، ويخلّ غيابها بالعملية الزراعية، لأنّ المزارعين ينتظرون الأمطار ثم تبدأ معاناتهم عندما تتسبّب المياه وانسداد القنوات في تلف الزراعة.
ويفيد عجيب بأنّ المزارعين في عهد مؤسّسة النيل الأبيض الزراعية قبل حلّها كانوا يزرعون الذرة في منتصف يوليو، والقطن في منتصف أغسطس، دون عطش، وأنّ المشروع كان يعمل وفق مواعيد زراعية محدّدة، بينما لا تُطبَّق القوانين حالياً على النحو المطلوب. ويشير إلى أنّ اتحاد المزارعين كان حينها يدير شؤون المزارعين مع مؤسسة النيل الأبيض، وأنّ حكومة الإنقاذ نفّذت قرار حّلها ثم أنشأت شركات لإدارة المشاريع لإبعاد الاتحاد من المشهد، بحسب روايته.
ويوضح عجيب أنّ الشركة الخضراء قد أُسِّست لإدارة عدد من المشاريع، ومنها شركة مشروع أم جر، وكانت مهمّتها جلب التمويل والأسمدة والتقاوي، قائلاً إنّ ضعف القدرة على سداد التمويلات أدى إلى تدهور أوضاع المشاريع ودخول بعض المسؤولين السجون، بحسب إفادته.
ويضيف أنّ مشروع سكّر مشكور الذي طُرح عام 2009، بإدارة عبد الحليم المتعافي، على مساحة 32 ألف فدان، ويضمّ جزءاً مقدّراً من مساحة مشروع أم جر، قد تلقّى قرضاً من الهند. وقد أيّد المزارعون في البداية هذا المشروع، قبل أن يتبيّن لهم ما وراءه من فساد، أودى لاحقاً في 2021 بعبد الحليم المتعافي وعوض الجاز، الذي كان وزيراً للطاقة، إلى المحكمة.
ويقول عجيب إنّ دراسة قد أجريت على التربة في أرض مشروع أم جر أظهرت، بحسب إفادته، أنها أفضل من تربة كنانة، لكنّ الخلافات حول مشروع السكر بدأت عام 2010، في عهد والي النيل الأبيض يوسف الشنبلي، وانقسَم الناس حيال المشروع إلى مؤيّدين ومعارضين. ويضيف قائلاً إنّ رئيس شركة مشروع أم جر كان من المؤيّدين، لذلك أبعده المزارعون من قيادة الشركة عام 2014، ثمّ خلَف الشنبلي والياً على النيل الأبيض عبد الحميد موسى كاشا، الذي أبعد أعضاء شركة مشروع أم جر، وشكّل لجنة تسيير تولّت إدارة المشروع لمدة عامين، قبل مجيء مستثمر لم ينجح في إعادة المشروع إلى سابق عهده.
بيارة أم جر - تحصلت عليها مًراسة أتَر
تعقيد الأزمة
ويرى المُزارع بمشروع أم جر الزراعي، عبد القادر خالد محمد، أنّ وزارة الزراعة كانت سبباً رئيساً في تعقيد الأزمة بعد أن أرسلت خطاباً إلى الوالي يشير إلى وجود انقسام بين زعماء أم جر. وينفي عبد القادر وجود انقسام بينهم قائلاً إنّ طلباتهم التي تقدّموا بها تخصّ إدارة المشروع، مشيراً إلى أنّ شركة مشروع أم جر الموجودة حالياً لا تضمّ سوى ثلاثة أشخاص هم الهادي بشير بلة، ومهدي رحمة، وآدم حمدوك، بينما يوجد 14 عضواً آخرين في الشركة. ويقول إنّ إسناد قيادة المشروع لشركة من ثلاثة أشخاص مقارنة بجمعية تضمّ 11 عضواً منتخباً تحطّ من قدر العدالة. ويؤكّد أنّ المشروع يضمّ 780 حوّاشة، وأن الجمعية المنتخبة مدّتها خمس سنوات مضت منها سنتان، وأن المزارعين يتمسّكون بحقهم القانوني في إكمال دورتهم.
ويضيف عبد القادر أنّ الشركة لم تقدّم شيئاً للمشروع منذ فترة طويلة بسبب محدودية إمكاناتها، مشيراً إلى أنّ رأس مالها الفعلي هو: الحوّاشة، والتمويل الموسمي الذي يحصل عليه المزارعون، ثمّ يعيدونه إلى البنك بعد نهاية الموسم.
واطّلعت «أتَــر» على شهادة تسجيل جمعية مشروع أم جر الزراعي، وشهادة مجلس إدارتها إلى جانب مستندات تتعلّق بتكوين اللجنة وإدارة الموسم الزراعي. وتُظهر الوثائق تسجيل الجمعية رسمياً وانتخاب مكتبها التنفيذي، وبينما يتمسّك أعضاء الجمعية بوضعها القانوني، يقول مزارعون إنّ لجنة التسيير التي شُكِّلت لإدارة الموسم لا ينبغي أن تكون بديلاً دائماً للجمعية، وإنها إذا كانت لجنة موسمية فيجب أن تقتصر مهمّتها على الموسم الذي شُكّلت من أجله.
ويخشى المزارعون أن ينعكس استمرار الخلاف على الموسم الزراعي الحالي، في ظلّ تأخُّر فتح القنوات وعدم اكتمال أعمال التحضير والري، مؤكّدين أنّ الزراعة ترتبط بمواقيت لا تحتمل التأخير، وأنّ أيّ تأخير قد يؤدّي إلى انخفاض الإنتاج.
التاريخ يقفز إلى الحاضر
ويسرد سعيد الأمين إبراهيم، أحد أبناء مزارعي مشروع أم جر، لـ «أتَـر»، جانباً من وقائع إنشاء مشاريع الإعاشة في 1940، قائلاً إنّ جزءاً من التعويضات التي دفعتها الحكومة المصرية، بعد أن غمرت مياه خزان جبل أولياء أراضي المزارعين، قد استُخدم لتعويض المزارعين بينما استُخدم المتبقّي منها في إنشاء البنية التحتية لمشاريع الإعاشة. ويوضح أنّ الأرض ملك للمزارعين معيّة أصول المشروع؛ والتي تشمل البيّارة وطلمبات الري ومنظومة الري والمكاتب والمستودعات والقنوات، مشيراً إلى أنّ شركة أم جر الزراعية قد أُسِّست عام 1996: «وهي شركة مساهمة عامة، وليست شركة خاصة بمزارعي المشروع»، موضحاً أنّ مِن حقّ أي سوداني المساهمة فيها. ويضيف أنّ الشركة لم يكن لها رأس مال نقدي مدفوع، وإنما جرى تقييم حوّاشات المزارعين وتقسيمها إلى أسهُم، وهو ما اعتبره سعيد مصدر خطورة في حال حصول الشركة على تمويل مقابل رهن الحواشات.
ويضيف سعيد قائلاً إنّ عدداً من المزارعين لم تكن لهم معرفة كافية بطريقة إنشاء الشركة، أو تقسيم الحوّاشات إلى أسهم، وأنّ شركة مشروع أم جر لم تمارس نشاطاً تجارياً منذ تأسيسها، ولم تحصل على تمويل مصرفيّ إلا في بعض مدخلات الإنتاج مقابل شيكات شخصية، فضلاً عن أنها لا تملك حساباً مصرفياً باسمها، ولم تعقد جمعيات عمومية بصورة صحيحة لعرض الميزانيات والحسابات الختامية، بحسب إفادته.
ويشير إلى أنّ لائحة تأسيس الشركة باعتبارها شركة مساهمة عامة لا تحوي نصّاً يخوِّل لها إدارة المشروع، قائلاً بهذا الخصوص، إنّ المزارعين طالبوا أكثر من مرة بعقد جمعية عمومية وانتخاب مجلس إدارة جديد دون استجابة. ويوضح سعيد أنّ هذه المخالفات أدت إلى رفع دعوى تصفية إجبارية أمام محكمة الدويم، التي أصدرت قراراً بتصفية الشركة قبل أن تستأنف الشركة القرار أمام محكمة الاستئناف في كوستي التي أيّدت حكم محكمة الموضوع، ثمّ رفعت الشركة استئنافاً أمام محكمة الاستئناف في ود مدني التي قَبلت الاستئناف، وأمَرَت بإعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع لإعادة المضيّ في الدعوى؛ مما يعني -تأكيداً لحديث سابقيه- أنّ القضية لا تزال أمام القضاء.
ويقول سعيد إنّ قرار التصفية أحدث فراغاً إدارياً في المشروع، وتبعاً لذلك جرى حراك وسط المزارعين انتهى إلى تكوين لجنة تسيير، على أساس التمثيل النسبي واعتمادها لدى وزارة الزراعة الولائية لمدة موسم واحد، مضيفاً أنّ اللجنة تعاقدت مع مموِّل للموسم 2024-2025. ووَصَف سعيد الموسم بأنه ناجح.
ويضيف أنّ لجنة التسيير طلبت التجديد لموسم ثانٍ، إلا أنّ المستشار القانوني بالمحلية أبلغَها بإيقاف تجديد لجان التسيير، وأنّ بإمكان المزارعين تسجيل جمعية للإنتاج الزراعي والحيواني، وبناءً على ذلك سُجّلت جمعية مشروع أم جر الزراعي.
ويوضح سعيد أنّ جهة التمويل السابقة، وكان شراكة بين مجدي خلف الله وموسى حسن بغدادي، قد اعتذرت عن تمويل الموسم التالي، فتعاقدت الجمعية مع مموّل آخر هو صبحي برير جعفر، لمدة ثلاث سنوات، مشيراً إلى أنّ أول موسم للمموّل الجديد كان ناجحاً أيضاً، وأنّ المزارعين لم يشهدوا خلال الموسمين خلافات تُذكر بسبب اعتماد الجمعية على التمثيل النسبي الذي جعل قرى المشروع ممثلة فيها. ويفيد بأنّ ثلثي مجلس الجمعية المنتخب كانوا أعضاء في مجلس إدارة الشركة التي جرت تصفيتها، وهو ما عدّه دليلاً على إمكان التوافق بين المزارعين بعيداً عن الخلافات السابقة.
ثلاثية أم رباعية؟
وعن الأزمة الحالية يقول سعيد إنّ ثلاثة أشخاص فقط، من مجلس إدارة الشركة المكوّن من 18 عضواً، تقدّموا بشكوى إلى وزارة الزراعة والوالي مع اقتراب الموسم الصيفي مطالِبين بعودة الشركة إلى إدارة المشروع استناداً إلى قرار محكمة الاستئناف، رغم أنّ القرار أمر بالمضيّ في دعوى التصفية. ويبدو أنّ هذه الشكوى هي الدافع وراء خطاب وزارة الزراعة إلى والي النيل الأبيض بشأن خلافات بين زعماء أم جر.
ويضيف سعيد أن وزارة الزراعة اقترحت تشكيل لجنة تسيير لموسم واحد تضمّ ممثلاً للجمعية وممثلاً للشركة وشخصاً محايداً، إلا أن الجمعية رفضت المقترح وتمسّكت بشرعيتها، ما دعا المدير التنفيذي لمحلية الدويم إلى استدعاء الطرفين وتشكيل لجنة وساطة اقترحت مجلساً من 15 عضواً، بواقع عشرة أعضاء من الجمعية وخمسة من الشركة، على أن يَختار المجلس لجنة التسيير، وألا توقِّع اللجنة أيّ عقد إلا بعد إجازته من المجلس. وقد طلبت الجمعية منحَها عضوين في لجنة التسيير مقابل عضو واحد للشركة، ووافقت لجنة الوساطة على ذلك، إلا أنّ التوصية لم تُنفَّذ فرَفعت الجمعية تظلّماً إلى رئيس الإدارة القانونية بالولاية الذي قَبِل التظلّم وأضاف عضواً رابعاً إلى لجنة التسيير. ويعزّز سعيد ما رواه سابقوه من أنّ الأعضاء الأربعة قد وقّعوا على القرار، قبل أن يرفض المموّل الجديد إضافة العضو الرابع ويتمسّك باللجنة الثلاثية. ويتساءل سعيد عن أسباب رفض المموّل إضافة عضو يمثّل الجمعية والمزارعين.
ويتفق سعيد مع حديث المزارع عجيب إبراهيم بأنّ إضافة العضو الرابع يمكن أن تساعد في متابعة العمل داخل المشروع يومياً باعتباره أميناً عاماً للجمعية، وله قاعدة واسعة وسط المزارعين، مشيراً إلى أنّ وجوده يمكن أن يساعد في حلّ الإشكالات التي تحدث أثناء عمليات الري بين المزارعين وإدارة الري.
ويرى سعيد أنّ الحلّ الجذري للخلاف يتمثّل في عقد جمعية عمومية للمزارعين في نهاية الموسم الصيفي، وطرح خيار الإدارة أمامهم ليختاروا بين الجمعية والشركة، معتبراً أن هذا الخيار يمكن أن يُنهي الخلاف كلياً.
مستقبل المشروع
وفي جانب آخر من إفادته، تحدّث سعيد عن مشروع سكّر القصب، قائلاً إنّ شركة أم جر الزراعية وقّعت في فبراير 2011 عقداً مع شركة مشكور للسكّر، لإدخال وزراعة سكر القصب في المشروع. وأوضح أن بعض أبناء المزارعين من ذوي الاختصاص أجروا دراسةً للمشروع ووجدوا، بحسب إفادته، أنّ التنوّع المحصولي أكثر جدوىً من حصر المنطقة في محصول واحد، مشيراً إلى محاصيل مثل القطن وزهرة الشمس والفول السوداني وفول الصويا والأرز والأعلاف.
وأضاف أن الدراسة أظهرت أنّ قصب السكر يستهلك مياهاً أضعافَ ما تستهلكه تلك المحاصيل، وأشارت إلى آثار بيئية وصحّية مرتبطة بحريق القصب، وما تفرزه صناعة السكر من مواد ضارة بصحة الإنسان والحيوان، خاصة أن جزيرة أم جر تضم 24 قرية وتحيط الأراضي الزراعية بالقرى من كلّ جانب.
وقال إنّ بعض أبناء المزارعين اقترحوا، خلال اجتماع مع وزير الزراعة آنذاك عبد الحليم المتعافي، استبدال زراعة قصب السكّر ببنجر السكّر، باعتباره أقلّ استهلاكاً للمياه والتربة، إلا أنّ المقترح لم يجد استجابةً؛ بحجّة أن ذلك يتطلّب إعادة النظر في تركيبة المصنع، وأن الوقت لا يسمح، مع الرغبة في البدء للاستفادة من متبقّي القَرْض الهندي.
وأضاف سعيد قائلاً، إنّ أبناء المزارعين اقترحوا أيضاً إقامة ورشة متخصّصة لدراسة المشروع من جميع جوانبه، بمشاركة مختصّين في الزراعة والتربة والمياه والري وصحة البيئة، والالتزام بما تنتهي إليه الدراسة سواءٌ أثبتت جدوى المشروع أم عدم جدواه، إلا أن هذا المقترح بدوره لم يجد استجابة. وبناءً على ذلك، قال سعيد، إن معارضة مشروع سكّر القصب جاءت بسبب مخاوف اقتصادية ومائية وبيئية وصحية، وليس رفضاً لمبدأ الاستثمار في المشروع.
ويرى سعيد أنّ الأولوية تتمثل في تأهيل منظومة الري، وإكمال إدخال الكهرباء لتشغيل طلمبتين، إلى جانب طلمبتين بالديزل في حال انقطاع التيار الكهربائي، مشيراً إلى أنّ استقرار الري سيَسمح بتنويع الإنتاج، وإدخال محاصيل مثل القطن والفول السوداني وزهرة الشمس والأرز وفول الصويا، إلى جانب الذرة والقمح والخضروات والبقوليات.
ويستبصر سعيد أنّ تطوير المشروع يمكن أن يشمل الزراعة المختلطة، وتربية وتسمين العجول والخراف والدواجن، وصولاً إلى الصناعات الخفيفة مثل صناعة الجِبنة ومعاصر الزيوت، مشيراً إلى أنّ إدخال الطاقة الشمسية يمكن أن يخفض تكلفة الري، لكنّه يحتاج إلى رأس مال كبير ومستثمرين لديهم خبرة في تمويل المشاريع الزراعية.



