في الطرق المُمتدَّة بين وادي العروس وجبل جاري، اللذين يقعان على الطريق الرابط بين مدينتي الخرطوم وشندي؛ وحتى حدود مدينتي أبوحمد ومروي شمالاً؛ يتحرَّك الأستاذ قاسم صالح، وهو شاعر ومسرحي، بدرّاجة نارية، حاملاً معه جوالات ملأى ببذور السدر، والعرديب، والدوم، والطلح، والسيّال، والهجليج، والقرَض، والكِتِر، والسَّلَم، والطلح، مُتتبِّعاً مجاري السيول والمناطق المُنخفضة ليغرس فيها الحياة من جديد، في نشاط غير تقليدي للتشجير وإعادة الغطاء النباتي الذي لحق به كثيرٌ من الدمار، بعد ندرة وغلاء أسعار الغاز وانقطاع الكهرباء خاصةً بعد الحرب الأخيرة، واعتماد الناس على الحطب المستجلَب من الخلاء.
كيف بدأت الفكرة؟
اغرس بذرة تغرس حياة
يُعرِّفُ قاسم صالح نفسه ببساطة لـ «أتَـر»: «أنا من رَحِمِ هذا الوطن المُتنوّع، هذا الوطن الشاسع، من ولاية نهر النيل شندي». ويحكي: «منذ وقت مُبكِّر لا أستطيع تحديده، اعتملَت بداخلي هذه الفكرة، لكنني، مُذ وَعيتُ وجدتُ نفسي مهتمّاً بالطبيعة والبيئة. وأنا في تجوالي وسفري، قبل الحصول على هذه الدراجة النارية، كُنتُ أضع كمية بذور قليلة معي وأنا على متن الباص السفري. وأحرص على أن أجلس بجانب الشباك وأرى المناطق التي (تُمسك) أو تحفظ المياه في الخريف، وأُشتّت البذور. وبعد أن حصلتُ على الدرّاجة النارية قرَّرتُ الاستفادة منها، وبدأت بالفعل في شراء كمية من بذور الأشجار السودانية الأصيلة مثل السِّدر، والهجليج، والعرَديب، والقرَض، فأحملها معي وأذهب إلى مناطق قريبة من شندي، وشيئاً فشيئاً بدأت أمدُّ المسافات حتى فكّرتُ في السفر من منطقة إلى أخرى. بدأتُ بإلقاء البذور في الطريق بين شندي و الدامر، على يمين ويسار طريق الأسفلت على طريق التحدي، وأستهدفُ المناطق التي تأتي عليها أنهُر مياه الأمطار أو مداخل السيول، فأتتبّعها وأبدأ غرس البذور وأكرّر نفس العملية عند الإياب».
ومنذ أغسطس 2024، تحديداً، بدأ قاسم تنفيذ الفكرة على نحو جدِّي؛ يُحفّز غيرَه ويبعثها في ذاكرة الناس بأنّ هذا المشروع يمكن أن يجري ذاتياً. يسأله مراسل «أتَـر»: ماذا تعني بـ «ذاتياً»؟ فيقول: «إذا تناولتَ كمية من النبق فاحتفظ بالبذرة، وإذا صنعتَ عصير عرديب فاحتفظ بالبذرة، وإذ اشتريتَ ثمار اللالوب أو الدوم فاحتفظ بالبذرة. وأثناء سفرك بالباص شتِّت البذور، وسيسخِّر الله الرياحَ لتأتي وتُحرّك هذه البذرة وتمشي إلى مكان ما وتستقرّ، وسينزل المطر ويتولَّى السقيا، وتنبت هذه البذرة».
«اغرس بذرة تغرس حياة»، هذا هو شعار قاسم صالح الذي يقول إنه سيستمرّ في هذا العمل حتى يرث الله الأرض، بقناعات تامّة، وبوعي ناضج جداً، وبمحبَّة وعون ذاتي، ويرى في ذلك مساراً سليماً، ودعوةً وتحفيزاً لغيره أن ينتهجوا هذا المفهوم ويكتسبوا منه المعرفة ويُنفّذوا الفكرة، عسى أن تتطوَّر على نحو أشمل، وتعود إلى البلاد خضرتها ومناخها وتنوّعها، مثلما تحتضن التنوّع في الجانب البشري.
خلّوها واقفة وحَيّة
يرى قاسم أنَّ المشكلة في القطع الجائر. وفي تجواله يُقدِّم النصح لسكَّان القرى بأن يكتفوا بقطع الأغصان المُنحنية والميتة للاحتطاب دون اجتثاث الشجرة من جذورها. يردّد: «خلّوها واقفة وحيّة. وإذا في زول بيقطع، بالمقابل لازم يكون في زول بيزرع. هذه معادلة لا تحتمل الجدال».
وعن صعوبة السفر بالدراجة النارّية، يقول قاسم صالح، إنه ليس يسيراً، خاصة في طرقات السودان، لكنه يَسهل على من هو منسجم فكرياً ووجدانياً ونفسياً؛ فهذا الثلاثي يُسقِطُ حسابات التعب والمستحيل، ورغم ألم الجلوس الطويل، فالسفر متعة وتأمّل وتغذية للروح. وتُصادِفُ قاسم أثناء ترحاله مواقف كثيرة: السائقون والمارة في الخلاء، يتوقف بعضهم بدافع الفضول ويسألونه عما يفعل فيشرح لهم ويُهديهم بذوراً ليغرسوها. ويحثّهم قائلاً: «إنْ قامَتْ، إن شاء الله أجرك عظيم، وإنْ ما قامت أجرك عظيم، والنية واصلة، أنت أغرس هذه الشجرة. جات فيها نملة، ركَّت فيها ذبابة، أكلَتْ منها، أكل منها حيوان، انتفع منها إنسان، في النهاية لو ما حصل دا كله، بتدِّينا أوكسجين مفيد للحياة، وتمتصّ الكربون المُضرّ بالحياة».
يُرحّب كثيرٌ منهم ويَسْعدون بالأمر وبعضهم يسخر أو لا يهتمّ. يقول قاسم: «أحياناً تمرّ قوات أمنية للتمشيط ويسألونني، وهذا واجبهم، فهم يرون شخصاً يتوقف في خلاء، وبعد معرفة المقصد يقدّمون الدعم المعنوي ويشيدون بالفكرة». ويضيف: «لا تواجهني مشاكل سوى الحاجة أحياناً إلى تبديل الإطارات، وأتحرّك دائماً بالاحتياطات اللازمة، فأنا مُستمتع ولا أشعر بـوعثاء السفر، وأحمل ما أحتاجه من قهوة وشاي، حتى لا يكون هناك ما يعوق هذه الرحلة».
شاهد الطبيعة ومسرحها
في عام 1996، كوّن قاسم صالح مجموعة للمسرح باسم «أطفال نبتة» للموسيقى والمسرح في مدينة شندي؛ وهي فرقة استعراضية غنائية تُعنى بالبيئة وإبراز التنوّع الغابي في السودان، وعن طريق المسرح أيضاً عبّروا عن قضايا البيئة والطبيعة، والمناخ، والجغرافيا. يقول قاسم: «أول نصّ كتبتُه هو مسرحية «حِرِب الحراز للمطر»، دمجتُ فيها الخرافة بالحقيقة العلمية عن الشجرة، وكان التعريف من خلال الأداء الدرامي والأداء التعبيري لهذه المسرحية، بعدها كتبت مسرحية «بحر التراب» لتتحدّث عن الزحف الصحراوي والقطع الجائر وخطورة الزحف، وتغيُّر المناخ، وأنّ السبب الرئيس في ذلك هو الإنسان. بعدها انتقلت إلى ما يُسمّى «مسرح الفرجة»، وأقمت برنامجاً سَمّيته «لكلّ طفل شتلة وكتاب»، ومسرح الفرجة تجوال عفويّ عبر البراحات، والأحياء، والزقاقات، والفسحات، وميادين الكرة؛ والهدف منه التربية الجمالية للأطفال، وهو مشروع للتغيير الثقافي والمجتمعي. نحمل معنا كمية من الشتول وكمية من الكتب، ونقدّم كبسولات تثقيفية عن التشجير وأهمّية الشجرة، ونوزّع الشتول للأطفال هدايا ومعها كتب قصصية، ونُحفّز الأطفال، فالطفل الذي يأخذ الشتلة نُحفّزه بأنْ نقدّم له هدية إن رعاها في الشهر الأول، وكذلك في الشهر الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا، ولا يزال هذا البرنامج يعمل».
جمع قاسم صالح بين الشعر والدراما والتمثيل وحبّ الطبيعة، هكذا يقول حينما سأله مراسل «أتَـر»، «كيف جمَع بين ذلك كله؟» : «الكون نفسه مسرح؛ الله سبحانه وتعالى خلّق هذا الكون، بكلّ هذا الجمال المتنوّع والمتناهي في طبيعته وفي مناخه وفي تنوّعه من هضاب وجبال وأنهار ومحيطات، وجعل الإنسان الممثل الأول الراقي الذي أرسله خليفة منه إلى هذه الأرض لعمارتها، وأن يكون إضافة إلى الجمال الإلهي، فالإنسان ابن البيئة، والمسرح أبو الفنون، ومن الطبيعيّ إذن أن تكون هنالك ضرورة حتمية لأنْ يرتبط هذا المسرح بقضايا البشرية والإنسانية، وأنْ يظلّ هو النافذة التي من خلالها نشتل بذور الوعي والمعرفة والإدراك الجمالي؛ لإضافة ما هو جميل على الجمال الكوني المُسخَّر للإنسان». ويضيف: «أدَّى دمار البيئة أو التعدِّي عليها وعلى الطبيعة بما هو معروف بالقطع الجائر للأشجار، والتطوُّر المادّي على حساب الطبيعة والبيئة، إلى خلل في التوازن البيئي، وظهرت بعد ذلك كثير من الكوارث التي بدأ الإنسان يعاني منها وهو سببٌ رئيس فيها؛ لذا فالعلاقة بين الفنّ والطبيعة لا تنفصل، خاصةً المسرح باعتباره (آدم الفنون)، وغايـة الإنسان هي السعي إلى إعادة إعمار الأرض، وأن يبتكر ويُبدع لخير العالم أجمع، وأنْ نُوجِد التوازن لنعيش جميعاً في أمان، لأنّ الشجرة هي رمز الحياة وجوهر الوجود، وإذا حافظنا على هذا القطاع الاخضراري سنجعل من هذا الكون منزلاً كبيراً يحوي الإنسانية على نحو متوازن ورائع، وكثيراً ما أدخل في تفاصيل التأمّل، والتفكر، وهذه كلها إشارات أقرها الله سبحانه وتعالى في قرآنه: «أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ»، «أَفَلَا تَتَدَبَّرُونَ»، «أَفَلَا تَنظُرُونَ»، «أَفَلَا تُبْصِرُونَ». والرسول الكريم قبل أن تأتيه الرسالة كان يخلو بنفسه ويغوص في كثير جداً من دوائر التأمّل والتفكّر في هذا الكون وهذا الخلق. وتكوَّن في نفسي حُبُّ المسرح منذ المراحل الدراسية المختلفة، ومن خلال المناشط المدرسية والجمعيات الأدبية، والاحتفالات السنوية والدورات المدرسية. ونما لديّ هذا الشغف وكَبُر هذا الحبّ للمسرح، وتطوَّرتُ فيه، واستصحبتُ معي البيئة؛ لأنني وصلتُ إلى الوعي الكامل بأنّ المسرح نافذة للوعي، وللتعلُّم والإدراك الجمالي، فبدَأتْ هذه التمازجات تدعم بعضها بعضاً، وبدأتُ أبعث رسائل داخل المدارس ورياض الأطفال عبر المسرح؛ أزرع البذرة داخل ذاكرة الأطفال وهم صغار ليتحوّلوا إلى عناصر إنسانية إيجابية، وليست عناصر مخرّبة لهذا الجمال الإلهي الكوني».
اغرس شجرة تغرس حياة
الفن بأشكاله كلّها من موسيقى، وشعر، ومسرح، وتشكيل، هو رسالة يجب استغلالها في ما ينفع الإنسان، والطبيعة، والوطن، والبيئة.
قبل الحرب كان لمبادرة قاسم ارتباط بالهيئة القومية للغابات في الخرطوم؛ إذ يبرمجون سنوياً في الإجازات للتجوّل في ولاية من ولايات السودان، وكانوا قد نفّذوا معها من قَبل هذا البرنامج في 14 ولاية.
يقول قاسم: «أنا حالياً في رحلة إلى مرَوي، وقابلتُ مدير الغابات بها، ورحَّب بالفكرة ووعَد بالمساهمة بكمية من البذور الخلوية؛ لكي أنثرها في طريق العودة إلى شندي، ومن مرَوي سأذهب إلى طريق جزيرة تناوي شرقي كريمة، ومعظم الأراضي فيها حجرية أو رملية، وبالسلسلة الجبلية الممتدة فيها مَجارٍ لمياه الأمطار، وداخل هذه السلسلة كمية من الأشجار الشامخة والضاجّة بالحياة وسأذهب إلى هذه الجبال حتى أغرس بداخلها مزيداً، ومنها سأنتقل إلى دنقلا ثم إلى وادي حلفا».
يرى قاسم أنّ الفن بأشكاله كلّها من موسيقى، وشعر، ومسرح، وتشكيل، هو رسالة يجب استغلالها في ما ينفع الإنسان، والطبيعة، والوطن، والبيئة. ويعمل حالياً على كتابة نصوص ومسرحيات ذات بُعد بيئي، منها مسرحية «بؤرة بيئية» وأغنية «الموت» ونصّ درامي آخر بعنوان «تلّ الرماد»، فضلاً عن نصوص شعرية مستمَدة من تفاصيل البيئة والمناخ والجغرافيا والأرض، إذ ينوي تنفيذ توثيق درامي لحكاية رحلته البيئية بالدراجة النارية.
يقول: «بدأتْ فكرتي تستقطب إعجاباً ومساهماتٍ عينية ومادية من مباِدرين مشجّعين، وربما مع انفتاح الفكرة تصبح مؤسّسة أو منظمة بيئية مستقبلاً، ومشروعي القادم هو إقامة مشاتل داخلية، وتأسيس جمعيات زراعية بالمدراس، وتكوين مجموعات مسرح إضافية، وإطلاق برنامج «صحّتنا في فهمنا» للتوعية بخطورة المشروبات الغازية والأغذية المُصنّعة».



