أتر

دفتر أحوال السودان (135): غرق في الجزيرة وعطش في أم درمان

المناقل والحصاحيصا: الأمطار والسيول وكسور الريّ تتسبَّب في دمار منازل القرى

مراسل أتر

اجتاحت سيولٌ عارمةٌ مدينةَ عِبُود بولاية الجزيرة، يوم الأحد الماضي، وسبقَتها أمطار غزيرة يومي الجمعة والسبت الماضيين. وقال شهود عيان من المنطقة الواقعة على بعد 20 كيلومتراً شرقيّ المناقل و35 كيلومتراً غربي مدينة ود مدني عاصمة الولاية، لمراسل «أتَـر»، إنّ السيول القادمة من الاتجاه الجنوبي الغربي، من أعالي هضبة المناقل وجبال «سَقَدي ومُويا»، قد اجتاحت أحياء بالمدينة وقطعت الطريق الرئيس الرابط بينها ومدينة المناقل، وأعِيدت صيانته وربطه لاحقاً.

وأضاف شاهد عيان من مدينة عِبود لمراسل «أتَـر»، أنّ المياه غمرت أجزاء من السوق الرئيسة بالبلدة، متسبّبة في انهيار عدد من المتاجر والمرافق بالسوق. بينما ذكر نائب رئيس لجنة طوارئ الخريف بمدينة عِبُود، مزمل محمد أحمد، لـمراسل «أتَـر»، أنّ حصيلة متضرّري السيول حتى الثلاثاء 11 أغسطس، بلغت أكثر من 45 منزلاً ومتجراً، لافتاً إلى أنه لم تصلهم أي مواد إغاثية حتى الآن، وذلك على الرغم من الوضع الصحي المتردّي عقب الأمطار والسيول، مطالباً بتدخّل السلطات الولائية لإغاثة المتضرّرين.

كانت اللجنة العليا لطوارئ الخريف بمحلية المناقل، قد تفقّدت في جولة ميدانية أضرار السيول بمنطقة عِبود، معلنة تعرّض 20 منزلاً لانهيار كلّي وجزئي. وأشارت اللجنة إلى أنّ أكثر المباني تضرّراً هي الواقعة بمحاذاة مجرى السيل.

وأفاد فكري القاسم، ويقطن حي أم بَجِيك جنوب المدينة، مراسل «أتَـر»، بأنّ المياه تحاصر الحي من جميع الاتجاهات، وسط ظروف صحّية وَصَفها بالمتردّية، خاصةً بعد انهيار جزء من الحمّامات البلدية، وإنّ عدداً كبيراً من المنازل بات آيلاً للسقوط في أي لحظة، بسبب محاصرة المياه للمنطقة من جميع الاتجاهات، بجانب الانتشار الكبير للذباب والبعوض وغيرها من نواقل الأمراض، مطالباً لجنة الطوارئ بتوفير طلمبات لشفط المياه وتعقيم البرك ودفنها.

وفي قسم المنسي مكتب راس الفيل، غُمرت قرية الكبير، التابعة لوحدة العزازي الإدارية بمحلية المناقل، بمياه الأمطار، والمياه الزائدة عن سعة المصرف المخصص من قبل إدارة مشروع الجزيرة لتصريف فائض مياه الري، والذي يمر بجوار القرية.

وقال عمر العجب، أحد سكان القرية لـ «أتَـر»، إنّ المياه غمرت جميع المنازل الواقعة غرب القرية، ما أدى إلى سقوط بعض المنازل، مناشداً الجهات المسؤولة أن تتعجّل في إنقاذ المنكوبين، كما طالب إدارة مشروع الجزيرة بتطهير المصرف من الحشائش والطمي؛ حتى تنساب المياه نحو مكانها الطبيعي.

وفي 5 أغسطس، غمرت مياه الأمطار الغزيرة والسيول وفيضانات قنوات الري الكبرى بمشروع الجزيرة، قرية الفريجاب، التابعة لمحلية الحصاحيصا بالوحدة الإدارية طابت. وقال شهود عيان من قرية الفريجاب لـ «أتَـر»، إنّ 90% من مساحة القرية غمرتها المياه، بجانب تلف ودمار كامل للمحاصيل الزراعية مثل الذرة والقطن والفول السوداني. ولفت أحد سُكّان القرية النظر إلى أنّ المنازل الطينية أصبحت آيلة للانهيار في أي لحظة فوق رؤوس ساكنيها، بينما تمتلئ المنازل المؤسسة بالأسمنت بالمياه عن آخرها.

وأطلقت غرفة طوارئ الحصاحيصا نداءً، لإغاثة المنكوبين في المنطقة، في بداية الأسبوع الماضي، واصفةً الأوضاع بالقرية بأنها كارثية، مشيرة إلى أنّ العائلات والأطفال يعيشون وسط المياه المتراكمة التي تحيط بالمنازل والمدارس، ولفتت إلى غرق المساحات الزراعية وتلف المحاصيل بالكامل، الأمر الذي يهدّد بمعاناة معيشية حادة. كذلك، أخبرت الغرفة بتصدُّع وتضرّر جدران المنازل مع قلة الإمكانات ومحاولات الأهالي البدائية لتدارك الأزمة، داعيةً لتوفير آليات وشاحنات لشفط المياه وإقامة السواتر الترابية، بجانب توفير سلال غذائية ومساعدات إغاثية عاجلة للأسر المحاصرة، وأدوية ومستلزمات طبية ومطهرات لمكافحة الأوبئة ونواقل الأمراض ومواد إيواء (مشمعات، خيام، وأفرشة) للمتضرّرين.

وقالت لجنة التسيير والخدمات بالمنطقة لـ «أتَـر»، إنها قدّرت عدد المنازل المنهارة بأكثر من 120 منزلاً بصورة جزئية، بجانب 40 منزلاً بصورة كاملة، إضافة إلى تلف ودمار مساحة 300 فدان مزروعة بمحاصيل زراعية مختلفة.

وذكر عضو بلجان التسيير والخدمات، فضّل حجب اسمه لـمراسل «أتَـر»، أنّ مزيداً من المنازل قد تنهار في الأيام القادمة، كاشفاً أنّ جميع الأراضي الزراعية التي غمرتها المياه خرجت عن دائرة الإنتاج في العروة الصيفية، مُطالباً الحكومة بتعويض المزارعين الذين فقدوا محاصيلهم بمدخلات إنتاج للموسم الشتوي.

وأضاف عضو اللجان، أنّ الانتشار المخيف للذباب نهاراً، والبعوض ليلاً، يَشِي بتفشٍّ واسع للوبائيات والأمراض في الفترة القادمة إنْ لم يُتدارك، داعياً السلطات لإعطاء الأمر عنايتها الكاملة، وتوفير مطلوبات الحماية والوقاية ورشّ المبيدات بنحوٍ عاجل.

وقال عضو بغرفة طوارئ الحصاحيصا لـ «أتَـر»، إنّ الأوضاع لا تزال سيئة للغاية، مُضيفاً: «عَلمنا من سكّان القرية أنه قد أُحضِرت كرّاكة من مشروع الجزيرة، وسدّت الكسور، ثم أُحضِرت كرّاكة أخرى وتعمل الآن على إقامة ساتر ترابي حول القرية».

وعبّر العضو عن رضاهم عن الحملة التي قادوها للتبصير بمعاناة أهل القرية، مشيراً إلى أنّ المناشدة من غرفة طوارئ الحصاحيصا وجدت صدىً كبيراً، ما أجبر السلطات على التدخّل لمعالجة الكسور، ويُضيف: «في الوضع الذي تتوقف فيه الدولة، سنتدخل ونواصل نحن بقية العمل».

واستعرضت نجوى محمد، مدير قسم الطوارئ، في اجتماع مركز عمليات الطوارئ الذي انعقد في وزارة الصحة بولاية الجزيرة، حجم الأضرار التراكمية الناجمة عن فصل الخريف بين 12 مايو و11 أغسطس 2026، وأوضحت أنّ 503 أُسرة في 57 منطقة بالولاية قد تأثرت بالأضرار، «بينما بلغ عدد المنازل المتأثرة كلياً 206 منازل، و241 منزلاً متأثراً على نحو جزئيّ، إضافة إلى تأثر 6 مرافق صحية كلياً و23 جزئياً، كما سجلت 9 إصابات وحالة وفاة واحدة خلال موسم الخريف».

أم درمان: العطش يحاصر السكّان

مراسلة أتر

تشهد مدينة أم درمان أزمة مياه حادة، جراء توقّف الآبار الجوفية في مناطق الثورات وأمبدة والإسكان الشعبي؛ بسبب انقطاع الكهرباء المستمر لأكثر من 20 ساعة في بعض المناطق، ولأكثر من ثلاثة أيام في مناطق أخرى داخل محليات أم درمان وكرري وأمبدة.

وبحسب سكّان من مختلف أحياء أم درمان، فإنّ هناك تجاهلاً وإهمالاً واضحين من الجهات المختصة للأزمة، وتوقفت معظم الخدمات الحيوية، كاشفين عن أن أم درمان تعيش هذه الأزمة منذ شهور، لكنها تفاقمت في الآونة الأخيرة إثر العطل الذي طال كهرباء سد مروي، وتسبّب في انقطاع التيار الكهربائي في عدة ولايات. وشكا السكّان من غياب أية حلول من قِبل الجهات الحكومية، معتبرين أنّ الحكومة قد اكتفت ببرمجة قاسية زادت من معاناتهم.

يقول آدم أزرق، من سكّان المدينة، إن أزمة المياه تتفاقم في ظِّل انقطاع الكهرباء، مشيراً إلى أنه يضطر يومياً لشراء ما يقارب (6 أجواز) من المياه، التي تُجلب عبر عربات الكارّو بأسعار تتراوح بين 5 و 10 آلاف جنيه للجوز الواحد، بينما بلغ سعر البرميل 40 ألف جنيه، ويصل في مناطق أخرى إلى 50 ألفاً، مؤكّداً أنّ الأسعار في تصاعد مستمر. وشكا سُكّان أحياء الثورات ممن وصفوهم بتجار الأزمات من أصحاب «الكوارّو»، إذ بلغ سعر برميل المياه 70 ألف جنيه؛ ما دفع بعضهم للعزوف عن الشراء لضيق ذات اليد.

وأكّدت آمنة عبد القادر، لمراسلة «أتَر»، أنّها تعاني من شحّ المياه منذ عدة أشهر، ورغم تقديمها شكوى للجهات المعنية، لم تجد أية استجابة لحلّ مشكلتها حتى الآن، ما يضطرّها لنقل المياه من مسافاتٍ بعيدة، على الرغم من أنّ ذلك يشكّل عبئاً صحياً وإهداراً للوقت.

أما سليمة جاد الله، العائدة من خارج السودان، فقد عبّرت عن إحباطها ومُفاجأتها من تردي الأوضاع المعيشية، مُشيرةً إلى أن الأجدر بالجهات المعنية تهيئة المناطق، وحلّ المشكلات الأساسية من مياه وكهرباء لضمان استقرار السُّكان. وكشفت فاطمة أحمد، عن حادثة انقطاع للتيار الكهربائي أثناء خضوع ابنها لعملية جراحية، ما أثار ذعرها وزاد من توترها وخوفها، واضطر الكادر الطبّي إلى استخدام الكشاف لمواصلة العملية. وتشكو سارة الريح، وهي مريضة بالفشل الكلوي، من تداعيات انعدام المياه والكهرباء على حالتها الصحية، مطالبةً الجهات المعنية بإيجاد حلول عاجلة لإنقاذ حياتها.

وأوضحت الأستاذة أم كلثوم، مديرة إحدى المدارس بالثورات، لمراسلة «أتَر» أنّ أزمة المياه والكهرباء أثرت سلباً على سير العملية التعليمية، إذ اضطرت إلى إرجاع التلاميذ إلى منازلهم بسبب غياب المياه وارتفاع درجة الحرارة.

بينما رفض طلاب في المرحلة الثانوية تحدّثوا لـمراسلة «أتَـر»، حضور الحصص الدراسية احتجاجاً على انعدام مياه الشرب، وخرجوا من فصولهم في احتجاجات داخل المدرسة، كما امتنع بعض المعلمين عن التدريس للسبب ذاته.

وكشف عدد من السُّكان ظهور حالات إصابة بالإسهال المائي، والكوليرا بسبب تلوّث المياه؛ إذ تُنقَل في براميل حديدية صدئة لا تخضع للتنظيف والتعقيم، ما يخلق بيئة ملائمة لنمو الطحالب، فضلاً عن ذلك يجري تعبئتها من مصادر مجهولة وغير آمنة من تُرع وتجمّعات مائية، وتُترك البراميل مكشوفة؛ ما يسبب الأمراض المعوية والتيفويد، إلى جانب أمراض الكلى الناتجة عن تراكم الأملاح.

Scroll to Top