أتر

حول معنى المنتدى الثقافي: حينما كانت المدينة في قبضة الأصدقاء

مُذ بدأت البذور الأولى للتخلّق الوطني السوداني، في العقود الباكرة من القرن العشرين، في أحضان الصالونات الأدبية، ظلَّت المنتديات الثقافية رافداً أصيلاً للتفكير الوطني والسياسة والمجتمع والصحافة؛ بجانب أنها إحدى الحيَل التي اتخذتها الحركة الوطنية السودانية باكراً في التمويه على نشاطها السياسي، لتُشكِّل عبر عقودٍ تلَت فضاءً لإنتاج الأفكار وتداوُلها ومقاومة التسلُّط. وبمرور عقود ما بعد الاستقلال، وتعاقُبِ الحكومات الوطنية، سواء كانت عسكرية جاءت بانقلابٍ، أم ديمقراطية نتجت عن ثورة، مارَسَتْ المنتديات دَورها التنويري المُقاوِم في مدن وأنحاء السودان المختلفة.

ها نحن ذا نبدأ حلقات لقصص توثيقية للمنتديات الثقافية في الخرطوم وأم درمان وبحري منذ مطلع التسعينيات، مُستعينين بما أمكن من شهادات حول أثر المنتدى الثقافي ومعناه في الحياة العامة. وهنا في الحلقة الأولى ضمن هذه السلسلة، نسرد كيف شكَّل المنتدى الثقافي حيوات الأفكار في المدينة، حين كانت – رغم كلّ شيء – في قبضة الأصدقاء، أو كما قالت قصيدة عتيقة للشاعر الصادق الرضي.

جزيرة المثقّفين

عندما أطلَّ صباح الثلاثين من يونيو 1989 على السودان، أضحت البلاد والناس في أمر آخر؛ ربما خُيِّلَ للبعض أنه انقلاب سياسي عابر، قد يُقتل في مَهده، أو لا يستمرّ طويلاً؛ لكن تلك الاحتمالات بدأت تَخْفُتُ شيئاً فشيئاً، وسنة بعد سنة؛ لتحلَّ محلها حالةٌ من «الذهان الجماعي»، كما أطلقت عليها الشاعرة والكاتبة نجلاء عثمان التوم، حيث ساد العنف السياسي تلك الحقبة، مُتمثّلاً في تحويل حرب الجنوب إلى «حرب دينية»؛ كما شهدت البلاد عنفاً اقتصادياً كان أبرز مآلاته طغيان سياسات الخصخصة وتجريف القطاع العام، ما أدّى إلى بروز طبقة اقتصادية جديدة وتهميش الطبقة الوسطى، مع توسُّع العنف الطلابي في الجامعات، بالترافق مع الرقابة الاجتماعية المُشدَّدة على النساء. وطالت عمليات الفصل الجماعي التي أجراها النظام الجديد المثقّفين، الأمر الذي أدّى إلى انقطاع التقاليد الثقافية السالفة، إذ غادر كثيرٌ منهم البلاد أو توفوا، مثل الدكتور محمد عبد الحي والدكتور علي المك.

وسط كلِّ ذلك، كانت المُنتديات بمثابة «جزيرة» يهرب إليها المثقفون من العنف الخارجي، عُنفٌ يُعاد إنتاجه داخل النصوص الإبداعية، كما تقول نجلاء عثمان التوم في حديثها لـ «أتَـر»؛ والتي تصف المنتديات الثقافية خلال فترة التسعينيات بأنها كانت أشبه بمُؤسَّسة مغلقة على أناس بعينهم، نتجت اضطرارياً عن نمط العسف والتجريف الذي منع تنظيم فعاليات ثقافية أو ندوات شعرية رسمية على نحو طبيعي. وتقول: «لم تكن للمنتدى في ذلك الزمان جغرافيا ثابتة، إنما يُوجد حيثما أمكن تبادل النصوص والأفكار»؛ وتضيف: «وسط ذلك وجَدْنا في ذلك الزمان رموزاً حافظت على استمرارية الفعل الثقافي مثل عبد الله شابو، ومحمد الربيع محمد صالح، وعيسى الحلو، وغيرهم. وارْتَدْنا مواقع مُهمّة في إنتاج المعنى الثقافي في مدينة الخرطوم كساحة «أتينيه» بعمارة أبو العِلا، وكانت قريبة من النبض العسكري والاقتصادي في خرطوم ذلك الزمان، وكذلك منتدى الإنمائية الذي عاصرنا فيه أسماء مثل الصادق الرضي وعاطف خيري وبابكر الوسيلة، وقد ورثوا الشعلة الثقافية التي خمد وميضها مع انقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو 1989 على الحكومة المنتخبة بقيادة الصادق المهدي».

تقول نجلاء، إنّ منتدى ذلك الزمان كان المكان الذي يخترع فيه الكُتَّاب هويّاتهم في ظلّ انهيار المؤسّسات الرسمية، وهو كذلك المكان الذي يُمثِّل مؤسسةً تجري فيها العملية الثقافية بدَورتها الكاملة، حيث كان الكُتّاب أنفسهم الجمهور الذي يستهلك ويقرأ تلك الأعمال.

وفي السياق ذاته، يقول الروائي والشاعر والمسرحي عادل سعد يوسف، إنَّ المنتديات الثقافية مثَّلت مركزية ثقافية في فترات مختلفة من تاريخها، إذ عزَّزَتْ كثيراً من القيم الثقافية والفكرية والجمالية. ورغم جهدها الأهلي وما يعتورها أحياناً من خطابات مُتباينة وملتبسة، وفّرت حاضنةً لكثير من العقول النقدية، وأصبحت أحد المؤثّرات المحفّزة لأجيال كاملة على القراءة والتدارس، وعلى الكتابة أيضاً.

الشاعر عبدالله شابو والكاتبة كلتوم فضل الله

ويضيف صاحب رواية «أتبرا خاصرة النهار»، في حديثه لـ «أتَـر»، أنّ المنتديات، خلال فترات مختلفة، باتت حاضنةً اجتماعية؛ لأنّ معظم روّادها هم ممن يتعارفون شخصيّاً ويتقاربون فكريّاً وثقافيّاً، وبنَت جسوراً من التواصل ظلّت مضيئة، كما أنها شكَّلت مُجابَهة ثقافية في ظلّ النظام السياسي الإسلاموي الذي ضيَّق الفضاء الثقافي عبر إغلاق المراكز أو اعتقال الشخصيات الفاعلة، واستطاعت بعض المنتديات استقطاب جمهور يتميّز بالجدّية والاهتمام.

«كانت الخرطوم آنذاك تشهد حراكاً ثقافيّاً محموماً، وكان الشعر عظيماً ووهّاجاً، وكانت المقاربات النقدية على أشُدِّها، وشكَّلَتْ مختلِفُ المدارس النقدية الحديثة حضوراً مُعتبراً، تَمثَّل في منتديات مثل «البشير الريح» ومنتدى جمّاع الذي أُسِّس في مركز شباب بحري، ومنتدى النجيب، ومنتدى العوّام، الذي سُمِّي لاحقاً باسم القاص الراحل زهاء الطاهر، ومركز عبد الكريم ميرغني، ومنتدى مركز شباب أم درمان، ومنتدى إشراقة»، يقول عادل.

وقبل أن ينخرط في المشهد الثقافي بالخرطوم، يصف الكاتب والشاعر والمترجم، حامد بخيت، نفسَه بأنه نشأ في كنف المنتديات التي شهدها وشارك فيها في الجزيرة بوسط السودان، ومدينة الأُبيّض بشمال كردفان، منذ دراسته للمرحلة الثانوية بمدرسة الطلحة الزراعية بولاية الجزيرة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وكانت مدرسةً قوميةً يؤمُّها الطلاب من ربوع البلاد، وحتى دراسته الجامعية بجامعة كردفان في النصف الثاني منها.

«كانت المدارس القومية توفر نظاماً اجتماعياً وثقافياً صارماً إلى جانب الأكاديميات. وكان لكلّ داخلية أسبوع تقيم فيه نشاطاً ثقافياً للتنافس مع الداخليات الأخرى بإشراف الأساتذة. وقد جمَعت المدارس طلاباً من أقصى جنوب السودان ودارفور إلى وادي حلفا والبحر الأحمر، وأتاحت الروابط الإقليمية، أن يقدِّم كلُّ إقليم ثقافتَه، ما خلق مزاجاً سودانياً مشتركاً يعترف بالآخر ولا يلغيه»، يقول بخيت لـ «أتَـر».

وفي الأبيّض، التي قضى فيها سنوات دراسته الجامعية، انخرط بخيت في منتدى كردفان الثقافي، وليالي فرقة فنون كردفان، ليلتقي بكبار كُتّاب المدينة وفنّانيها من مثل محمد عثمان الحلاج، والزين بانقا، وعبد الوهاب أحمد، وهاشم العبيد مجذوب، والراحل زهاء طاهر. ويوضح بخيت أنّ منتديات ذلك الزمان خلقت جيلاً قادراً على التعامل مع المراجع الكبرى في العلوم السياسية والاجتماع دون انبهار سطحي بالأسماء، إنما بالمعرفة نفسها وقدرتها على الاستجابة للواقع المحلي.

الوردة بعد الخراب

بدأت فترة الخراب العظيم، كما يسمّيها القاص والكاتب عمر دفع الله، بتوقف مكتبة أم درمان المركزية عن أداء أدوارها التاريخية في العام 1990، وكان منتداها الدَّوري أبرزها. يقول عمر لـ «أتَـر»: «شهدنا توقّف هذا المنتدى، وانتقل أعضاؤه إلى مكتبة البشير الريح عند افتتاحها في العام في 1992، لتشهد نشاطاً محموماً».

هكذا إذن بدأت المنتديات تنتظم في مدينة أم درمان، وحتى منتصف التسعينيات كانت قد نهضت منتديات مثل منتدى إشراقة، ومنتدى أحمد المرتضى أبو حراز، ومنتدى المحامين، ومنتدى مجموعة الثورة والمهدية الذي كان يؤمُّه شعراء وقصّاصون وصحافيون أبرزهم محمد نجيب محمد علي، سعد الدين إبراهيم، التيجاني سعيد، مصطفى سند، محمد عثمان عبد النبي، منّ الله الطاهر، وأصبحت دار الأخير بحيّ الحتّانة شمالي أم درمان الأخير داراً المنتدى. ويذكر عمر في حديثه لـ «أتَـر» من المنتديات التي نشطت خلال تلك الفترة منتدى السيدة المغربية سعاد مستغفر؛ زوجة سعود البرير، بمنزلها غرب البوسطة، ومنتدى جامعة التقانة بالملازمين، ومنتديات مركز شباب أم درمان: منتدى الشعراء الشباب، ومنتدى الغناء الحديث، ومنتدى الغناء الشعبي.

وبالقرب من مبنى البوسطة التاريخي بأم درمان، وعلى مسافة لا تتعدّى الثلاثمائة متر منه جنوباً، وداخل مبنى عمارة الشيخ إدريس، التي تعجّ بمكاتب المحامين، ينشط منتدى المحامين، داخل مكتب لا تتعدّى مساحته 20 متراً مربعاً، وقد عُرف باسم آخر هو «منتدى محمد صديق المحامي».

وعن تاريخ المنتدى، يقول الكاتب والقانوني وأحد منظّمي منتدى المحامين، مصطفى بابكر، في حديثه لـ «أتَـر»، إنه أُسِّس في 1985، في أجواء انتفاضة مارس أبريل، واستمرّ نشاطه حتى العام 2018. ويسترسل بابكر في تحوّلات المنتدى منذ الثمانينيات وحتى توقّفه: «أُسِّس المنتدى بعد أجواء ثورة أبريل في مكتب المحامي عبد المجيد إمام، قبالة مدرسة وادي سيدنا الثانوية بأم درمان، وقد ساهمت في تأسيسه مجموعة من المهتمّين من ضمنهم محمد صديق المحامي، وكان المنتدى حينئذ يقتصر على مناقشة القضايا والمسائل القانونية بمشاركة المحامين». يضيف بابكر: «لاحقاً، انتقل المنتدى إلى مكتب محمد صديق بعمارة شيخ إدريس، بالقرب من مطبعة الأديب ومبنى عمارة الجُزَلي الشهيرة جنوب البوسطة، وفي هذا المكتب بدأ المنتدى بجلسات أسبوعية متنوعّة تشمل المسائل الثقافية والفكرية وأخرى قانونية، حتى أصبح منتدىً ثقافياً كلياً».

وبجانب تخصّصه في القانون، فإنّ محمد صديق، صاحب المقر، مثقّف وقاصّ ومترجم للأدب الأفريقي نُشرت ترجماته في الصحف والملفات الثقافية. وبحسب بابكر، فإنّ عدداً من الفاعلين الثقافيين كان لهم دَور مهمّ في إدارة دفة المنتدى، واستقطاب الكُتَّاب والفنانين، ومنهم الكاتب عبد المنعم الكتيابي، الذي يَذكر بابكر دَوره في الواضح في تأسيس منتديات أخرى مثل منتدى مكتبة البشير الريح ومنتدى إشراقة. يضيف بابكر: «كان وقتها شعلة من النشاط والفاعلية والحركة الدؤوبة في المشهد الثقافي».

وكذلك يذكر بابكر، من رواد المنتدى، الشاعر والصحفي عبد اللطيف المجتبى، والناقد د. هاشم ميرغني، والشاعر محجوب كبلّو، وماريا أبو القاسم، وفؤاد عبد الرحيم، وأحمد أبو حازم، وفيصل بابكر، وسيف الدولة عطا الشيخ، ومحمد إبراهيم آدم، وحسن خليفة، وقمر دفع الله، وعبد المجيد عفيفي، ومهدي آدم، وأحمد رُمبا.

يقول بابكر: «كان يجري اقتراح الجلسات أسبوعياً، ومن ثمّ تحوّلت إلى ملفّات قد تستمر إلى ستّ أو سبع جلسات، ودفع ذلك المهتمّين إلى تقديم أوراق علمية أو نقدية لتثبيت المادة، والتمكّن من مناقشتها موضوعياً وعلمياً، وتسهيل نشرها في الصحافة الثقافية». ويضيف: «هكذا تدرَّج الأمر حتى أصدر المنتدى نشرة شهرية تُنشر فيها الأوراق المقدَّمة، إضافة إلى مواد إبداعية. سَمَّينا تلك النشرة «كتابات»، وأسَّسْنا هيئة لتحريرها، وكانت تُوزَّع في المراكز الثقافية الوطنية والأجنبية، ونرسل منها نسخة إلى دار الوثائق، وقد استمرّت شهوراً قبل أن توقفها السُّلطات بإخطار رسميٍّ طالَبَ إدارة المنتدى بتسجيل الإصدارة في المصنّفات، وهو ما واجَه المنتدى ذاته لاحقاً حين طُلب منه التسجيل، وهو السبب الذي أُوقف به منتدى مكتبة البشير الريح أيضاً، رغم أنه لا يوجد قانون أو مكتب مختصّ بتسجيل مثل هذه المنتديات».

ناقش منتدى المحامين قضايا شائكة في الأدب واللغات والاجتماع والسياسة، يَذكر منها بابكر ملفاً عن منظور الثقافة لدى الأحزاب السياسية في 2006، وشاركت فيه حوالي سبعة أحزاب وقدَّمت من خلال الملفّ مناظيرها للثقافة والإنتاج الإبداعي، إضافة إلى ملفّ حول منهجَي اللغة العربية والإنقليزية في المرحلة الثانوية، وملفّات أخرى تختصّ بمسائل الرواية والترجمة، ومشكلات النشر وصناعة الكتاب. يقول بابكر: «تحدّثنا حول الهوية وقضايا الهامش، وتجربة عيسى الحلو خلال أربعين عاماً من الكتابة، واستضاف المنتدى معظم رموز الشعر والرواية والقصة».

«تفاعل المنتدى مع القضايا العامة، وخاصة القانونية، مثل مناقشة مادة حقوق المؤلف وقوانين الشركات، وأقمنا أيضاً جلسات حول الدستور ناقشت دستور 98 ودستور 2005 من خلال أوراق قدّمها الأساتذة محمد صديق وكمال الجزولي والشعراني. كذلك تناولنا قضايا النشر، مثل قانون المصنفات الأدبية، واستضفنا الأمين العام للمصنّفات وقتها البشير جمعة سهل، والشاعر التيجاني حاج موسى، وناقشنا قوانين الصحف»، يقول بابكر، ومن ثمّ يضيف: «حاولنا استعادة المنتدى بعد رحيل الأستاذ محمد صديق لكن الدعوات لم تنجح، وأنا أعزو ذلك إلى الواقع السوداني المتماوج، خاصة بعد سقوط نظام البشير، وربما لم يحس الناس بالأمان اللازم لاستعادة منابرهم».

منابر سرديّة

في صحيفة «الخبر» السودانية التي صدرت في العام 2005، بعد أن خفَّفت السُّلطات قبضتها قليلاً نتيجة للتحوّلات التي أحدثتها اتفاقية نيفاشا، التي أنهت حرباً أهلية استمرّت ربع قرن بجنوب السودان، التقت مجموعة من الكتاب ضمّت محمد خير عبد الله، وليد إسماعيل حسن، أحمد أبو حازم، التقِي محمد عثمان، عاصم الصويم، وأحمد عوض، وعامر حسين وآخرين. كانت تلك المجموعة تلتقي بالأصل في أماكن مختلفة مثل الجامع الكبير بوسط الخرطوم الذي كان سُوره لسنوات تجمُّعاً لفرّيشة الكتب والكُتّاب والصحافيين، ومنتدى البشير الريح، ومنتدى أولاد أم درمان، ومنتدى المحامين، وغيرها من المنتديات.

يقول الكاتب والصحفي والناقد عامر حسين لـ«أتَـر»، إنّ المجموعة قرَّرت تأسيس النادي واقترحت مُسمّى «نادي القصة»، لأنه لم يسبق في تاريخ السودان تأسيس نادٍ بهذا الاسم، رغم وجود مجلة سابقة تحمل الاسم نفسه لعثمان علي نور. ويضيف القاص عاصم الصويم، الذي أدار فعاليات النادي منذ تأسيسه حتى 2015، أنّ الروائي محمد خير عبد الله اقترح أن يكون النادي تحت مظلّة أندية اليونسكو، وقد سُجِّل بهذه الصفة بالفعل، برئاسة محمد خير نفسه، واعتمَد في بداياته على تحليل القصص المنشورة في الملفات الثقافية للصحف السيّارة، وكان الروائي والقاص عبد الغني كرم الله أول مستضافيه، واتخذ من مباني اليونسكو بالخرطوم شرق مقرّاً للفعاليات، قبل أن ينتقل نشاطه بين عدة أماكن منها دار اتحاد الكتاب السودانيين، ومركز مهدي للفنون، وصولاً إلى الساحة الخضراء عام 2015. وكان للمنتدى جمهور وفيٌّ من النقّاد والمثقّفين مثل عز الدين ميرغني، ود. أحمد الصادق برير، ومجذوب عيدروس، والشاعر عبد الله شابو، كما استضاف النادي أسماء كبيرة مثل د. بشرى الفاضل، وجمال محجوب، وليلى أبو العلا.

لاحقاً استحدث النادي برامج مختلفة مثل برنامج «شاهد على العصر» لتوثيق خبرات سودانية في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والمجتمع، واستضاف شخصيات مثل التشكيلي إبراهيم الصلحي، والمفكّر حيدر إبراهيم علي، والسياسي التجاني الطيب، والكاتبة الصحافية آمال عباس. كما حرص المنتدى على استضافة الأصوات الشابة في مجال القصة القصيرة والسرد ومنها الطيب عبد السلام، ومحمد حمد، إضافة إلى الكاتبات مثل استيلا قايتانو وسارة الجاك التي كانت عضوةً نشطةً منذ التأسيس.

يقول الصويم إنّ المنتدى الذي كان يُعقَد كلّ خميس استمر طوال عشر سنوت بجهد طوعي وبلا إمكانات مادية، متحدياً العراقيل، حتى أن البعض كان يرى أن عمل نادي القصة يتفوّق على عمل الأحزاب السياسية التقليدية.

تزامَن منتدى آخر في المشهد السردي السوداني مع منتدى نادي القصة، وهو منتدى السرد والنقد، وأُسِّس في العام 2003، بحسب حديث القاص والروائي الهادي علي راضي، بمبادرة من الروائية والمسرحية زينب بليل بهيئة إذاعة ولاية الخرطوم، لكنه لم يُسجَّل رسمياً إلا في العام 2011.

يقول راضي الذي تولّى رئاسة إحدى دَوراته في حديثه لـ «أتَـر»، إنّ نشاطات المنتدى بدأت بإذاعة ولاية الخرطوم، ثم انتقلت إلى مباني المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون في الخرطوم شرق لمدة عام، ثم إلى مركز الدراسات السودانية، ثم انتقلت إلى منزل الأستاذة زينب بليل، حتى استضافت المنتدى المستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالخرطوم منذ العام 2007. ونَظَّم عبر إذاعة الخرطوم منافسة لكتابة القصة القصيرة للشباب، وقدَّم جوائز لأفضل القصص القصيرة برعاية المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون، وشارَك بعض أعضائه في منافسات محلية وإقليمية ونالوا جوائز متقدّمة. وناقش المنتدى العديد من الأعمال الأدبية في الرواية والقصة القصيرة والنقد، ونَشِط في تنظيم ورش مستمرة للكتابة الإبداعية في الرواية والقصة القصيرة؛ فضلاً عن ندوة شهرية يناقش خلالها أعمالاً أدبية في القصة القصيرة والرواية.

ودُشّنت من خلال المنتدى عشرات الروايات والمجموعات القصصية. وحاول المنتدى فتح كوّة للحوار والتثاقف فنظّم عدداً من الندوات والجلسات الحوارية، مستضيفاً عدداً من القصّاصين والروائيين منهم محمد خير الحسن، عبد العزيز بركة ساكن، وعبد الغني كرم الله، وأحمد أبو حازم، وأسامة الشيخ إدريس، وسارة الجاك.

وشارَك المنتدى مع المؤسّسات الأخرى مثل مركز الخاتم عدلان للتنمية والاستنارة البشرية، ومركز الدراسات الثقافية (نبت)، ونادي القصة السوداني، والنادي السوداني للكتاب، ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، واتحاد الكتاب السودانيين، ومعهد جوته الثقافي بالخرطوم، والمجلس القومي للآداب والفنون.

من شعراء منتدى البشير الريح - حوالي منتصف التسعينات

ظلّ منتدى المحامين علامة ثقافية حاضرة، لفترة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، لكنه تزامَن أيضاً مع نشاط منتديات أخرى، مثل منتدى إشراقة الذي تنقَّل مقرُّه بين منزلَي الشاعرين الشقيقين عبد القادر وعبد المنعم الكتيابي، إضافة إلى منتدى أبوحراز بالملازمين، وكان مُخصَّصاً للمسائل الفكرية وقُدِّمت فيه أوراق في قضايا حساسة جداً وضمّ حضوراً نوعياً؛ فضلاً عن نشاط منتدى مكتبة البشير الريح بحي الهاشماب الأمدرماني، الذي يقول مصطفى بابكر إنّه أُسس قُبيل تأسيس المكتبة نفسها بحدائق القصر، لينتقل إليها بعد مدة قليلة من تأسيسها، وكان للكاتب عبد المنعم الكتيابي دَور مُهمّ في ذلك. وكان من حضور منتدى حدائق القصر حينها الشعراء عبد المجيد عفيفي، وأزهري محمد علي، ومحجوب الحاج، وعفيف إسماعيل، وعبد القادر الكتيابي، وانتقل الجميع لتأسيس نشاطهم في مكتبة البشير الريح، في السادسة مساء كل اثنين، عقب تأسيس المكتبة في مارس 1992، وكان يُقدِّم قراءات شعرية ومناقشات شفهية. وقد مرّت بالمنتدى أجيال من الشعراء والقصّاصين والتشكيليين والمُنتدين، مثل صديق أنصاري، وعيسى عبد الله، وعبد المجيد عفيفي، وإبراهيم البِكري، وكمال الحاج، ويحيى الحسن، وأحمد طه أمفَريب، ود. أحمد صادق برير، ونصّار الحاج، والسر السيد، وفتحي البحيري، ومحمد الصادق الحاج، وعادل تنقو وحسن خليفة، ونجم الدين علي جمعة، وعمر محمد الحاج، وخالد ميرغني، ومرّ بالمنتدى أيضاً الصادق الرضي، وعثمان بشرى، والطيب برير، ومهدي آدم حسين، وعاصف مأمون، وأبوبكر علي عبد المجيد، وبابكر سلك، وعمر علي عبد المجيد، ومن الفنّانين ياسر تمتام وأحمد شاويش وعاصم الطيب.

وفي ذلك يشير الكاتب عمر دفع الله إلى أنّ عضوية هذه المنتديات كانت متداخلة مع بعضها البعض: «كان الأستاذ محمد صديق المحامي مؤسِّساً لمنتدى المحامين، وهو كذلك عضو قائد بمنتدى إشراقة، وكان الكاتب عبد المنعم الكتيابي، وهو أحد مؤسسي منتدى إشراقة، مسؤولاً عن النشاط الثقافي بمكتبة البشير الريح ومؤسّساً لمنتدى كلية التقانة، كذلك كان الشاعر والقاصّ محمد عثمان عبد النبي أحدَ مؤسِّسي منتدى الثورة المهدية، وعضواً فاعلاً بعدد من المنتديات الثقافية الأخرى». ويضيف دفع الله أنّ استمرار هذه المنتديات في تلك الحقبة حافَظ على تقاليد ثقافية مهمة للغاية، إذ إنها أتاحت للمثقّفين أن يتجمّعوا في مكان واحد في ظروف قاهرة تعمل كلها ضد هذه التجمّعات، وكانت البلاد قد شهدت أكبر موجة هروب للمثقّفين الفاعلين من البلاد بعد استيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة، وإغلاق دُور ثقافية مثل المكتبات الكبيرة والصغيرة ودُور النشر، وكانت في معظمها حديثة وأنشئت بعد سقوط نظام مايو، مثل دار النسق والفارابي وشهدي عطية والوسيلة، ولم يكن عمرها قد تعدّى الثلاث أو الأربع سنوات، كما أُغلقت الصحف والمجلات، وهاجرت جريدة «الخرطوم» إلى القاهرة ومعها عدد كبير من الصحافيين والكتّاب وعمّال الصحف.

محمد جمال (ميدو) وحاتم الكناني وسليمان محمد سليمان

ويعتقد دفع الله أنّ استمرار هذه المنتديات قد ملأ فراغاً كبيراً وجابَه تجريفاً ثقافياً عظيماً، فالراصد لنتائج تلك المنتديات القريبة والبعيدة يجد أنها استطاعت أن تسدِّد في مرمى الثقافة، وأن تُكسِب عدداً من الكتّاب والشعراء والفنانين ثقة كبيرة في تجاربهم الإبداعية، واستطاعت أن تنتزع مساحات لا بأس بها. يقول دفع الله: «لو بدأنا في إحصاء عدد الكتّاب والشعراء الذين أفادوا واستفادوا من هذا المنتديات لما استطعنا التوقّف، لكن لا بأس من طرح بعض الأسماء البارزة في مجالات الكتابة والتنظير، من أمثال فتحي البحيري، وعثمان بشرى، والطيب برير، ومحجوب كبلو، وسعادة عبد الرحمن، حتى جيل مأمون التلب وحاتم الكناني ومحمد الصادق الحاج». وفي باب القصة والرواية، يذكر دفع الله الكتّاب محمد خير عبد الله، ومنصور الصويم؛ وفي الكتابات النقدية والنظرية د. هاشم ميرغني، ومصطفى بابكر، وعامر حسين، وفي المسرح مختار الدعيتر، ومجموعة قسم الدراما بقصر الشباب والأطفال. 

ورغم ما قد يعتري المشافهة من تحريف أو زيادة أو نقصان، يؤكّد دفع الله أنها السمة الغالبة على المنتديات، ويعتبرها وسيلةَ تواصل حيّة، وتُعدّ «بمثابة متاحف طبيعية لحفظ التراث الثقافي». ويستشهد بتجربة الشاعر والقاص والروائي فتحي البحيري واصفاً إياها بأنها نتاج مباشر لتجربة المشافهة خلال المنتديات، إذ تتيح للمرء أن يمتلك قدرة مذهلة على استقاء المعلومات عبر السماع والحوار المباشر. يقول دفع الله: «لهذا السبب، كان فتحي ميالاً للنشر في المواقع الإلكترونية، لأنها الأقرب إلى روح المشافهة حيث تتدفّق الفكرة وتُنشر فوراً، بخلاف الكتابة الورقية التي تتطلّب مراجع وتقاليد صارمة، وبهذا يمكن وصف بحيري بأنه شاعر عظيم و«مُشَافِه عظيم» أيضاً، وهذه السِّمة هي التي جعلته متميزاً في تلك الأوساط».

الشاعر محمد حسين في اليوم العالمي للشعر 2014

ازدهار الثقافة الجماهيرية

لم يمنع التخصّص المعقّد للدكتور المهندس علي حمدان في مجال الديناميكا الحرارية، ولا مسؤولياته الجسيمة بحكم عمله أستاذاً في عدد من الجامعات السودانية، ولا حتى التزاماته الأسرية العريضة من بَذْل الوقت والجهد والمال لتأسيس واحد من المنتديات الثقافية المؤثرة بحي الحاج يوسف. وبحسب ما أفاد الروائي والقاص جمال غلاب، أحد رواد المنتدى، قد استدعى ذلك أيضاً على حمدان عبء مقارعة السُّلطة بمستوياتها المختلفة، ومع ذلك نجح في تأسيس المنتدى، وحوَّله إلى منبر مرموق أتاح لأهالي المنطقة التعرّف على مشاريع إبداعية تقف خلفها أسماء لها حضورها الملموس في المشهد الثقافي العام، كما كانت للشباب حصّتهم في تلك الاحتفالية الثقافية الراتبة.

أُسِّس منتدى حمدان الثقافي في العام 2002، ومنذ نشأته الأولى، بحسب ما يروي غلّاب لـ«أتَـر»، سعى إلى الشمول في التعاطي مع الشأن الإبداعي والفني، إذ اتّسمت الفعاليات التي ظلّ المنتدى يرعاها بالتنوّع، ورغم أنّ فنون الموسيقى والغناء نالت نصيب الأسد في البدايات، إلا أنّ عطاء أهل المسرح والدراما وَجَد طريقه إلى هذا المنبر جنباً إلى جنب مع الشعر والفنون التشكيلية والسرد، وصولاً إلى ليالٍ حضر فيها الفنّ السابع، عروضاً وندوات، وإلى جانب ذلك كلّه لم يغفل المنتدى الفنون السردية فأفرد لها ما تيسّر من بَراحات. «ظلّ مسرح مدارس حمدان الكائنة بمربع 14 بالحاج يوسف هو المنبر الذي تتالت عليه الفعاليات منذ العام 2002 إلى حدود عام 2006″، يضيف غلاب، الذي يرى أنّ أحد أسباب نجاح المنتدى في البدايات هو توافر منطقة الحاج يوسف على عدد مقدَّر من المبدعين الذين التفوا حوله وعملوا على إنجاحه واستدامة أنشطته، وبعضهم نشأ في الحاج يوسف وقليلٌ منهم قَدِموا إلى المنطقة بعد أن صاروا أسماء يشار إليها بالبنان. يَذكر غلاب من هؤلاء العندليب الأسمر الراحل المقيم الفنان زيدان إبراهيم الذي كانت ليلته الغنائية بمعية الموسيقار عمر الشاعر حدثاً فريداً وتجسيداً حيّاً للِقاء النجم بجمهوره. يضيف غلاب: «تتالت الليالي التي جمعت النجوم بالجمهور فاستضاف المنتدى الشاعر المرحوم عبد الرحمن مكّاوي صحبة المرحوم حمد الريح، وينبغي أن نشير إلى أن مكّاوي كان يقطن في الحاج يوسف منذ السبعينيات بينما حلّ بها زيدان أواخر الثمانينيات. كذلك احتفل أهالي المنطقة بالشاعر التجاني حاج موسى، والفنانين محمود تاور، ومحمد سلام، ومجاهد عمر، وأسرار بابكر. أما سكّان الحاج يوسف أمثال محمد حامد جوار، ومحمد إبراهيم عباس (جبار)، وصلاح ميرغني، وصلاح حريقة، وكامل معاطي، وحسين أونسة، وزكريا العطبراوي، وعبد المنعم النذير، وعثمان حسن، وغيرهم ممن برعوا في مجالات الشعر الغنائي والتلحين والغناء؛ فقد مثّلوا العمود الفقري للمنتدى، وساهموا أيضاً في إحياء ليالي المنتدى شعراء من أمثال وهيب بكري، وإيمان آدم، وعثمان أحمد سعيد، ومحمد عبد المتعال الكتيابي. ولا ننسى حضور أهل الدراما من أبناء المنطقة مُمَثَّلين في المرحوم مجدي النور، وعبد السلام جلود، ومحمد صالحين».

ومن أبرز السينمائيين الذين ساهموا في المنتدى، يَذكر غلاب المخرج وجدي كامل الذي جمعته الزمالة الأكاديمية بالدكتور علي حمدان بالاتحاد السوڤييتي سابقاً، ومن التشكيليّين الكبار الذين استضافهم المنتدى غير مرة المرحوم علاء الدين الجزولي الذي كان يُدرِّس مادة الفنون لطالبات وطلاب مدرسة حمدان الثانوية، ومن الشعراء المعروفين استضاف المنتدى مدني النخلي، وأزهري محمد علي، ومحمد الحسن سالم حميد، وتاج السر الحسن الذي ظلّ مقيماً بمربع تسعة بالحاج يوسف ردحاً من الزمن. واستضاف المنتدى جماعةً من أهل الدراما في أكثر من فعالية، من بينهم عبد الرحيم قرني، وزهير عبد الكريم، ومعاوية قمر الشريف، وغيرهم. ويضيف غلاب أنّ المنتدى قد أفسَح مساحةً لا بأس بها للندوات الجماهيرية، تلك التي تناولت قضايا عامّة مثل تهجير السكّان بسبب تشييد السدود، ومَخاطر انسحاب الدولة من دعم قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، والعنف القائم على النوع بدارفور. وقد شاركت في هذه الندوات طائفة من الأكاديميين وأهل الإعلام.

كان راعي المنتدى يتكفّل بتغطية الاحتياجات اللوجستية للمنتدى، ومن بينها طباعة اللافتات والكتيّبات التي يجري توزيعها أثناء الفعاليات، وتقديم المرطبات، وترحيل المشاركين، والحصول على التراخيص اللازمة لإقامة الفعاليات، وما إلى ذلك.

يقول غلاب: «من ناحية شخصية، هذا المنتدى وغيره من المنابر التي توفّرت لنا بالحاج يوسف، أضافت لي ولغيري الكثير، وأقلّ ما يمكن ذكره الصداقات التي استمرّت إلى يومنا هذا؛ صداقات جمعتني بشعراء ودراميين ومُغنين أفذاذ، وأيضاً كفلت لنا هذه المنتديات فرصة حقيقية للتعرّف – وإنْ على نحو جزئيّ – على معنى الثقافة الجماهيرية، ما يُخْرِج الفاعلين المثقّفين، سواءٌ أكانوا شعراء أم كتّاباً أم باحثين أكاديميين، من الإطار النمطي الذي ينحبسون فيه لأسباب متباينة، إلى ساحات اللقاء المباشر مع جمهور متعطّش للمعرفة والحوار والاستمتاع بالفنون كافة. والأهمّ من ذلك، أكّد لي منتدى حمدان أنّ النشاط الثقافي الأهلي الذي يتصدّى له مخلصون من خارج الدوائر الرسمية، تتوفّر لمثله فرص في النجاح والاستمرار والتأثير أكثر من تلك التي ترعاها دوائر رسمية قد تقعد بها البيروقراطية وحسابات الربح والخسارة وصراعات المصالح عن الانطلاق».

ولا ينسى غلاب، في حديثه، الروابطَ الطلابية التي كانت تقوم بما تقوم به المنتديات، لا سيّما رابطتا طلاب الحاج يوسف بجامعتي الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم، إذ استضافت تلكم الروابط في عقد التسعينيات ليالي شعرية محضورة أحياها عاطف خيري، والصادق الرضي، وحافظ خير، وعبد الله الزين، وعثمان بشرى. ويذكر من قادة تلك الروابط المهندس عثمان أحمد حسن، وكان رئيساً لرابطة طلاب جامعة الخرطوم، رفقة زميله المهندس عوض الله عمر. ويواصل غلاب: «أما جامعة الفرع (جامعة القاهرة فرع الخرطوم، التي حُوّلت في 1993 إلى جامعة مستقلّة باسم جامعة النيلين)، فقد تولّى الشأن الثقافي بها ولزمن غير قصير التجاني الفكي وهو حامل دكتوراة في اللغة العربية، ومن أشهر شعراء الليالي الروابطية تلك التي استضافت محمد نصر الدين كتّية، ولاحقاً إبراهيم البِكري. وفي وقت لاحق أنشأ طلاب جامعات الجزيرة وأم درمان الأهلية وأم درمان الإسلامية وجامعة السودان روابطَهم بالحاج يوسف. ومن الشعراء الذين ساهموا في تلكم الروابط: عبد الرحمن عمر من الجامعة الإسلامية، ومنير عبده من جامعة الجزيرة، وكان للشاعرة إيمان آدم خالد حضور مميّز في ليالي الحاج يوسف الشعرية في مختلف منتدياتها».

يُسرٌ بعد عُسر

لقد شهدت الفترة التي أعقبت اتفاقية السلام بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، التي أسفرت عن فترة انتقالية استمرّت حتى استفتاء مواطني دولة جنوب السودان في مطلع العام 2011، حراكاً ثقافياً واسعاً تحت مظلّة هامش الحريات الذي أتاحته الاتفاقية، فنشأت منتديات في أطراف العاصمة ووسطها، منها منتدى الأديبات السودانيات بحدائق الأسكلا الذي كانت تقيمه رابطة الأديبات السودانيات، ومنتدى زهاء الطاهر الذي أسّسه التشكيلي الرائد إبراهيم العوّام بوسط الخرطوم، في غاليري كان يعرض فيه أعماله، ونشاطات رابطة الكتاب السودانيين، ونادي الشعر برئاسة الشاعر عبد الله شابو، ومنتدى عِدْ حسين، ومنتدى مدرسة الأميرية بأمبدة، ومنتدى المصنّفات الأدبية والفنية، ومنتدى حسن الزبير بمركز شباب أم درمان، وندوة عبد الله الطيب التابعة لمعهد العلامة عبد الله الطيب، إضافة إلى منتديات مثل ألق الحروف التابع لمؤسسة أروقة للثقافة والفنون، وغيرها من المنتديات التي كانت تشغل معظم أيام الأسبوع.

يصف حامد بخيت حراك الخرطوم الثقافي، بعد العام 2005، بأنه حراك واسع، ويرى أنّ المنتديات لم تكن محض ترف، بل هي التي أطلقت «شرارة المقاومة الأولى»؛ لأنها علّمت الناس كيفية طرح الأسئلة الجوهرية ومُساءَلة الواقع، ووفّرت هذه المساحات التواصل والتعارف اللازمَيْن للتفكير في التغيير وإنتاجه، إذ لا يمكن إحداث تغيير دون «فتح السؤال» الذي أنتجته تلك المنتديات.

بدأ نشاط منتدى المصنّفات الأدبية في مكتب الشاعر الغنائي التجاني حاج موسى، في العام 2002، حينما مديراً إدارياً بالأمانة العامة للمصنّفات الفنية والأدبية، بالقرب من مباني الإذاعة السودانية، حيث كان يستضيف مجموعة من الشعراء الشباب حينها. ولاحقاً استُغلّت حديقة مبنى المصنفات لإقامة المنتدى المركز في الحديقة، وأصبح منتدىً شاملاً وكبيراً على أوسع نطاق في حديقة المصنّفات، وجرى ذلك رسميّاً عندما تولّى الحاج موسى منصب الأمين العام، فأصدر قراراً بإنشاء المنتدى، وكلّف الشاعر إسماعيل الإعيسر بإدارته.

استمرّ المنتدى حتى العام 2006، حين جرى طرد مرتادي منتدى المصنفات الأدبية، من قِبل السُّلطات. وفي العام نفسه، أنشئ منتدى حسن الزبير في مركز شباب أم درمان، بمبادرة من شعراء كانوا أعضاء في منتدى المصنّفات. ويُعدِّد الشاعر هاشم الجبلابي الذي شهد تلك الفترة في حديثه لـ «أتَـر»، أبرز الأسماء التي برزت من خلال منتديَي المصنّفات وحسن الزبير، قائلاً: «منهم جهاد جمال، الحسن عبد العزيز، محمد الأمين النور، ابتهال مصطفى، أبوبكر الجنيد، أسامة تاج السر، متوكّل زروق، رحاب الشريف، وجدان صباحي، وغيرهن وغيرهم».

منذ العام 2004، نشط منتدى الأميرية في إحدى المدارس الخاصة بمحلية أمبدة، تخليداً لذكرى مدرسة الأميرية العريقة بالمنطقة، بعد أن اقترح المعلم هيثم سنجاوي على زملائه من المعلّمين المهتمّين بالفنون والآداب في عدة مدارس من المحلية، إقامة منتدى راتب لمناقشة مختلف القضايا، لكنْ في اليوم المحدّد لضربة البداية لم يحضر المعلّمون الذين دعاهم سنجاوي، الذي يقول إنه في انتظاره قدومهم وصلت مجموعة من الشعراء الذين سمعوا بإعلان الفعالية، فأقاموا الفعالية الأولى.

يقول سنجاوي في حديثه لـ «أتَـر»: «إنّ أحد أهداف المنتدى كان تطوير المواهب في الشعر والموسيقى والغناء، فتحوّل المنتدى إلى ورشة مستمرّة كل يوم اثنين، وقدّم عدداً من الشعراء والفنانين المجودين، وأزعم أن كثيراً منهم تطوروا في مجالاتهم في فترة وجيزة». ويضيف: «كان أحد الأهداف أيضاً إعلاء قيمة الحوار والمشاركة، ومن ثمّ اقترحنا أياماً اجتماعية لرواد المنتدى كلّ يوم جمعة، وكان فرصة لاكتشاف مواهب أخرى»، ويواصل: «طرَحْنا أيضاً فكرة تقديم أوراق في القضايا الاجتماعية والثقافية، وبطبيعة الحال تتداخل هذه المجالات مع السياسة، واستضفنا عددا كبيراً من الكتّاب لمناقشة تجاربهم».

ورغم توقف المنتدى في العام 2013 لأسبابٍ وصفها سنجاوي باللوجستية، يعرب عن سعادته بأحد روّاد المنتدى، وقد أنشأ منتدىً آخر بمدينة الضعين على غرار منتدى الأميرية، بعد أن أفاد من تجربته. ومثْل منتدى الأميرية، نشأت كثير من المنتديات في أحياء المدينة، في المدارس والمعاهد، خاصة أن عدداً كبيراً من المهمومين بالكتابة والإبداع قد عملوا معلّمين. ويشير جمال غلاب إلى أنّ هناك مكراً حميداً في اختيار المدارس والمعاهد لإقامة المنتديات؛ لأنّ الجهات الأمنية لم تكن تحفل كثيراً بما يدور في تلكم المؤسسات الصغيرة ما لم يكن عملاً سياسياً مباشراً.

ضربة حرّة

عقب استقلال دولة جنوب السودان 2011، استعدَّ نظام الإنقاذ متمثّلاً في حزب المؤتمر الوطني لاستعادة قبضته على ما تبقّى من خارطة البلاد؛ وفي سياق ذلك شنَّت السُّلطات حملة شعواء على المراكز الثقافية. ومنذ العام 2012، تعرّضت عدد من المراكز الثقافية، إلى هجمات شرسة ومتتابعة، من قِبل السُّلطات الحكومية، بأجهزتها المختلفة، عملت على التضييق من نشاط تلك المراكز، ومن ضمنها: مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، ومنتدى السرد والنقد، واتحاد الكتاب السودانيين، ومركز علي الزين الثقافي، وبيت الفنون.

أُسِّس مركز علي الزين أولاً بأم درمان حي البوستة، واستأجر الموسيقار علي الزين مكتباً صغيراً بدءاً من 1997 مؤسِّساً مركز علي الزين الثقافي. ومع ازدياد عدد الدارسين بالمكتب، ولضيق مساحته بأم درمان، التي لا تتجاوز 12 متراً مربعاً، مع استقبال ضيوف المركز من أصدقاء وفنانين، لم يكن المكان مناسباً عملياً، فتدارَس أصدقاء المركز من فنّانين وكتّاب وحادبين على أمر الفنّ توسيع الفكرة، وجعلها أكثر رحابة وجدية وديمومة، وأن يتحوّل فصل الموسيقى إلى مركز له صفته القانونية والاعتبارية والإنسانية، لتخدم قضايا الفن والموسيقى. ولمَّا كان لعلي الزين تاريخُ تعاوُن وعمل بالمركز العام لاتحاد المكفوفين بالمؤسسة بحري، لم يكن هناك عسر في إيجاد فضاء رحب يتّسع للفكرة، كما يشير الشاعر عثمان بشرى في إفادة سابقة لـ «أتَـر» حول المركز.

الشاعر المغيرة حربية مع لافتة مهرجان منتدى مشافهة النص الشعري

مُنِح المركز داراً واسعة بمقرّ اتحاد المكفوفين، بسعر زهيد للإيجار يُدفع بجهد ذاتي من جيوب الأصدقاء والحادبين على مصلحة الفن والثقافة والإبداع. وفي العام 2010 كُوِّنت لجنة تنفيذية للمركز من أصدقاء الموسيقار علي الزين، وبعض الموسيقيين. وشرعت اللجنة في نقل مكتب أم درمان المتواضع وتهيئة الموقع بما يتناسب والمرحلة القادمة، وقبل ذلك كانت هناك لجان قانونية سعَت باستماتة في إيجاد وضع قانونيّ ورسميّ على دفتر المنظمات الأهلية والفنية، التي تنضوي تحت مظلة وزارة الثقافة والإعلام. كُوِّنت لجان تنفيذية وثقافية وفنية، بالتعاون مع مجموعة من أصدقاء وطلاب المركز، وتمخَّض عنها برنامج «ضربة حرة» كلّ سبت.

بدأ نشاط المركز ببرنامج «ضربة حرة» متيحاً لكلّ صاحب موهبة عَرْضها بحرّية دون منصّة لإدارة الفعالية، ولم يَتوقّع أحدٌ من القائمين على ليلة قراءات الشاعر بابكر الوسيلة، بمركز علي الزين في الرابع من أبريل من العام 2012، أن تكون تلك الليلة – التي كانت بمبادرة وتدبير من الشعراء الأصمعي باشري والمغيرة حسين والصادق الرضي – انطلاقةً لمنتدى مشافهة النص الشعري، الذي استمرّ في تقديم أكثر من مائة شاعر وشاعرة خلال سنتين. بعد تلك الليلة ظلَّتْ تتدافع تجارب شعرية عميقة وحيَّة، كُلَّ خميس، نحو مركز علي الزين للثقافة والفنون، الذي كان حاضنةً رحيبةً لأرواح الشعراء، بمشاربهم المختلفة.

وبعد عامين من انطلاقة المنتدى، في أواخر شهر إبريل من العام 2014، وبمجهودٍ ذاتي، ودَعْم من أصدقاء الشعر، عكَف المنتدى على إقامة مهرجان مشافهة النص الشعري الأول، بالتعاون مع اتحاد الكتاب السودانيين، ومركز النيمة بشمبات، ونادي الهاشماب العريق بأم درمان، وجماعة الورشة الجوالة المسرحية. وظلَّ المنتدى يحتفي سنوياً بيوم الشِّعر العالمي، منذ تأسيسه. وظلّ المنتدى يواصل أمسياته حتى أُغلِق المركز في العام 2014م، ومن ثمّ انتقل نشاطه بين المراكز الثقافية في أرجاء العاصمة المثلثة.

أغلِق نشاط مركز علي الزين الثقافي في أبريل من العام 2014، ضمن حملة نفّذتها سُلطات نظام الإنقاذ بحجّة أن المراكز الثقافية كانت تتلقى دعماً من خارج البلاد. بدأ المركز نشاطه مرة أخرى بعد سقوط نظام الإنقاذ، مواصلاً تقديم دروس الموسيقى، وظلّ مقرُّه، عند تقاطع المؤسسة بمدينة بحري، محطّاً لأنظار وأفكار الفنانين والمبدعين، حتى توقف نبضه بالخرطوم مرة أخرى مع اندلاع الحرب.

زريبة الفلسفة

جانب من حضور منتدى زريبة الفلسفة

حينما خفَتَ بريقُ المُنتديات الثقافية في العاصمة، بعد تشديد السُّلطات مرة أخرى على كلّ نشاط مقاوِم، خاصة النشاط الثقافي، وبعد أن تصدَّت بشراسة لهبّة سبتمبر 2013، كان الفيلسوف متوكل محمدين، أحد رواد منتدى المُحامين الذي بدأ يخفت شيئاً فشيئاً حينئذٍ، يُفكِّر في إقامة منتدى بمقر عمله: زريبة حطب في حي العباسية العريق بأم درمان، بعد أن عجز عن تسجيله باسم «نادي الكتاب»، لدى مسجّل الجمعيات الثقافية عام 2014، لأنه لم يسمح بتسجيل جمعية كهذه. صاحِب الزريبة ومؤسِّس المنتدى، متوكل محمدين، درس الفلسفة بجامعة الخرطوم، وبدأ العمل في الزريبة بعد استقالته من وكالة سونا للأنباء في بداية عهد نظام الإنقاذ، وصدَرت له عدد من الكتب المتخصّصة في الفلسفة، وهو أحد رواد منتديات أم درمان. استطاع محمدين أن يجمع حول منتداه مجموعة من الكتّاب الواعدين، وطلاب المعرفة خلال العقد الثاني من الألفية، تنتدي كلّ سبت وسط زرائب الفحم والحطب في حي العباسية، ويتناقشون في الفلسفة والفنّ والسياسة والدّين وما لم يخطر ببال الرقيب أنه قد يزهر ههنا.

يقول الكاتب بيرا كُرّا، في مقال سالف منشور عن زريبة الفلسفة، واصفاً ما يحدث هناك: «ليس الفحم والحطب، بل الكتب النادرة والقيمة. ليست أغلاط البيع والشراء وإنما الحوار في الفلسفة والمنطق والفكر. ليست كتل الأخشاب، بل ديكارت وفوكو وابن سينا ونيتشه».

ضمّ منتدى الزريبة جيلاً جديداً من الكُتَّاب الذين يشكّلون حالياً موجةً ناضجةً في الكتابة الإبداعية والفكرية، ومنهم خالد تورين، مجاهد الدومة، سناء ناصر، بيرا كُرّا، محمد الطيب، مأمون الجاك، وغيرهم وغيرهنّ ممن تهيّأ الطريقُ في عقولهم إلى ثورة فكرية تسبق الثورة بمعناها السياسي. وحينما نشبت الأخيرة كانوا من ضمن من صوّبوا أسهماً فيها.

«كُنَّا مجموعة من المتطوعين المهتمين بقضايا الفلسفة والحقوق، نجتمع في مكان بسيط وسط زرائب الحطب والفحم وصناعة الأزيار، لنتناول القضايا الفلسفية والفكرية، وننضج العدس في النار بينما نتحدث عن توماس هوبز وفيتناشتاين. هذه الخلطة بين الحياة اليومية السودانية والقضايا الفكرية التي تعد صفوية تعكس مدى المفارقة والغرائبية التي نشأت خارج قاعات المؤتمرات والمكاتب والصالات المكيفة»، يقول الكاتب بيرا كرّا واصفاً المشهد الذي ظل يتكرَّر منذ إنشاء المنتدى.

ويضيف بيرا في إفادة لـ«أتر»، أنه تعرف على المنتدى في العام 2015، حينما كان يحاول تطوير مُطالعاته وكتاباته، خاصة في الشعر والقصة والنقد الأدبي. هكذا وجد نفسه في ذلك الوقت منخرطاً في مجالات معرفية أخرى، ومن ضمنها الفلسفة وبالأخص الفلسفة السياسية، وتعرَّف من خلال المنتدى على آخرين يحملون اهتماماته نفسها. يقول: «دلتني إحدى الصديقات المهتمات على المنتدى، فاخترت أحد أيام السبت التي يقام فيها المنتدى لأزوره. ولا أزال أذكر أول منتدى حضرته عن الأصول التاريخية لنشأة الدين، ومنذ ذلك اليوم وجدت نفسي منخرطاً في فعاليات المنتدى الأسبوعية. وأعتقد أن أكثر من جذبني إليه هو طبيعة المواضيع التي يطرحها ومساحة الحرية التي يتيحها في الحوار».

في ذلك الوقت يُذكّر بيرا بأن الوضع السياسي والفكري كان ملغوماً، فضلاً عن قيود قانون النظام العام المطبقة، حيث سيطر التفكير الديني على الفضاء العام. ويقول: «كان هناك فرق واضح بين ما يطرحه منتدى الزريبة ومستوى الحرية المتاح فيه، بالمقارنة مع المنتديات الأخرى؛ فضلاً عن إلمام رواد المنتدى بالمواضيع المطروحة، إذ كانوا مجموعة من المهتمين بالفلسفة ليس لأي غرض سياسي مباشر على عكس بعض المنتديات التي كان يُسيطر عليها تيار أو جماعة سياسية بعينها، مما يُمكِنُ تسميتها بجماعات الظل سواء انتمت إلى الجماعات الإسلامية أم الماركسية على وجه العموم».

قدم أكثر من أكاديمي أطروحاتهم في منتدى الزريبة، ولقيت مناقشات نقدية عميقة قد لا تتوفر في منتدى أو فعالية أخرى، بحسب ما يصف بيرا: «كان طابع أكثر الرواد منهجياً إذ يستند كل منهم إلى أسس فكرية وأولهم مؤسس المنتدى متوكل محمدين المهتم بنقد الأفكار والعقل الديني متأثراً بأفكار فلاسفة التنوير والفلسفة التجريبية، كنا نسميه هوبز الأخير. من جهة أخرى اهتم خالد تورين وهو أحد أركان المنتدى بالفلسفة الوجودية والتصوف؛ كما طبع على يس السوار الاهتمام بالدراسات الاجتماعية. وسط كل هذه الاهتمامات كانت تنشأ المعارك الفكرية».

ومن جهة أخرى يذكر بيرا أن المنتدى ناقش بتجرد قضايا الثورة الانتقال والسيناريوهات الممكنة التي تواجه البلاد في ظل وضع سياسي هش ومضطرب، وقد شارك في هذا الحوار أناس من مختلف جهات السودان، ومن خلال أفكارهم تخلقت ثورة بالمعنى الفكري الأشمل.

«أعتقد أن مثل هذه الثورة التي اندلعت بين زرائب العباسية، قد حدثت في مناطق أخرى، وتُوجت باندلاع ثورة ديسمبر»، يقول بيرا خاتماً حديثه.    

Scroll to Top