أتر

معارض العودة للكتاب المخفّض: فعل ثقافي ممتدّ بين مدن السودان

«عند عودتنا الأولى إلى الخرطوم، رجعنا إلى مقرّنا فوجدناه محاطاً بالأشجار والمياه الراكدة، وكميات كبيرة من البعوض، وفي بيئة متدنّية جداً. فتحنا الدار ونظّفناها، ووجدنا الكتب مبعثرة على الأرض وفي حالة مزرية للغاية، لكن بحمد لله لم تحدث سرقات كبيرة ولا حريق». هكذا وجد أسامة عوض الريّح، مدير دار المصوَّرات للنشر بالخرطوم، مقرَّ الدار بشارع الحرية عند عودتهم إلى الخرطوم بعد استعادة الجيش سيطرته عليها. وقد عمل هو والشباب، بحسب تعبيره، لمدة 10 أيام كاملة لإعادة ترتيب المكتبة من جديد.

بعد إعادة تهيئة المكتبة فكّروا في إقامة «معرض العودة للكتاب المخفض» بالخرطوم والولايات، وهم أصحاب الفكرة، والعودة هنا إشارة إلى «عودتهم بعد الحرب». يقول أسامة: «أخرجنا الكتب من المخازن وقدَّمْنا تخفيضات على أعداد كبيرة منها، وبدأنا بفئات سعرية زهيدة؛ ففي معرضنا بالخرطوم، بدأنا من 1000 و2000 جنيه، ثم ارتفعت في الولايات إلى 3000 و5000 و8000 و10000 جنيه، وبدأنا العمل».

أُقيم المعرض الأول في الخرطوم في شهر ديسمبر 2025 وهو مستمرّ حتى الآن؛ وكانت خطّتهم أن يبدأوا بالخرطوم أولاً، ثم يتوسّعوا نحو الولايات. وحول ذلك يقول أسامة: «رأينا ضرورة الوصول إلى القرّاء في الولايات لأنها تحتضن أعداداً كبيرة من النازحين، ولأنّنا تلقَّيْنا في تجربة المعرض الأول طلبات كثيرة من مختلف المدن السودانية: من الأبيّض، وكوستي، وحلفا الجديدة، والقضارف، وبورتسودان». وسَعوا لإقامة شراكات ولائية تتولّى الترتيب لقيام المعارض في المدن المختلفة.

أعلنت دار المصورات للنشر بالخرطوم، في أواخر أبريل 2026، عن بدء «معارض العودة للكتاب المخفض»، في عدد من المدن، وذلك لإعادة الاعتبار للكتاب الورقي، وتفعيل فعل القراءة في مختلف ولايات السودان. وقد قامت المعارض بتعاون بين الدار ومبادرات أهلية وشبابية في عدد من المدن.

صور من معرض العودة للكتاب المخفض في عطبرة . جميع الصور من تصوير: مراسل

أبو جبيهة: مطر الكتب

الطيب الشيخ حسين، الشهير بـ «الطيب نيوتن»، وهو معلّم بالمرحلة الثانوية، ومؤسّس مبادرة «العودة للقراءة والكتب» بمحلية أبو جبيهة في ولاية جنوب كردفان، قال لمراسل «أتَـر» إنّ فكرة إنشاء مكتبة عامة في محافظة أبو جبيهة بدأت منذ عام 2016، بجهود مجموعة من الشباب. ويقول نيوتن إنهم جلسوا وتفاكروا في إنشاء المكتبة، ثم بدأوا فعلاً بالتبرّع الشخصي بمجموعة من الكتب حتى جمعوا حصيلة مقدَّرة، لكنْ واجههم تحدٍّ كبير في إيجاد مقرّ ليضعوا فيه الكتب، ويأسَف أنهم لم يوفَّقوا في ذلك. ويضيف أنه وفي تلك الفترة «كانت هناك تقاطعات سياسية كبيرة، ومشكلات حالت دون نجاح الفكرة».

لكنهم لم ييأسوا. يقول نيوتن إنهم جدّدوا الفكرة مرة أخرى خلال عامي 2019 – 2020، وأنها نجحت إلى حدٍّ ما، إذ أقاموا معرضاً في الهواء الطلق، لعدم توفر مقرّ، ويواصل حديثه: «أنشأنا صيوان مناسبات عادي وبدأنا بعرض الكتب. وفعلاً شهدت تلك الفترة استقراراً نسبياً، وكان الناس يأتون للقراءة والشراء. لكنْ مع حلول فصل الخريف واجهنا إشكالاً في نقل الكتب، وتلف عدد كبير منها لأنّ الأمطار كانت غزيرة، وتأتي أحياناً دون توقّع، كما فُقد عدد آخر. كذلك مرت البلاد بأزمات مختلفة في ذلك الوقت تسبّبت في تأجيل هذا البرنامج، فنفدت مجموعة الكتب التي جمعناها وبدأنا من الصفر».

في أواسط عام 2025 تواصلَت المبادرة مع أسامة عوض الريّح، مدير دار المصورات، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلموا أنّ الدار تقيم معرضاً للكتاب. كان تواصُلهم مع الدار بهدف إعادة الكتب وحركة القراءة إلى المدينة، بحسب نيوتن، الذي يواصل حديثه: «فعلاً بدأنا بالمكتبة المدرسية، وبجهد شخصي من بعض الأعضاء والطلاب استطعنا تجميع مبلغ مناسب لتكوين نواة صغيرة لمكتبة. بعدها انطلقت المكتبة، وبفضل الله سبحانه وتعالى والمجهودات المقدّرة في دار المصوّرات، عرَضوا علينا تنظيم معرض الكتاب المخفّض في أبو جبيهة، وكنّا على أتمّ الاستعداد رغم أنه شكّل تحدّياً كبيراً بالنسبة لنا».

ويوضح نيوتن أنّ التحديات التي واجهوها تمثّلت في اضطراب الأوضاع الأمنية والاقتصادية في منطقة أبو جبيهة، وعزوف الشباب عن القراءة وانشغالهم بالوسائط الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون والأنشطة المرئية والمسموعة، فضلاً عن أنّ القراءة نفسها لم تكن محور اهتمام لعدد كبير من المتعلّمين والخريجين، وكذلك تحدّي المكان؛ إذ لا يوجد مقرّ محدّد ولا إمكانات كبيرة لجلب كميات من الكتب. يقول نيوتن إنه استغلّ مكتبته الخاصة (مكتبة أبو جبيهة الحديثة) كمعرض للكتاب المخفّض، ويضيف: «بدأنا بأكثر من 100 عنوان من دار المصوّرات، وكنا نبيعها بنفس تكلفة الكتاب في الخرطوم، مع تحمُّلنا لتكاليف الترحيل والتشغيل والإيجار كمبادرة لإعادة الناس إلى القراءة. ومن الناحية الاقتصادية، فإنّ عمليات البيع لا تحقّق أي ربح، بل تشكل خسارة، وحركة البيع ضعيفة جداً خاصة في فصل الخريف، وذلك مع وجود التزامات مالية نتحمّلها من إيجارات وأجور عمّال».

وعن رؤيتهم للمستقبل يقول نيوتن: «نسعى لإعادة حصَّة المكتبة إلى المدارس كجزء من مادة اللغة العربية، والمساعدة في إنشاء مكتبات مدرسية ومكتبة عامة مركزية بمحافظة أبو جبيهة، والتعاون مع دُور النشر لرعاية وتوثيق وطباعة الإنتاج الفكري والأدبي للكتّاب والباحثين بالمنطقة، وإقامة مسابقات قِرائية على مستوى السودان على غرار تحدّي القراءة العربي».

بورتسودان تقرأ

أُسِّست مبادرة «بورتسودان تقرأ» في 6 مارس 2025، بحسب رئيسها أبو علي هاشم الأمين، الذي يوضح أنّ المبادرة تهدف إلى إنشاء مكتبات عامّة في أحياء بورتسودان ومحليات ولاية البحر الأحمر، وإحياء هذه المكتبات بالأنشطة الثقافية من أندية كتب ومسابقات أدبية وحوارات وسجالات فكرية. والغاية من ذلك خلق حراك ثقافي داخل الولاية. ويشير إلى أنّ هذه المبادرة هي امتداد لمبادرات قامت في عام 2019؛ حين كانت هناك مبادرة «مكتبة هيَا»، والكتب التي جُمعت آنذاك هي التي شكّلت النواة الأولى لمبادرة «بورتسودان تقرأ».

«بعد أن انتقلَت المؤسَّسات والشركات والمواطنون من الخرطوم إلى بورتسودان بسبب الحرب، كنّا نتوقّع أن يعود الحراك الثقافي الذي كان بالخرطوم إلى بورتسودان، حتى إننا كنّا نتوقّع إقامة معرض الخرطوم الدولي للكتاب في بورتسودان، لكننا لم نرَ شيئاً من ذلك، لذلك انطلقنا بهذا المشروع لنستطيع سدّ الفراغ الثقافي في الولاية»، يقول أبو علي، ويوضح أنهم بدأوا بالتواصل مع الصحافيين والكتّاب والروائيين والقصّاصين والشعراء في الولاية، وطرحوا عليهم فكرة المبادرة وطموحها وأهدافها، ووجدوا ترحيباً كبيراً بالفكرة، وجمعوا حصيلة مقدّرة من الكتب.

يوضح أبو علي أنّ المبادرة أقامت عدداً من الشراكات المثمرة، ومن أبرزها الشراكة مع «دار المصوَّرات»، التي بدأت منذ 2019 وتجدّدت في 2025. ويقول: «دار المصوّرات من أوائل دُور النشر السودانية الداعمة لمبادرة بورتسودان تقرأ»، مشيراً إلى أن فكرة معارض العودة للكتاب المخفّض بدأت لتقديم الكتاب بأسعار في متناول اليد تبدأ من ألفي جنيه إلى 20 ألف جنيه.

أُقيم معرض بورتسودان في المكتبة الولائية العامة بين 25 و31 يوليو الماضي، وشَهِد إقبالاً كبيراً جداً، بحسب أبو علي؛ الذي يقول: «رغم عدم توفر إحصائية دقيقة، للأسف، لكن منذ أن بدأنا المعارض قبل ثلاثة أشهر شهدت هذه الفترة إقبالاً واسعاً، والإحصائية التقريبية للكتب التي بعناها تتراوح بين 7 و8 آلاف كتاب خلال الأشهر الثلاثة».

«المقرّ الذي نعمل فيه حالياً هو المكتبة الولائية، ونحظى أيضاً باستضافةٍ في مكتبة بورتسودان العامة». ويشير أبوعلي إلى أنهم أنشأوا ثلاث مكتبات عامة وهي: مكتبة حي وَلِّع الثقافية العامة، ومكتبة بمركز شباب حي ديم عرب، ومكتبة بمنطقة هميَم في محلية هيَا. ويضيف: «في الأيام القادمة لدينا فكرة تأسيس نادي الكتاب ليكون نادياً مستمراً، بحيث يختار المشاركون عنواناً محدّداً ليقرأوه ثم يحدِّدون يوماً لمناقشته».

ويختم حديثه قائلاً: «نحن نعمل بجهود ذاتية، ولم نتلقَّ دعماً من أي جهة حكومية، ومشروع مكتبة ولّع الثقافية حظي بدعم منظمة عديلة فقط».

كتب وفنون وتراث في النيل الأبيض

في مدينة كوستي، صاحَبَ معرض الكتاب معرضٌ للفنون التشكيلية والتراث، وأُقيم في مسرح كوستي القومي بين 29 يوليو الماضي و3 أغسطس الجاري ثم مُدّد أجَله حتى 5 أغسطس، وقد نظّمته الجمعية السودانية لتوثيق المعرفة بالنيل الأبيض، وهم أصحاب مُبادرة الجمع بين الكتب ومعرض تشكيل.

يقول الأستاذ حسن عبد الرحمن الصديق، رئيس المبادرة ورئيس الجمعية السودانية لتوثيق المعرفة بولاية النيل الأبيض والمحاضِر بجامعة الإمام المهدي، لمراسل «أتَـر»، إنّ الكتاب سيظلّ حجر الأساس في بناء الوعي وترسيخ المعرفة مهما تطوّرت وسائل التقنية، ووجَّه دعوةً إلى اتخاذ القراءة عادة يومية للأطفال وللأعمار كافةً.

وعن معرض الفنون التشكيلية والتراث المرافق، أوضح أنه مساهمة في تنشيط الحركة الفكرية وإيجاد مساحات حوار حقيقية بين الفنّانين والكتّاب والباحثين والقرّاء، ما يسهم في نشر ثقافة القراءة مجتمعياً. كما شدّد على أنّ حفظ الوثائق والتراث مسؤولية وطنية لحماية تاريخ السودان للأجيال القادمة.

واختتم حسن حديثه بالإشادة بحُسن تنظيم المعرض، داعياً إلى الاستمرار في إقامته دَورياً، وتوسيع مشاركة المؤسسات الأكاديمية والثقافية ومنظّمات المجتمع المدني والشركات لرعاية هذه الأنشطة ودعمها كمسؤولية مجتمعية.

دار المصوَّرات للنشر

يقول أسامة إنّ أول من تعاونوا معهم هم القائمون على مبادرة «بورتسودان تقرأ»، وهم شباب على درجة عالية من النشاط. وشكّلت بورتسودان المحطة الأبرز لوجود شراكة قديمة بين الدار والمبادرة والمكتبة الولائية العامة، التي أسَّسها الوالي السابق محمد طاهر إيلا، وأنّ معارض بورتسودان التي أقيمت في المكتبة الولائية، وفي مقر اتحاد الفنّانين وسط السوق، وفي حي المطار، حقّقت نجاحاً كبيراً.

ويضيف أسامة: «كما عملنا في القضارف مع منتدى الشروق الثقافي لمدة ثلاثة أسابيع، وفي كسلا مع منتدى الورّاقين، وفي عطبرة بالتعاون مع مكتبة «أوبال» في معرض حدائق البلدية، وفي كوستي مع الجمعية السودانية لتوثيق المعرفة. وفي الأسابيع القادمة سنشحن أطناناً من الكتب إلى دنقلا وحلفا الجديدة وقصر الثقافة بود مدني في ولاية الجزيرة».

يأسَف أسامة لأنّ الجهات الرسمية لا تصرِّح بعدم الموافقة على نحو مباشر، إنما تنتهج سلوكاً يقوم على وضع عراقيل إدارية، وذلك على الرغم من أنّ المعرض يشكّل أهمية مباشرة لوزارة الثقافة أو إدارة الثقافة المعنية في الولاية. ورغم النجاح الكبير الذي تَحقَّق في مختلف المحطات الولائية، بفضل المبادرات الأهلية، إلا أنّ تجربة المعارض تواجه بعض التحديات مع الجهات الحكومية؛ وتتمثل في البطء الإداري، والاشتراطات المالية، وفرض الرسوم، إذ يُشترط دفع إيجار مقابل استغلال المواقع التابعة للوزارات الرسمية. ويقول أسامة: «هذه الأمور تعرقل خطّتنا للتوسّع، مقارنةً بالمرونة والانسيابية التي اتّسمت بها المبادرات الشعبية. لكننا نؤكّد أنّنا سنواصل في هذا الفعل الثقافي الممتدّ بين المدن السودانية بكلّ يقين».

وعن وسط الخرطوم وعودة الحراك الثقافي فيه، يقول أسامة إنّ المنطقة ما زالت تفتقر إلى الكثافة السكّانية، فضلاً عن وجود مشكلة كبيرة في إمداد الكهرباء يوضح أنهم استطاعوا معالجتها عبر تركيب منظومة طاقة شمسية للمكتبة. لكنه يعود ليؤكّد أنّ الحركة التجارية منعدمة، «نقضي أحياناً اليوم بطُولِه دون تحقيق أي عائد مالي، رغم أنّ المكتبة مجهَّزة بكتب في المجالات المعرفية كافّة».

لكنْ فضلاً عن كونها متجراً للكتب، فإنّ المصوّرات دار نشر، ويقول أسامة أنهم كناشرين يعانون من مشكلة الرسوم الجمركية، وضرائب المواصفات، والرسوم المفروضة على الكتاب حتى وصوله إلى السودان من القاهرة التي يطبعون فيها. ويوضح أنّ الرسوم المفروضة عالية: «إننا ندفع على الطرد الواحد، سعة 70 إلى 80 كتاباً، رسوماً لا تقلّ عن ما يعادل 20 دولاراً أمريكياً».

ورغم ذلك يتمسّك أسامة عوض الريّح بالأمل، إذ يقول إنهم يتطلّعون إلى تنظيم معرض الخرطوم الدولي للكتاب، حتى لو اقتصر على مشاركة دُور النشر المحلية؛ لأنه يتيح لهم فرصة جلب وطباعة كتب إضافية، كما أنّ له تغطية إعلامية كبيرة وجمهوراً أضخم.

Scroll to Top