1
سلامات، مريم.
في العام الماضي، عندما كنتُ أمشي عبر شارع أوليوتوكتوك بالعاصمة الكينية نيروبي، رأيتُها. مكتوبةً بالعربية والإنقليزية، بدَت لافتة سفارة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كما لو أنها رسالة أخرى منك إليّ.
بلَغتني أولى رسائلك إليّ في مطلع التسعينيات، عندما كنتُ أجلس في طفولتي إلى جانب والديّ وأستمع معهما إلى نشرة الأخبار على ذلك الراديو القديم. ما كانت عبارة «جبهة البوليساريو» التي ظلّت تتردّد في الأخبار كثيراً تعني لي شيئاً، لكنها تركت عليّ علامةً لا تزول: مفتوناً برنّة الكلمات عند نطقها، وشغوفاً ربما بضحكتي الماكرة الصغيرة التي تعقب ذلك، كان ترديدها بنبرة إذاعية مفخمة، كلّما انفردتُ بنفسي، لعبتي المفضّلة في تلك الأيام.
بعدها بسنوات قليلة، علمتُ ماذا تكون «جبهة البوليساريو»، لكنّ المعلومات ظلّت نائيةً حتى 2016؛ عندما عثرتُ صدفةً على إحدى أغنياتك أثناء تجوالي في أعالي موسيقى غرب أفريقيا على يوتيوب، وسمعتك للمرة الأولى وأنت تغنّين. كانت قد مضَت سنة واحدة على رحيلك في 22 أغسطس 2015 وعمرك 57 سنة، من جراء السرطان، في مخيّم السمارة بولاية تندوف جنوب غرب الجزائر. وكانت الأغنية هي «الثقافة»؛ أغنيتك الرسالة التي غنّيتِها أول مرة في يوليو 2010:
قوموا يا الفنّانة، يا أصوات الجماهير
ف أيْديكم الأمانة، والأمانة حَمْل كْبير
تقاليد وعادات، وأصوات الشعب أخير
تصونوها ما بات، يخْلِق فيها تغيير
ابنوها مجتمْعِين، بالظابطة والتسيير
ولا ترْخوُها بين إيدين، مسؤول ولا وزير
اقبضوها من الكبار، اغرسوها في اليِشِّير
تنالوا الاعتبار، الهيبة والتقدير
زيدوا العدو تِلْيَاع، زيدوا العدو تدمير
يا الكاتب والبدّاع، الفنّان القدير
تلك كانت أبلغ رسائلك إليّ أثراً. وكيف لها أن تكون أشدّ قرباً وأخصّ أمراً لي أو لغيري من فنّانة العالم؟ الكلمات، المعاني، الموسيقى، صوتك، حضورك المهيب على المسرح، الرسالة الثقافية والسياسية الواضحة، كلّها كانت بالغة العزّ والاقتدار إلى حدّ أنني شرعتُ في البحث عن ما وراء هذا اللقاء الفريد بين الفنّ والثقافة والسياسة.
علمتُ أولاً أنكِ من الصّحراء الغربيّة.
يعرفك العالم باسم مريم الحسّان، لكنّ قومك يعرفونك باسم مريم منت الحسّان (مريم بنت الحسّان). وأنت الثالثة بين 10 أشقاء وشقيقات لعائلة بدوية، وُلدتِ في 15 أكتوبر 1958 بمنطقة واد تزوة، على بُعد 20 كيلومتراً شرق مدينة السمارة الواقعة إلى الشمال من بلادك التي كانت تُسمّى حينئذ «الصحراء الإسبانية». صَقَل التراث الحسّاني المشحون بالأدب والثقافة والفنّ والسياسة طفولتك الباكرة. وفي ذلك المصهر الغنيّ، وقد اعتدتِ على مرافقة والدتك إلى الأعراس والحفلات الشعبية، وحفظ الأغنيات الحسّانية وترديدها، أزهر صوتك؛ صوت الصحراء الغربية.
عشتِ سنواتك الـ 17 الأولى في أرض أسلافك. ومع انطلاقة الثورة الصحراوية في 1976، بعد أن غزَت الجارتان المغرب وموريتانيا أرض الصحراء الغربية، لجأتِ وعائلتك إلى منطقة المحاريز لوقت قصير، كما رويتِ، ثمّ إلى مخيّمات اللاجئين الصحراويين في ولاية تندوف الجزائرية التي بذلها الرئيس هواري بومدين بُعَيْدَ الغزو المزدوج لإيواء أكثر من 40 ألف لاجئ صحراوي.
في 1977، يخطب النصير بومدين عن ذلك البذل في استقامةٍ ما عادت تَقبل التسوية: «إننا نفتح ذراعينا لنحمي نساء شعب الصحراء وأطفاله، وشيوخه، وعجزته، ونُغيث أولئك الذين يُذبحون ويُقتلون وتُسفَك دماؤهم. وهذا باسم الدِّين، وباسم الوطن، ولأنّ شعباً كاملاً قد فرّ من الصحراء هارباً من جحيم الموت والتشريد والتقتيل، ومن القنبلة بقذائف النابالم التي سلّمها الجيش الفرنسي للجيش المغربي… إننا لا نعادي المغرب ولا موريتانيا، لكننا ساعدنا وسنساعد الشعب الصحراوي الذي رفض أن يُذبح – ويجب أن تدركوا بأنّ آلافاً منه مُهدَّدة بالذبح – والذي رفع السلاح ليدافع عن وجوده، وكيانه وبلاده. ونحن لا نخفي مساعدتنا للشعب الصحراوي، وقد اعترفنا بحكومته المؤقّتة، لأنه شعب يضحّي كلّ يوم من أجل إثبات وجوده، سلاحُه الإيمان والإرادة، والاستعداد للتضحية».
وعلى ذلك النهج، ظلّ بومدين يدعم حقّ أهل الصحراء الغربية في أرضهم، ويحثّ على دعم القضية الصحراوية، ويدافع عنها بلا هوادة، حتى رحيله في 1978. ولم تضع الجزائر كلمته أرضاً حتى في أحلك أيامها.
2
تقع الصحراء الغربية في الركن الشمالي الغربي من قارة أفريقيا، وتمتدّ على مساحة 266 ألف كيلومتر مربع، وهي تطلّ غرباً على المحيط الأطلنطي الشمالي بساحل طوله 1.110 كيلومترات، وتتكوّن جغرافيّاً من إقليمين: الساقية الحمراء في الشمال والوسط (عاصمته العيون)، ووادي الذهب فى الجنوب (عاصمته الداخلة)؛ تُجاورها موريتانيا من الشرق والجنوب؛ والمغرب من الشمال، والجزائر من الشمال الشرقي.
منذ 1884، كابدت الصحراء الغربية تحت وطأة الاحتلال الإسباني حتى 14 نوفمبر 1975، عندما أنهت إسبانيا استعمارها بعد توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية مع المغرب وكان ملكها الحسن الثاني، وموريتانيا التي كان يحكمها المختار ولد داداه وهو رئيسها الأول بعد الاستقلال؛ على أن تقتسم الجارتان الطيبتان، اللتان تقارعتا تاريخياً بمزاعم السيادة على الصحراء الغربية، إدارةَ الأرض التي كانت حتى يومها قد رزحت سلفاً تحت احتلال دام 100 سنة. ومن زخارف تلك الاتفاقية الثلاثية، نقرأ في بندها الثالث أنّ «رغبات الشعب الصحراوي سوف تُحترَم». جمَعت الاتفاقية بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، أما أصحاب الشأن، الصحراء الغربية وشعبها، الذين كانوا يطالبون بالاستقلال، فقد كان نصيبهم من الحضور والمشاركة في تقرير مصير بلادهم أن «تُحترم رغباتهم» لفظاً، لا أكثر.
في 31 أكتوبر 1975، قبل توقيع الاتفاقية بأسبوعين، بدأت المغرب اجتياح الصحراء الغربية عسكرياً. وفي 6 نوفمبر، حشَد ملك المغرب؛ الحسن الثاني، مئات الآلاف من المتطوّعين المدنيين والجنود المغربيين، فعبروا الحدود من المغرب إلى عمق الصحراء الغربية في ما سُمي «المسيرة الخضراء»، قبل أن يطلب منهم الملك الانسحاب شمالاً إلى منطقة طرفاية على ساحل المحيط، تمهيداً وتعجيلاً بتوقيع اتفاقية مدريد، ليتقدّم الجيش المغربي بعدها من الشمال إلى الجنوب في 26 فبراير 1976 ويحتلّ رسمياً، بحقّ الاتفاقية الثلاثية، إقليمَ الساقية الحمراء وعاصمتَه العيون. وفي الوقت ذاته فعَل الجيشُ الموريتانيّ المثلَ، واحتلّ إقليم وادي الذهب، فأطلقت جبهة البوليساريو عملياتها العسكرية ضد الجيشين.
لاحقاً، بعد انقلاب عسكري أطاح بالرئيس الموريتاني المختار ولد داداه في يوليو 1978، وقد دبّره ضبّاط حانقون من استنزاف البلاد في حرب الصحراء، بقيادة المصطفى بن محمد السالك، وقّعت موريتانيا اتفاقاً مع جبهة البوليساريو، استضافته الجزائر في أغسطس 1979، تخلّت بموجبه عن المطالبة بالسيادة على إقليم وادي الذهب، ومن ثمّ انسحب الجيش الموريتاني من الأراضي الصحراوية، وسرعان ما زحف الجيش المغربي واحتلّ الإقليم بدَوره. وكان على الصحراء الغربية أن ترزح تحت 50 سنة أخرى من الاحتلال حتى يومنا هذا.
إمعاناً في إبقاء الصحراويين خاضعين للاحتلال، ومنعهم من عبور الحدود إلى ملاذ المخيّمات في الجزائر، لتعزيز سيادتها على الأرض وأهلها ومواردها، عملت المغرب من 1980 إلى 1987 على إنشاء جدار طوله 2.500 كيلومتر يمتدّ عبر أرض الصحراء الغربية من شمالها إلى جنوبها، وله خمس بوّابات محروسة بكثافة، وحصّنته من جهة الغرب مزيداً بحقول ألغام وحوالي 90 ألف جنديّ. شطَر الجدارُ البلادَ إلى قطاعين، تسيطر المغرب على الأكبر منهما ويُقدَّر بـ80% من أرض الصحراء الغربية، بينما تسيطر جبهة البوليساريو على القطاع الأصغر في محاذاة الحدود مع موريتانيا والجزائر. عالمياً، وعلى الخرائط، يُسمّى الجدار the Berm، وتسمّيه المغرب الساتر الدفاعي والحزام الأمني، بينما يسمّيه أهل الصحراء الغربية جدار العار.
3
إني أسمعك يا مريم. أسمعك تغنّين:
حَيُّوا يا الثوار، حَيُّوا، كلَّ الثوريّين
هبّوا بالكفاحِ هَزْموا الاستعماريّين
يا شعبَ الصّحراء الثوري، نحن ثوريّين
وَأرض الصّحراء الحرّة للصحراويّين
قد يظنّ المرء أنّ تقلُّب هذه الأرض بين أيدي المحتلّين لم يترك فيها موضعاً للشعب الصحراوي نفسه دعك من «رغباته». لكن، بالطبع، كان لكم ما تقولونه وما تفعلونه، حتى من قَبل الاحتلال المغربي والموريتاني.
وسط حركات التحرّر الوطني التي ألهمَت الحياة السياسية والثقافية في ستينيات أفريقيا، لم يكن الصحراويون استثناءً. على طريق كفاحهم لأجل الاستقلال من الاستعمار الإسباني، كوّنوا «حركة تحرير الصحراء» في 1968، بقيادة الصحفي ومعلّم القرآن محمد سيدي إبراهيم بصيري. في يونيو 1970، خرج بصيري ورفاقه في مظاهرة سلمية في حي الزملة بمدينة العيون لتقديم عريضة إلى الحاكم الإسباني تطالب بإنهاء الاستعمار، فردّت السلطات الإسبانية بقمع عنيف، واعتقلت بصيري الذي فُقد أثُرُه منذها. وواصلت السلطات في قمع الحركة ومحاصرتها، ما نقل الصراع إلى أشدّه: تفكُّك الحركة الأولى، ونشوء حركة صحراوية أخرى، مسلّحة، وهي على الأرجح صيرورة سابقتها. في 10 مايو 1973، أنشأ الصحراويون، بقيادة الوالي مصطفى السيد، «الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب the Popular Front for the Liberation of Saguia el-Hamra and Río de Oro»، التي سُمّيت اختصاراً: جبهة البوليساريو.
بعد الغزو المزدوج، بدأ الكفاح المسلّح في 27 فبراير 1976. وفي اليوم ذاته، شَكّلت جبهة البوليساريو حكومتَها، وأعلنت جمهوريتَها: الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. ومنذ إعلانها، اعترفت بها – دولةً مستقلةً وعضواً في الأمم المتحدة – 84 دولة، لكنّ تأرجُح المصالح والتغيّرات قلّص عدد الدول التي تعترف بها حالياً إلى 36 دولة، ولها تمثيل دبلوماسيّ في 34 دولة وسفارات معتمدة في حوالي 20 دولة، منها تلك التي رأيتُها في نيروبي، ووجدتُ في مرآها رسالةً أخرى منكِ إليّ.
منفيّةً من أرضها، أقامت الجمهورية الصحراوية دولتَها حيث يقيم مواطنوها المنفيّون: في مخيّمات تندوف الخمسة بالجزائر (تسمّونها ولايات). وأكسَبَت قوةُ الحقّ والحنين ولاياتِكم أسماءَ خمس مدن صحراوية واقعة تحت الاحتلال المغربي: السمارة (الذي عشتِ فيه وضمّ رُفاتك)، وأوسرد، والعيون، والداخلة، وبوجدور.
في يونيو 1976، بعد أشهر قليلة من إعلان الجمهورية، ودّعتم قائد الجبهة، الوالي مصطفى السيد، شهيداً في جبهة القتال، واستمرّت المعركة منذئذ لمدة 29 سنة.
في 1990، قدّم الأمين العام للأمم المتحدة، بالتعاون مع منظمة الوحدة الأفريقية، مقترحات للتسوية بين المغرب وجبهة البوليساريو، من أبرز عناصرها وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء يقرّر به «شعب الصحراء الغربية» مصيره: الاستقلال أو الاندماج مع المغرب. وفي 1991، أُنشِئَتْ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «MINURSO» لمراقبة تنفيذ خطة التسوية.
لكن من هو شعب الصحراء الغربية؟ وقَف هذا السؤال والخلاف حول إجابته عائقاً دائماً أمام الاستفتاء: رأت جبهة البوليساريو أنّ الناخبين المؤهّلين للتصويت هم سكّان الصحراء الغربية حتى 1974؛ تاريخ آخر تعداد رسميّ أجراه الإسبان، ومن ينحدرون منهم، بينما أرادت المغرب توسيع المعيار ليشمل، إلى جانب الصحراويين الذين حبستهم في الأراضي المحتلة وراء الجدار، أولئك الذين انتقلوا إليها واستوطنوا فيها من المغربيّين بعد المسيرة الخضراء.
تلك هي الأيام التي سيتردّد فيها اسم «جبهة البوليساريو» كثيراً في نشرات الأخبار، وحينها ستأتي إليَّ عبارة «جبهة البوليساريو» برنّتها الفاتنة رسالةً أولى منكِ وتطرُق أذنيّ طفلاً في السودان بعد حوالي عقدين من تكوينها.
عندما بدأت عمليات الكفاح المسلّح في فبراير 1976، انضمَمتِ إلى صفوف جبهة البوليساريو ممرّضةً (وهو العمل الذي استهواكِ منذ وصولكم إلى المخيّم، وداومتِ عليه طوال حياتك أثناء رحلتك الفنية)، ثمّ مغنّية أيضاً للجنود في جبهة القتال ولسكّان الولايات الصحراويين في تندوف. في 1978، انضمَمتِ إلى فرقة الشهيد الوالي الموسيقية، ليزدهر بكِ صوتُ الثورة الصحراوية والكفاح الوطني معنىً وموسيقى وغناءً وثقافة وصلابة. منذها، أنفقتِ سنوات عمرك كلها، يا مريم، تُقاتلين لأجل تحرير صحرائك الغربية الحبيبة؛ قضية ما زال أهلك من بعد رحيلك يقاتلون لأجلها.
ومنذ 1991، ما كفّ الصحراويون وجبهة البوليساريو عن المطالبة بالاستفتاء، حتى انهار وقف إطلاق النار في 2020، نتاجاً لما جرى عند معبر الكركرات الحدودي، وهو طريق تجاريّ تمرّ منه تجارة المغرب إلى موريتانيا وغرب أفريقيا، ويقع ضمن المنطقة العازلة التي أنشِئت أقصى جنوب الصحراء الغربية على حدودها مع موريتانيا، بموجب الاتفاق العسكري رقم (1) المُرافق لوقف إطلاق النار. وهي، كما تعلمين، منطقة تشرف عليها بعثة المينورسو، ويُمنع فيها الوجود العسكري لأيّ من الطرفين.
في 2016، بدأت المغرب رصف الطريق الترابي في منطقة الكركرات، من نقطة المراقبة المغربية باتجاه نقطة المراقبة الموريتانية جنوباً، لمكافحة التهريب وتسهيل حركة الشاحنات جنوباً. رأت جبهة البوليساريو في ذلك مخالفة لاتفاق المنطقة العازلة. في 21 أكتوبر 2020، تجمّع نفر من الصحراويين (مدنيون وعناصر مسلّحة، حسب تقرير المينورسو المتعلّق بالأحداث)، عند الطريق المرصوف وأقاموا حاجزاً أوقف الحركة. في 13 نوفمبر 2020 تدخّلت القوات المغربية وأعادت فتح الطريق، في خطوة عدَّتها جبهة البوليساريو انتهاكاً لوقف إطلاق النار، بينما وصفتها المغرب بأنها عملية لـ «إعادة إرساء حرية التنقل المدني والتجاري». بعدها، أعلن الأمين العام لجبهة البوليساريو ورئيس الجمهورية الصحراوية، إبراهيم غالي «نهاية الالتزام بوقف إطلاق النار» الموقَّع في 1991، وعادت الاشتباكات، على وتيرة متقطعة، بقصف متبادل وتوغُّلات محدودة على طول الجدار، حتى الوقت الحالي.
4
مثلما حمَل إلينا عام 2020 أخبارَ ما جرى في معبر الكركرات، وما تلا ذلك من معاودة القتال رسمياً، فقد حمل إلينا كذلك أخباراً أخرى لا تسرّ، وسلسلة مترابطة من الأحداث تمسّ مصير الصحراء الغربية على نحو أشدّ نكاية مما سبق.
في 15 سبتمبر 2020، رعَت الولايات المتحدة الأمريكية «اتفاقيات إبراهيم»، وهي سلسلة اتفاقيات ثنائية أُبرمت لتطبيع العلاقات في مختلف المجالات بين دولة الاحتلال الأخرى، إسرائيل، والدول ذات الغالبية المسلمة أو العربية من السكّان، ووَقّعت عليها يومئذ إسرائيل مع كلّ من الإمارات العربية المتحدة والبحرين. في 10 ديسمبر 2020، وقّعت عليها المغرب أيضاً، وفي اليوم ذاته كافأت الولايات المتحدة المغرب واعترفت بسيادتها على الصحراء الغربية، وفي اليوم ذاته أيضاً أشادت الإمارات بالاعتراف الأمريكي وأكّدت على موقفها «التاريخي والثابت في دعم المغرب الشقيق في سيادته على كافة أراضيه». وفي 6 يناير 2021، التحق السودان (نعم، بلدي) باتفاقيات إبراهيم ووقّع على إعلانها العام، ولا أدري، يا مريم: هل كان سيمضي في توقيع الاتفاقيات الثنائية الخاصة، لو أنه لم يُمتحَن بحرب أبريل 2023 التي ما زالت آلتُها تكحّ على وجوهنا؟.
أخيراً، في 31 أكتوبر 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2797، بـ «تمديد ولاية بعثة المينورسو»، ودعم مقترح الحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، الذي تقدّمت به المغرب للمجلس في 2007. هلّلت كثير من الدول للقرار، بما فيها المغرب بالطبع. وأصدرت جبهة البوليساريو بياناً فصّلت فيه ما أقرّ به مجلس الأمن لمصلحة القضية الصحراوية، لكنها تحفّظت على بعض عناصر القرار قائلة إنها «تنتهك الوضع الدولي للصحراء الغربية كقضية تصفية استعمار». وجدّدت البوليساريو «استعدادها الدائم للتعاطي البنّاء مع المسار السلمي الذي ترعاه الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، مؤكدةً «أنها لن تكون طرفاً في أي عملية سياسية أو مفاوضات تقوم على أي «مقترحات» تهدف إلى «إضفاء الشرعية» على الاحتلال العسكري المغربي غير الشرعي للصحراء الغربية وحرمان الشعب الصحراوي من حقه غير القابل للتصرف وغير القابل للمساومة أو التقادم في تقرير المصير والسيادة على وطنه».
5
الجليلة مريم،
عندما عزمتُ على كتابة قصةٍ تروي ما رأيتُ من معالم هذا اللقاء الراسخ الذي اجتمع فيكِ، بشدّة الحقّ والمصير، راق لي أن أكتبها رسالةً؛ جواباً على الرسائل التي ما فتئت تتوارد إليّ منذ طفولتي منكِ ومن الصحراء الغربية. لكن ما عسى أن أقول فيها؟ كان أمامي طريقان: أن أخبرك، اعتماداً على المصادر المفتوحة، كيف خدمَت رسالتُك الثقافية وموسيقاك قضية الصحراء الغربية على مدى السنوات العشر الأخيرة منذ رحيلك، أو أن أجد بعضاً من قومك الصحراويين فأستمع إلى ما يريدون أن يخبروك به تحيةً وتذكاراً لك، عن حضورك في حاضرنا، وما تعنيه لهم رحلتك، أنتِ التي أحسنتِ مزج الحياة والفنّ والثقافة والسياسة والنضال، أنتِ التي حملتِ «الأمانة» وأوصلتِها على خير وجه. وكم سيكون طيباً أن تحضر في هذه الرسالة أصوات محبّيك وأهلك ورفاقك وأبناء الأرض التي أحببتِ وناضلتِ لأجل استقلالها. كان نداء الطريق الثاني أقوى بلا ريب، لذلك بدأتُ في البحث عنهم.
وقبل أن أبتعد في بحثي كثيراً، كنتُ أجالس ذات يوم صديقة ومخرجة سينمائية سودانية وأخبرتُها بما عزمتُ عليه، فكتبَت أثناء جلستنا إلى صديق ومخرج سينمائي موريتاني. وقبل أن أنصرف وصديقتي من جلستنا، كان صديقها قد مدّ حبل الوصال بيني وزمرة من أهل الفنّ والصحافة الصحراويين الذين منحَت استجابتُهم وأصواتُهم هذه القصة حياتها. ولا بدّ أن ما جُدْنَ وجادوا عليّ به من كرم وامتنان كان ينهل ممّا جُدْتِ به علينا كلنا.
6
كم تعتزّ بكِ رفيقتُك المغنية والعازفة الصحراوية تربة بَيبو كزيلي، وتخبرني بأنها انضمّت إلى فرقتك وهي صبية، وكانت أصغر أعضاء الفرقة حينها: «شاركتُ مع مريم في كثير من الحفلات. أول رحلة لي معها كانت إلى مهرجان دولي بالجزائر في 5 يوليو 1987، حيث التقينا بفنّانين من 56 دولة كانوا مشاركين معنا. كذلك غنّينا في الفرقة الوطنية الصحراوية للموسيقى والمسرح. في المهرجانات، أعزف على الطبل وأشارك في ورشة الرقص. نقدّم رقصاتنا التقليدية والرقصات الحديثة. وطريقي الذي سلكته منذ طفولتي هو طريق الفنّ. ومنذ أن دخلتُ في الفنّ مع مريم وجماعتها، وعمري 17 سنة، عشتُ معهم التجربة، وما رسّخته مريم فيّ هو ما تبعتُه وما زلتُ عليه. كانت مريم فنّانة، وربة منزل ولها عائلة، وكانت تقوم بواجبها تجاه عائلتها وتجاه فنّها كاملاً، فمسيرتها الفنية تخدم عائلتها الصغيرة والكبيرة وتخدم الثقافة والفنّ والقضية الصحراوية».
تقول تربة إنها شهدَت فيكِ وتعلّمَت منكِ هذا الالتزام عبر السنوات: «كان لنا أطفال صغار، كنّا نتركهم مع أمهاتنا، فنمضي في تأدية واجب القضية، ثم نعود إليهم لتأدية واجبنا تجاههم أيضاً في الخيام وبين عائلاتنا. وكنا نمضي لنغني للجنود في أرضنا المحرّرة في الصحراء. وما كنا نحسّ بما رأينا من مشقة هذه الحياة، لأننا تغلّبنا على المشاق بإيماننا بالله وإيماننا بقضيتنا وبأننا مدافعات عن حقّنا وإرادتنا في الدفاع عن وطننا وقضيتنا. ونحن مؤمنات بقضيتنا، وقد أعطينا إخوتنا وأولادنا وآباءنا من أجل هذه القضية، وما زلنا نعطي من أجل الوطن، لأن مَن ليس له وطن ليس له أي شيء. لقد أُخِذ منا وطننا ظلماً وعدواناً، وما أُخِذ بالقوّة لا يُرَدّ إلا بها. وقد صمدنا، واستشهد مِنا مَن استشهد، وبقي من بقي، وما زلنا ندافع عن قضيتنا».
يتصل بهذا الشعور الجمعيّ واحدٌ من أشهر أناشيدكم الوطنية الصحراوية، «يا أهل العيون»:
يا أهل العيون، يا أهالينا
إنّا قادمون، مُنتصرينا
صوتٌ ينادي، بتَلاقينا
والنصر البادي، تجَلَّى بينا
يومُ الميعادِ، يا أهالينا
يومُ الحصادِ، هَلَّ علينا
نحنُ للوطن، عشنا وضحَّيْنا
فليبقَ الزمن، شاهدْ علينا
تعليقاً على كلمات المقطع الأخير، كتبت لي النانة معروف، وهي صحافية وباحثة وناشطة صحراوية، قائلةً إنها تجسّد «خلاصة حياة عاشتها الفنّانة الصحراوية مريم منت الحسان، وجعلتها ميثاقاً لمسيرتها النضالية والفنية. منذ انخراطها في صفوف الثورة الصحراوية، سخّرت موهبتها لخدمة قضيتها الوطنية، وحملت الأغنية الثورية إلى ميادين الكفاح ومخيّمات اللجوء، فصدحت للشهداء والجرحى واليتامى والأسرى، وأنشدت للحرية والصمود، حتى غدا صوتها جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعب الصحراوي، وسجلاً حياً يوثّق مراحل نضاله وتضحياته».
تتذكّر تربة بيبو أنكِ حرصتِ على أن لا تتركي حفظ هذا السجلّ الحيّ للصدفة: «هذه المرأة البشوشة مع جميع الناس، لا مثال لها. عندما كنّا نعمل مع مريم، تعلّمنا كيف نبني تواصلاً بين الأجيال على طول المسيرة الفنية. وكلّ فنّان صغير السنّ لجأ إلينا كنا نَقبله ونعلّمه ونتعلّم نحن أيضاً. وما تعلمتُه من مريم أنّ الفنان حرّ، الفنان لا يحقد، الفنان متسامح، الفنان بشوش، الفنان حريص على مصالح الناس عامة، الفنان حنون، الفنان متواضع، الفنان عنده الجاذبية التي تجذب إليه القلوب، تجذب الناس، يراه الناس في المستوى الذي يستطيعون تقييمه به. هذا هو الفنان عندي. الفنان الحرّ، المتواضع للناس كلهم. وعندما يأتيه فنّان صغير يريد التعلّم لا يبخل عليه إنما يقف معه ويعلّمه».
لقد حفظتِ ذكرى مخيّم گديم إزيك الاحتجاجيّ إذ أنشدتِ له، ولخبرات التنظيم الثوري التي تجلّت فيه، وللثوّار الصحراويين الشباب الذين أقاموه بالقرب من مدينة العيون في الأراضي المحتلة، من 9 أكتوبر إلى 8 نوفمبر 2010، مطالِبين بفُرصٍ للعمل والسكن والعدالة في أرض بلادهم المحتلة، وبإيقاف الانتهاكات في حقّ الصحراويين، ومنهم مَن طالبوا بحرّية الصحراء الغربية من الاحتلال المغربي. خلال أيام قليلة، انضمّ إليهم مزيد من الشباب والشابات والأمهات والآباء والأطفال. بعد شهر من إقامة المخيّم فضّته السُّلطات المغربية، وقالت إنه صار وكراً للمجرمين.
في مارس 2012، أصدرتِ أغنية «گديم إزيك» ضمن ألبوم «العيون اگدات»:
ثورات التحرير، مزعمها الگديم
مزعمها جدير، بيعودِ لْها زعيم
للصمودِ فتَح باب، للثورة ذاك شباب
وف تونس قام اصحاب، گادي ذاك الحريم
العَنّو طار غْراب الخوف، ووَرا نسيم
مزعم لا فخرة، نصَر الشعب ف مصرَ
شوفو ف مصرَ لِطْرَى، للظلم من التحطيم
هذا كاملْ نَقْرا، من الگديم العظيم
نِتْـقَل ذاك بتمام، إلين اليمن والشام
علَّمْهم الاعتصام، والخيمة والتصميم
والصبر والالتحام، والوحدة والتنظيم
قام بثورة حية، في الجماهيرية
في الحقّ الليبية، شعلت فيها جحيم
كفاح الحرية، والتصميم العظيم
تقولين إنّ اعتصام گديم إزيك الصحراوي في أكتوبر 2010، قد مهّد الطريق لثورات التحرير «الربيع العربي» التي أعقبته بأشهر، وإنه لجديرٌ بقيادتها، فقد أرسل روح الحرية من الصحراء إلى تونس فمصر ثم انتقل بتمامه إلى اليمن والشام وليبيا، وعلّمَهم فنون الثورة.
أقول لك؟ مثلما عبرَت خبرات الشباب الصحراويين في التنظيم الثوري حدودَ المكان، فقد عبرت حدود الزمان أيضاً، وأزعم أنها وصلت إلينا في السودان بتمامها، ربما من طريق غير مباشر، وعلّمتنا «الاعتصام، والخيمة والتصميم، والصبر والالتحام، والوحدة والتنظيم»، وقبلها في معسكرات الجبهة الشرقية بالقرب من هيكوتا الإرتريّة. بدأت الثورة السودانية في ديسمبر 2018 بمواكب متفرّقة في المدن والقرى، ثم انتظمت شيئاً فشيئاً في مواعيد يتناقلها الثوار ويخرجون إلى الشوارع كلما دقّت ساعتها. في 6 أبريل 2019، أقام ثوّار السودان اعتصاماً سلمياً أمام مقرّات القيادة العامة للجيش بالخرطوم، وبعد ستة أيامٍ نجحوا في إسقاط النظام وتنحية الرئيس الذي حكم البلاد لثلاثين سنة، واستمروا شباباً وشابات وأمهات وآباء وأطفالاً في بناء نموذج السودان الذي يريدون بين جنبات ساحة الاعتصام. في 3 يونيو 2019، جاء الجنود بليلٍ، وفضّوا الاعتصام في مجزرة لم تدّخر شيئاً. قالت السُّلطات إنّ الاعتصام قد صار وكراً للمجرمين. إنهم يتعلّمون من نظرائهم أيضاً. سنرى من يتعلّم أفضل.
تشهد النانة معروف أيضاً بأنك قد ألّفتِ وغنّيتِ أغنياتك الثورية هذه لأنكِ عَلِمت أنها قادرة على حفظ ذاكرة الشعب الصحراوي وتوثيق بطولاته وتضحياته لأجل أرضه: «لذلك كرّسَت مريم صوتها للحرب، واللجوء، والشهداء، والأسرى، واليتامى، والمرابطين في الجبهات. كما تناولت في أعمالها قضايا اجتماعية، وجعلت من الفنّ أداةً للتوعية وبناء الإنسان».
وتصف النانة كيف مزجتِ تجربتك الفردية بالمسيرة الوطنية في جميع أغنياتك، قائلةً إنّ حياتك الشخصية ما كانت غائبة عنها قطّ، فقد غنّيتِ للراحلين من أحبابك: غنيتِ لابنك الصغير، لأمّك، ولأصدقائك الفنانين، ورَثيتِ شقيقَيْك اللذين استشهدا في جبهة القتال رثاءَ العزّ بواحدة من أعذب أغنياتك «الشهداء»، وقد صُغتِها حواراً بينكم الثلاثة:
مريم حاجِلْ لِك دهرِكْ ذاك، صْغيرة والناس تْمَارِيك
وانا ما زلت صْغيْر معاك، نبكي غير اعيَيْتِ نْبكِّيك
اصبر يا محمد سالم، ما اقسَى هذا صَرَّة عينيك
وانتَ لا عُدتَ اللي سالم، سوّلتَك ف أي تراب نْجِيك
نافع يرحم قبر يْضُمّك، يا الخُو الكبير الفيك وبيك
وتربَّي جيل على عزمك، حامي عهدك ما هو ناسيك
نافع مِذَّكَّرْني م زلت؟ أمّي وأخواتك وأهاليك
وحياة الحَسَّان أثرك كنتَ، تْخَمَّم تنسى لمْخَلِّيك
مثلما رأيتُ إخلاصَك هذا، يا مريم، في كرم رفيقتك تربة بَيبو واعتزازها بكِ وبعملكما معاً، فقد رأيتُه أيضاً في كرم الصحافية والباحثة النانة معروف، وهي من الجيل الصحراويّ الشابّ الذي لم يقابلك، لكنه تلقّى رسالتك عبر الإذاعة الوطنية، وتفتّح وعيُه على حضورك الباقي وموسيقاك وما تحمله معاني كلماتك من رسائل العزّ والصمود. أثناء مراسلاتي معها، تزور النانة بعض أحبابك في مخيّمات تندوف وتُجري معهم محادثات عن ذكرياتهم وتجاربهم معك، وتجود عليّ بما أخبروها.
يقول لها رفيقك الشاعر الصحراوي البشير ولد اعلي: «مريم منت الحسّان مثلها لا يوجد في الإخلاص المطلق، ليس عندها همّ شخصي أو عمل شخصي أبداً، كلّ شيء أعطته للجبهة، للثورة. ومنذ صغرها سمّوها «مريم الجبهة»، لأنها التحقت بالثورة وما زالت صبية، ومن حينها وهي فنانة الثورة».
وتستعيد ابنة أختك، في حديثها مع النانة، آخر ذكرياتها معك: «توفيت خالتي مريم وعمري سبع عشرة سنة. آخر مرة التقيتها كانت سنة 2015 عندما عادت مريضة في أيامها الأخيرة، ورغم حالتها الصحّية المتدهورة كانت متفائلةً كما عرفناها، فهي إنسانة مريحة، ضحوكة، يستحيل الملل في مجلسها. ومهما تحدثتُ عنها يعجز اللسان عن التعبير. ورغم الوجع والشوق الذي يختلج في صدري، أفخر بها عالياً، خاصة عندما يزورنا أشخاص من دول أخرى وقد وصلهم صوتها». وتقول عن ما يعنيه إرثك لشعب الصحراء الغربية: «مريم لم تترك الديار ولا العقار، لكنها تركت الإيمان بالقضية في قلب كلّ صحراوي».
وتقول صديقتك خديجة المختار، التي تعرّفَتْ عليك في خضمّ حرب التحرير، وعاشت معك تجربة اللجوء الطويلة: «بالنسبة لي، كامرأة صحراوية، كانت مريم منت الحسان أختاً وصديقةً جدّ لطيفة وحبابة، وكانت أيضاً تُمثل رمزاً للمقاومة والكرامة والذاكرة الثقافية للشعب الصحراوي. ما قدّمته مريم للقضية الصحراوية تجاوَز حدود الثقافة والفن والموسيقى، لتصبح الصوت العالمي للقضية الصحراوية، مجسِّدة قوة النساء الصحراويات، وحامية بصوتها التراث والأصالة الصحراوية».
ما كان تجاوُزك «حدود الثقافة والفنّ والموسيقى» الصحراوية، ولا وصولُ صوتك إلى بلدان أخرى، أمراً يسيراً. تصف تربة بيبو صمودك وثباتك أمام المشقة والمرض إلى أن وافاك الأجل، دون أن تقصّري في أداء واجبك تجاه الفنّ والثقافة والقضية، قائلة: «أراه شيئاً وعراً، ولا يقدر عليه كثير من الناس».
أخبرتني تربة بأنها قد ظلّت تعمل معك حتى رحيلك، وأنك لم تتوقفي عن العمل والغناء إلا عند بداية إصابتك بالسرطان: «في عام 2001، ذهبتُ مع مريم في رحلة فنية طويلة، وكنتُ حينها حاملاً. وما كنتُ أُظهِر التعب، لثلاثة أشهر ظللنا نعمل ونسجّل كل يوم، دون أن أخبرهم بأنني حامل، لئلا يتأثّروا بي أو يشفقوا عليّ أو يدفعوني للتقصير في العمل. ولم أخبرهم بأني حامل إلا عندما انتهى العمل، فتأسّفوا كثيراً، واعتذروا أنهم ما كانوا يعلمون وإلا لما سمحوا لي بتحمّل مشقة العمل. كان عليّ أن أصبر لأجل اكتمال العمل ولأجل الفن والقضية وتوصيل الرسالة. وقد تعلّمتُ الصمود وقدرة التحمل هذه من مريم، وقد شهدتها فيها كثيراً، حتى بعد أن مرضَت بالسرطان في 2003 بسنوات».
كنتِ تعلمين أنه إذا كان للصحراء الغربية أن تنال حرّيتها، فلا بدّ للنضال أن يستمر، بخاصة على جبهة الفنّ. تتذكّر تربة بيبو أيام رفقتكما معاً، وتخبرني كيف كنتِ تُصرّين على إبقاء جبهة الفنّ حية: «كانت مريم تقول لنا: الحياة مستمرّة، لا تتخلّوا عن رسالتكم. على كل فنّان صحراوي أن يوصل الرسالة إلى العالم كله، ليعرف العالم بالقضية، لأنّ الكلمة الموزونة تعطي وتوصل ما لم يوصله الخطاب السياسي. لذلك تقول في أغنيتها: قوموا يا الفنّانة، يا أصوات الجماهير، في أيديكم الأمانة، والأمانة حمل كبير».
تقول تربة إنّ تلك هي وصيّتك للفنانين بأن يحملوا الرسالة التي حملتِها وأوصَلتِها إلى مَداها حتى وأنتِ مريضة وطريحة الفراش: «لم تتوقف عن توصيل رسالتها في أغنياتها وتخاطب الجمهور والفنانين كأنها تودّعهم وتسلّمهم الأمانة قبل رحيلها. لقد آمنَت بالله، وآمنَت بقضية الصحراء وأوصلت رسالتها على أحسن وجه، وتركَت فينا روح الواجب حية، ولا نستطيع التخلي عن ذلك. وما طبعَته فينا مريم منذ طفولتنا، وقد كبرنا الآن، ما زلنا عليه سائرين».
وعن تأثيرك ثقافياً في فناني الصحراء الغربية تقول تربة: «لقد صمدَت مريم وخدمت القضية بقوة لا توصف. وقد زرعت هذا الصمود والقوة في الفنانين الذين نشأوا في عنايتها، زرعت فيهم رسالتها وتركتها للأجيال، وكل من يسمع أغانيها من الفنانين يتأثر بفنها. نهار وفاتها، حزن الشعب الصحراوي قاطبةً، وحزن الفنانون الصحراويون أكثر. لأنّ الأمّ والأخت الحنونة، والفنانة القديرة التي أوصلت رسالتها الثقافية إلى العالم كله، رحلَت، بكلّ فخر واعتزاز، وظلّت وهي على فراش الموت توصي بالتمسّك بالقضية، وتوصي الفنانين أن لا يتخلوا عن الأمانة: في أيدكم الأمانة. وهنا يبدو لي ظاهراً، عند الفنانين الصحراويين قاطبة، رمزُ الفنانة مريم الحسّان، عهد ووفاء لهذه القضية. لا تتسع الكلمات لوصف ما صنعت في الثقافة الصحراوية».
وكنتِ الأمّ والفنانة القديرة، يا مريم، حتى لمن لم يقابلوك من الجيل الشاب الذي نشأ في مخيّمات اللجوء بتندوف. تخبرني النانة معروف بأنها كانت تستمتع في طفولتها إلى أغنياتك في الإذاعة الوطنية، وأنها كانت شغوفة بأغنيتك «ألو امّي»:
ألو امّي، ألو امّي، ألو امّي، ألو امّي
هَدْري يا الدمعة ما نخْتَيْر، كنتَ قْبَيْل فراقي لأمّي
غار اثْرُو ذاك لفِيه الخير، يا عيني هَدْرِي لِكْ تَمِّي
ما عَيني تَيْت فْ مصالح، تشْطَنِّي وانتي تتخمِّي
بيا ما خالق شي صالح، من شي سابق ما رَيْت امي
كلامك لي ف التيليفون، وورايا تَقراي تْسَمِّي
ذاك يواسيني ماني هون، من دونك ما صالح همّي
ربَّيتيني وكْبرتَ اعلى، دمّك لي فرُوحي وفدَمِّي
منك ما خالق حد أغلى، وأقرب من لَيْدي للفمِّ
عْطاكِ المولى مكانة، عليك موَصّيني لامّي
سَيْدِ الأنامِ عليك انا، وصّاني بالطاعة لامّي
«هذه الكلمات»، تقول النانة معروف: «تذكّرني بوالدتي التي افترقتُ عنها لفترة في طفولتي عندما غادرتُ البادية لأدرس في المخيَّمات، في زمنٍ لم تكن فيه وسائل الاتصال متاحةً كما هي اليوم. لذلك، كلما استمعتُ إلى تلك الأغنية، عاد إليّ صوت أمي وحنانها، ووصاياها».
عندما تتذكّر النانة أنكِ رحلتِ قبل عشر سنوات، وأنّ حضورك لم ينقطع، وما زال صوتك يتردّد في وجدان كلّ صحراوي، لأنّ أغانيك تحفظ ذاكرة الحرب واللجوء والمقاومة، ولأنّ إرثك بقي شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ الشعب الصحراوي؛ ترى في ذلك كُلِّهِ دليلاً على «أنّ الفن الصادق قادرٌ على صون الذاكرة، وترسيخ الهوية، وإبقاء الوطن حياً في الضمير، مهما امتدّ الزمن».



