أتر

حقيبة الفنّ: في أصالة وطني العزيز

عرضٌ لكتاب «هويّة السودان، من خلال نصوص الحقيبة»، د. عفاف عبد الحفيظ محمد رحمة، مركز عبد الكريم ميرغني، الخرطوم: 2023.

أصل هذا الكتاب رسالة لنيل درجة الدكتوراة من جامعة الخرطوم قدّمتها المؤلفة في العام 2015، عنوانها «حقيبة الفن والحركة الوطنية»، أشرف عليها بروفيسور عبد الله علي إبراهيم. ويستعرض الكتاب كيف صَوّرت «أغنية الحقيبة» في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ملامحَ وطنٍ مأمولٍ بعد جلاء المُستعمِر، ساعياً إلى الكشف عن الهوية السودانية كما تخيّلَها القوميُّون السودانيون وشعراء تلك الحقبة، الذين جسّدوا تطلّعاتهم في إنتاجٍ فنّي عُرف لاحقاً بـ«أغاني الحقيبة».

استندت الكاتبة في عملها هذا «هوية السودان من خلال نصوص الحقيبة»، وهو عملٌ جدُّ دؤوب، إلى جملة من الموارد والبحوث والمقابلات: أرشيف قسم الفلكلور بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم، وتَسجيلات برنامج «حقيبة الفن» بالمكتبة الصوتية للإذاعة السودانية بأم درمان، إضافةً إلى الكتابات المتخصّصة في أدب «الحقيبة». كما أجرت مقابلاتٍ شخصية، سجّلتها في 20 شريط كاسيت، مدّة كلٍ منها 90 دقيقة، وشهدت جلسات نقاش تناولت فنّ الحقيبة في مدينتي أم درمان والخرطوم، وزارت منتدياتهما: منتدى «دار فنّ الغناء الشعبي»، ومنتدى «دار فلّاح لتطوير الأغنية الشعبية»، بهدف الإحاطة بتراث الحقيبة وأدبها.

قدَّم بروفيسور عبد الله علي إبراهيم هذا الكتاب -وهو تقديمٌ احتفائيٌّ وافٍ لهذا العمل- موضحاً مكمن قوة البحث الذي أُجري من وراء هذا الكتاب. وعقَد الكتاب من خلال البحث مسألتين على نحو غير مسبوق: الحركة الوطنية وتراث حقيبة الفن.

أغاني ما بين الحربين

تناولت د. عفاف في الفصل الأول تعريف «أغنية الحقيبة» ومصادر دراستها، بوصفها جنساً فولكلورياً، ومجالاً لتشكيل الهوية الثقافية، وأداةً للاحتجاج الثقافي، وشاهداً تاريخياً. واستندت الباحثة إلى نظرية «الجماعات المُتخيَّلة» لـ«بينيديكت أندرسون»، لدراسة أغاني الحقيبة بوصفها تعبيراً وطنياً يُجسِّد روح القومية السودانية.

وقد أشارت المؤلفة إلى ظهور هذا النمط من الغناء في السودان خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وقد عُرف حينها بـ«أغاني ما بين الحربين» أو «أغاني أم درمان» نسبةً للمدينة التي شهدت ميلادها، قبل أن يُطلَق عليها اسم «الحقيبة» في مطلع الستينيات، حين بدأت إذاعة أم درمان بثّ برنامجٍ مخصّص لها سُمِّي بـ«حقيبة الفنّ». وأشارت الباحثة إلى أن أغنية الحقيبة قد نشأت ضمن جماعةٍ تناقلت الأغاني شفهياً في سياق حضري، وازدهرت على مدى عقدين؛ وهو طرح يستند إلى دراسة «ألان دنديز» للجماعات الفولكلورية، التي تشكّلت من شعراء طوّروا تقاليد وقوانين خاصة للتأليف الشعري، وضوابط لتقييم الأعضاء الجدد، ممن جمَع بينهم شغفٌ مشتركٌ بالإبداع والمنافسة.

تربط د. عفاف أغاني الحقيبة بالثقافة الشعبية؛ بوصفها امتداداً لثقافة الجماعة أو ما يُعرف بـ«ثقافة الناس أو الشعب»، مُستعينةً بتعريف ريبيكا أوزبورن للفولكلور بأنه «الثقافة التي صنعها الناس بأنفسهم». لقد لامست أغاني الحقيبة وجدان الناس ومشاعرهم في أوقاتِ النهوض الوطني؛ إذ رُبطت رسالتها وأسلوبها بالثقافة الشعبية السائدة آنذاك. واتخذت الباحثة من أغنية الحقيبة شاهداً على التاريخ عبر علم الفولكلور، الذي يستند بدَوره إلى ثقافةٍ نشأت بين أقوام في زمان ومكان محدّدين. وتتبّعت أدب الحقيبة، والإنتاج الوفير لأغنيتها التي عكست الهوية السودانية إبان فترة الاستعمار البريطاني، لتُضحي وسيلة احتجاج ضد الهيمنة الاستعمارية.

وفي الفصل الثاني، تطرّقت الكاتبة إلى الفرضيات التي اقترحتها نظرية «المجتمعات المُتخيّلة»، للكشف عن الطريقة التي عارضت بها القوميةُ في السودان الاحتلالَ البريطاني، مُجيبةً عن أسئلة عِدّة: كيف جرى تخيُّل الأمة السودانية؟ وما المنابر التي استُخدمت لتشكيل وإشاعة هذا الخيال؟ وما الوسائل التي عبّرت عنه؟ وهي تساؤلات نقديّة عُنِيَت بدراسة تطوّر القومية السودانية في الفترة بين العشرينيات والأربعينيات، بالاستناد إلى دَور التعليم الحديث في خلق نُخبٍ متعلّمة اهتمت برفع الوعي القومي، ووضعت تصوّرات للأمة السودانية عبر أدوات جديدة؛ منها ظهور السكك الحديدية إبان الحكم البريطاني ودَورها في نشوء المدن وتزايد التداخل الاجتماعي، إضافةً إلى دَور وسائل الاتصال كالتلغراف والإذاعة، والثقافة المرئية كالتصوير والإعلانات والسينما، ودَور الصحافة في تكوين الهوية السودانية والدعوة لتطوير الأدب الوطني، فضلاً عن النقاش حولَ أهمية خلق الأدب السوداني الذي يمكن أنّ يعبّر عن الأمة السودانية. وقد شكّلت هذه العوامل مجتمعةً حافزاً لنشوء أغنية الحقيبة، ودفعت بها لتكون منبراً لتخيّل الأمة السودانية. ومثلما لاحظت الكاتبة الأمريكية هيذر شاركي في كتابها «Living with colonialism nationalism and culture in the Anglo-Egyptian Sudan»، فإنّ المتعلّمين السودانيّين هم أول الوطنيّين الذين طوّروا الإحساس بالسودان، وهم أوّل من طوّروا أفكارهم الخاصة عن الأُمَّة السودانية.

بيت اللعبة

تناول الفصل الثالث مجتمع أغاني الحقيبة في أم درمان، ودراسة فنّ الحقيبة في سياق تقاليد الموسيقى والغناء في السودان؛ وفحصت الكاتبة من خلاله شعر الدوبيت أو الدوباي المُغنَّى، وهو شعر شفوي كان شائعاً بين القبائل البدوية في وسط السودان، ويتكون عادةً من أربعة أبيات ويحكي عن تجربة كاملة. وكذلك تتبعت «المديح النبوي» وهو شعر مدحٍ في الرسول الكريم؛ إضافة إلى علاقة أغاني الحقيبة بأغاني «السيرة» و«الدلوكة».

أدخلت المؤلفة في هذا الفصل القارئةَ إلى «بيت اللعبة»، أو «بيت العريس» بوصفه المكان الرئيس لإقامة احتفالات الزواج وتقديم أغاني الحقيبة. وأشارت إلى أنّ هُناك رأيين في أصول أغاني الحقيبة، الأول: أنّ الحقيبة تعود في أصلها إلى الإبداع الفنِّي للمُغنِّي محمد ود الفكي – توفي في أم درمان عام 1966 – القادم من منطقة كبوشية في ولاية نهر النيل شمال السودان حاملاً معه تقاليد غنائية تُسمَّى «أغاني السافل»، والسافل تعني الشمال بالنسبة لساكني أم درمان في العام 1900، حيث أقام فترة وقدّم أغانيه لكنّه عاد إلى كبوشية تحت ضغط أسرته. وعاد ود الفكي مرةً أخرى إلى أم درمان في العام 1915، وأسَر الناسَ بجمال صوته وأسلوبه الجديد؛ إذ كان السائد في حفلات الزواج آنذاك فنّ «الطمبور»، الذي يَعتمد على الأصوات الحلْقية لمجموعة من ثلاثة رجال «الطمبارة» يُلقون أبياتاً من الدوبيت. لقد أحدث «ود الفكي» تحوّلاً في الأغنية، ناقلاً الأداء في بيوت الأعراس من الأصوات الحلْقية إلى الشِّعر المُغنَّى، ما أسهم في الارتقاء بمكانة الفنان في المجتمع. أما الرأي الثاني، فيقول إنّ الحقيبة ظهرت في ظروف معينة، وفي يوم معين، ومناسبةٍ معينة في العام 1919، في احتفالات زواج بشير الشيخ، وهو تاجر من أثرياء أم درمان، حيث غنّى سرور منفرداً من دون رفقة الطمبارة. تتبَّع هذا الرأيُ الأصولَ المُحتَمَلة للحقيبة عبر إبداع إبراهيم العبّادي ومحمد أحمد سَرور. كما نظرَ هذا الفصل أيضاً إلى دَور الشاعر في توثيق أحداث الحفل، واستعرض المصادر المعرفية لشعراء الحقيبة، التي خبروها من الخلاوي والعلوم الإسلامية وبلاغة اللغة العربية والتاريخ والثقافة الإسلامية، فضلاً عن خبراتهم في ترتيل القرآن وتجويده، ما صقل مهاراتهم في ضبط الأصوات ومخارج الحروف، إلى جانب تمكّنهم من التراث الشعري العربي.

ومثّل «بيت اللعبة» في أم درمان «1920-1940» مسرحاً لأغاني الحقيبة الوطنية، وكذلك مكاناً لاحتضان مسرحيات التقدّم الاجتماعي، منها: مسرحيات «العبّادي» الحُبلى بالقضايا السياسية والوطنية والمُستلهمة من التاريخ، ومسرحيات «سيد عبد العزيز» التي مالت إلى النقد الاجتماعي. لقد نقلتنا الكاتبة إلى حفلٍ في «بيت اللعبة»، حيث تجلس الفتيات على «السَّبَاتة» -وهي بساطٌ ملوَّن منسوجٌ يدوياً من السعف- في مواجهة الحائط، مديراتٍ أجسادهن للحضور، وقد صوّر الشيخ ود الرضي – توفي بمنطقة أم ضواً بان عن عمر ناهز المائة عام – هذه الجلسة:

جلَسَن شُوفْ يا حَلَاتِن

فُزَّر في ناصِلاتِن

قالوا ليَّ جَنْ هُوْي يا الله

الحبايب حَبابِن

واللهْ بَريد غَلاتِن

قالوا ليَّ جَنْ هُوي حَبابِن يا الله

تشكُّل الهوية

أما الفصل الرابع، فقد تطرّق إلى تشكّل هوية الأمة من اللغة والثقافة والدين، وبيَّن كيف شكلت أغاني حقيبة مسرحاً تجلّت فيه ملامح الأمة السودانية، كاشفاً الكيفية التي نقلت بها «أغاني الحقيبة» السودانيين نحو آفاقٍ رحبة من الخيال القومي، انطلاقاً من اللغة والثقافة والدين، وهي مرتكزات تجلّت في أثر الشعر العربي وأساليبه البلاغية -كالجناس- في أغنية الحقيبة. ومثاله ما جاء به الشيخ «ود الرضي»:

ليالي الخير جَادَنْ

نسايم الليل عادَنْ

من المحبوب

شُفْتَ في الأحلامْ ظبي يتهادَنْ

برخِيم نغمات خلّي تنادَنْ

عبرات الشّوق بي ازدادَنْ

تلكُمْ أحلامْ ليتَ تَمادَنْ

شفتَ الحُسُنْ الحافلْ رافِل

في ثياب العِزْ والعِز كَافل

رائعْ واحِل تَايِه غَافِل

لادِن هَادِل ضامِر كافِل

يلقي هذا الفصل نظرة إلى توظيف مبادئ التربية الإسلامية في شعر الحقيبة، مستشهداً بقصيدة ود الرضي أيضاً «أحرموني ولا تحرموني- 1924»، التي اتخذ فيها من تعاليم الإسلام بالسلام ذريعةً لمُعاتبة محبوبته التي حرمته من إلقاء التحية عليها.

وتناولت الكاتبة في الفصل الخامس والأخير الأمة السودانية المُتخيّلة في نصوص أغنية الحقيبة وتغنّيها بالوطن، ورصدت مقاييس جمال وملامح المرأة الجسدية في تلك الأغنيات، وعلاقة الرجل بالمرأة واحتفائه بصفاتها وقيمتها وحثّه لها على الكفاح من أجل حقوقها في التعليم كما فعَل خليل فرح في أغنية «فَلق الصباح». واستعرض الفصل نشأة أغنية الحقيبة بوصفها رمزاً أسهم في إذكاءِ مشاعر القوميّين ورسمِ ملامح التوجُّه الوطني، مُشيرةً إلى تفاعل أشعارها مع الأحداث السياسية المعاصرة، ومُبينةً أنّ أغاني الحقيبة قد قدّمت لنا سبباً قوياً لحبّ الوطن. وفي ذلك كتب يوسف مصطفى التني «1907-1969»:

في الفؤادْ ترعاهُ العناية

بين ضلوعي الوطن العزيز

لي عِداهُ بِسَوِّي النِّكاية

وإنْ هُزمتَ بلَمْلِم قوَايَ

غيرْ سلامتك ما عندي غاية

إنْ شاء الله تَسْلَم وطني العزيز

Scroll to Top